قصيدة "دودة الحب" للشاعر أحمد العجمي بين الصدمة والتأمل


القصيدة النفاذة للشاعر احمد العجمي

(( لماذا كل هذا الكلام

عن أمراض الشمس؟!

مدّوا أيديكم في جيوبكم

وأخرجوا

الآلهة الشريرة منها،

وإلّا لن تنمو

دودة الحب. ))

هذه القصيدة كانت متعة وصدمة لي.

بدأ بسؤال احتجاجي جميل

( لماذا كل هذا الكلام)

عن ماذا هذه الثرثرة؟ عن أمراض الشمس

وما هي الشمس أولاً؟ حتى نعرف أمراضها!!

الشمس في الأدب والفن رمز للحقيقة والشجاعة والقوة والحياة

إذاً أمراض هذه الصفات ما هي؟

الكذب ضد الحقيقة

الجبن ضد الشجاعة

الضعف ضد القوة

الموت ضد الحياة

ولذلك كَثفَ الشاعر في مقطع جميل صغير

أمراض الشمس دون أن يكشفها.

ليأتي بالمقطع الآخر الأجمل

( مدوا أيديكم في جيوبكم)

دلالات جميلة للدخول في عمق الذات الانسانية، جيوب القلب والنفس واللاشعور

والهدف. وأن نخرج الشر والقبح والكراهية والتمييز من قلوبنا وذواتنا.

شيء جميل دعوة العجمي الواضحة والواقعية، فالشمس الطاهرة لا أمراض فيها، وأعماق الذات لا بد من تطهيرها من الاشرار والاحقاد.

حين يتكثف الشعر فلابد أن تكون كتلته كبيرة بحيث تختزن فيها طاقاته المتعددة مثل السحر والدهشة والمتعة واللعب والتلغيز والصدمة أيضاً؛ وبلاغة القصيدة الحديثة تشتغل على المتباعد من العلاقات؛ مثل علاقة الأمراض والشمس، والدودة والحب.

وكي نكتشف عن هذه الطاقات ونكشفها علينا أولاً أن نفجر هذه الكتلة المضغوطة. فأمراض الشمس هي أمراض عقولنا وتفكيرنا، لأن شمسنا هي العقل، والمتمثلة في الكذب والجبن، والجهل، والاتباع والضعف. وهذه الأمراض تشكل الظلمة والبرودة التي في جيوبكم، أي في ذواتكم والتي تحتضن الشر والكراهية والأحقاد والعبودية.

وتنتهي القصيدة كمعادلة أرسطو؛

الف= باء

وباء= جيم

إذاً

جيم = الف

أي ، إذا وجدتْ ألامراض في شمس الحقيقة

واشرار واحقاد في جيوب القلوب ،فإن النتيجة لا تنمو دودة الحب:

هنا صدمة القصيدة

فالعقل يتقبل نصيحة الشاعر بأن إذا رغبتم النماء ضد الاحقاد فالحل هو:

حديقة الحب

فضاء الحب

رحيق الحب

نحلة الحب

ولكن دودة الحب

هنا الصدمة إذاً.

أي دودة هذه مرتبطة بالحب؟؟؟؟

الدودة تحمل تأويلات كثيرة معظمها لها دلالات القبح ، الدودة مرض، ولكن هل دودة القز مرض ام خلق لحياة جديدة، لتنطلق للحب. لست أدري؟

القصيدة كانت نصائحية واضحة لحين الوصول لثيمة الدودة وربطها بالحب، فأصبحت صادمة لي.

كيف أربط الحب بالدودة، نقيضان ظاهرياً وإن كان جوانياً لهما علاقة روحانية فيما بين النقيضين.

دودة العجمي أثارت في نفسي معاني سلبية للحب: فهل للحب علاقة بالدودة؟؟؟!!!

نعم، هناك علاقة إذا ربطنا الدودة بسياق القصيدة كلها. فإن لم تحرروا ذواتكم من صفات آلهة الشر فلن يحدث نمو لدودة الحب الكامنة أو المهملة. وللدودة ميزات كثيرة فهي تعيش في أماكن مختلفة، ظاهرة ومختفية، وفي ظروف متفاوتة، وهي لا تتوقف عن الحركة.

وهناك دائما علاقة طردية بين الحب والحرية، فكلما تخلصنا من أمراض أحدهما نما ونما معه الآخر.

أحببت القصيدة من دودتها!

التناص أو توارد خواطر :

هل هناك تناص أو توارد للخواطر بين دودة العجمي وقصائد شاعر أو شعراء آخرين؟؟

قصيدة من ديوان للكاتب التشيلي الراحل روبرتو بولانيو، القصيدة تحمل عنوان الديوان "الكلاب الرومانسية"، ويجمع بين دفتيه القصائد التي كتبها في الفترة ما بين 1980 و1998.

الكلاب الرومانسية

(( في ذلك الزمن

كنتُ في العشرين

وكنتُ مجنوناً.

خسرتُ بلداً

لكنّني ربحتُ حُلماً في المقابل.

حين فزتُ بهذا الحلم

لم يعد لأيّ شيء آخر أهمية.

لا العمل ولا الصّلاة

ولا الدراسة في الفجر

مع الكلاب الرومانسية.

عاش الحلم في فراغِ رُوحي.

غرفةٌ من خشب

في الظلام

في إحدى رئتيّ منطقةٌ استوائية.

أحياناً ألتفتُ إلى الداخل لأتفقّده :

تمثالٌ مخلّد في الأفكار السائلة

دودة بيضاء تتقلّب في الحبّ

حبٌّ هارب

حلمٌ بداخل حلم آخر.

وكابوس يقول لي: سوف تنمُو.

سوف تترك خلفك

صورَ الألم والمتاهة وتنسى.

لكن، في ذلك الزمن،

كان النموُّ يمكن أن يصيرَ جريمة.

قلتُ: أنا هنا

مع الكلاب الرومانسية

وهنا سأبقى )).

التناص أو توارد الخواطر بين قصيدة العجمي والشاعر التشيلي واضح.

الشاعر التشيلي يقول:

دودة بيضاء تتقلّب في الحبّ

حبٌّ هارب

حلمٌ بداخل حلم آخر.

وكابوس يقول لي: سوف تنمُو.

وقصيدة العجمي تردد نفس الثيمات أيضاً:

دودة الحب

والنمو في الحب

ثم هناك عنوان القصيدة:كلاب رومانسية.

هل للعجمي ديوان يحمل عنوان كلاب أو كلب أو أو، نعم لديه ديوان بعنوان ( الكلب ضوء أبيض ) و القصيدة التشيلية بعنوان ( الكلاب الرومانسية)

أليست الكلاب الرومانسية مثل ضوء وبياض المشاعر، ككلب العجمي ؟!

مهما كان الاحتمال بين القصيدتين والكلبين البحريني والتشيلي، بيدَ أن الدودة بينهما ترك "الحب" تائهاً بين الغموض والصدمة، والجمال والقبح.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email