أصوات في الظلام .. كيف يمكن أن نفهم إيران؟ وماذا يريد شعبها؟

"الكاتبة  الإيرانية (ليلى عظم زنكنه)  مؤلفة كتاب "أختي: احذري من حجابك.. أخي: احذر من عينيك

 

بقلم: أندريه ناغورسكي

 

إذا تجاوزنا عناوين الأخبار التي تتحدث عن طموحات إيران النووية، والمواجهة بين الزعامات الإيرانية السياسية والدينية، ومحاولة الحكومات الغربية استنباط وسيلة ما لإبقاء إيران تحت المراقبة الدولية، هناك أكثر من سؤال جوهري يطرح نفسه: كيف يمكن أن نفهم إيران؟ وماذا يريد شعبها؟. الكاتبة (ليلى عظم زنكنه)  مؤلفة كتاب (أختي: احذري من حجابك.. أخي: احذر من عينيك) تقول انه لا توجد إجابات سهلة لهذه الأسئلة وبأن " إيران على مفترق طرق سريالية بين الإسلام السياسي، والقنوات الفضائية.. بين الإسلام المتشدد، ومجتمع الشباب، الذي يتوق للوصول إلى الحداثة المتجسدة، بشكل ما، في الحلم الأمريكي ".

 

ولكن هذا الكتاب الصغير الذي يحتوي على مساهمات 15 فناناً ومفكراً إيرانياً، يعيش أكثرهم في الغرب، يلقي لمحة مثيرة على الواقع المعقد وما يفرزه من اضطرابات نفسية. ورغم أن معظمهم يتفق مع الكاتب الإيراني رضا أصلان الذي يصف الوضع بأنه " غريب وخليط من التطرف الديني وفاشية العالم الثالث"  إلا أنهم لا يبدون ارتياحاً عندما يبدي الغربيون الملاحظات نفسها، ومثال على ذلك المصورة الفوتوغرافية شيرين نشات التي تعارض إظهار النساء الإيرانيات على إنهن ضحايا، إلا أنها في موقع آخر تقول بأنهن يمتلكن الإبداع والقوة في مواجهة الاضطهاد.  

المصورة الفوتوغرافية شيرين نشات

 

العديد من هذه المقالات والمقابلات تشوبها روح غنائية تسمو فوق التناقضات الظاهرية، خذ على سبيل المثال مقالة الكاتبة (مهرانكيز كار) المهمة عن تماثيل المانكين. فقد لاحظ المدافعون عن حقوق الإنسان تنامي سلطة الأصوليين من خلال المصير الذي آلت إليه تماثيل المانكين في فترينات المحلات: في البدء، أضيفت بعض بوصات إلى التنانير، وبعد ذلك تم نزع الشعر عن رؤوسهن حين أصبح لبس الحجاب إلزامياً، ومن ثم أصدرت المحاكم الإسلامية قراراً بإتلاف تماثيل المانكين السافرات، وأخيراً، تم نزع رؤوس كل الدمى في الفترينات، بعد أن اعتبرت السلطات بأن شفاههن وعيونهن مثيرة على نحو غير ملائم. 

هذه العملية تماثل التردي الشامل لحقوق المرأة في إيران.  تقول مهرانكيز كار ان " المرأة المثالية، من وجهة نظر المتطرفين، هي   التي لا عيون لها لترى، ولا لسان لها لتتكلم، ولا ساقين لتهرب ". وفي نفس الوقت فإنها ترى تزايداً في الحركة الشعبية بين النساء المطالبات باسترداد حريتهن وكرامتهن الشخصية. وهي تشير إلى الأساليب  البارعة التي تبتكرها النساء، مثل تصميم أزياء ذات ألوان مبهجة، رغم ارتداء الشادور الإلزامي.

 

كتبت الصحافية (آزاده معافيني)  في كتابها (جهاد أحمر الشفاه): " ان مجتمعاً تتعاظم فيه الممنوعات، لابد أن تنشأ فيه حياة اجتماعية مزدوجة. يقول الإيرانيون لمواطنيهم الذين يعيشون في الخارج ان إيران تشهد ثورة جنسية عارمة خلف الأبواب الموصدة، حيث الشباب منغمس في الملذات وفي اللهو المعربد “. ان معظم التحليلات تشير إلى أن النظام نجح أكثر في تدمير الروح الرومانسية من تدميره للحياة الجنسية. 

 

 

تذكر الأديبة (نغمه زاربافيان)  أن الرقابة في إيران حذفت مشاهد الحب من ترجمة رواية ميلان كونديرا " الهوية " ، لكن أبقت على عبارات مثل " المعاشرة " و " الاغتصاب " ، وبكلمات أخرى تحظر الرقابة كل الايروتيكية المعتدلة وتسمح بالممارسة والعنف. 

 

ومع ذلك فكل شخص شاهد تجارب السينما الإيرانية المهمة    التي تفرض وجود الشخصيات العادية، والعواطف الإنسانية والمشاهد الواقعية، يستشعر أن شيئاً ما يحدث أكثر من ذلك.

 

يقول عباس كيارستمي، أحد أهم المخرجين السينمائيين:" ان بلدي إيران لا يشبه إيران التي تصورها نشرات الأخبار اليومية، وعندي ثقة بأن أفلامي هي أقرب للواقع الإيراني: اجتماعياً، وثقافياً، وروحياً ". هذا يعني أن أفلامه تجتذب الجمهور رغم أن الحكومة تمنع توزيع أفلامه، وتمنع تسجيلها على اسطوانات DVD.

كتابات أخرى تذكر أن الإنترنت ليست مجرد مصدر للمعلومات غير خاضعة للرقابة وحسب، بل هي منبر لكافة أشكال التعبير الفني، مثل عرض الصور الفوتوغرافية التي لا تحظى بفرصة الظهور العلني.

على النقيض من كيارستمي، الذي قرر أن لا يرحل عن إيران أبداً، يتوق الكثير من الإيرانيين الشباب الهجرة إلى الغرب، ونذكر على سبيل المثال الشاب الذي يلتمس من الغرب تخفيف القيود على إصدار تأشيرات الدخول حتى " يتمكن من تنظيف عقله ".

 

معظم الأصوات في هذا الكتاب تمثل الفئة المثقفة التي اختارت المنفى، وحملت في أعماقها حباً للوطن، وتحاول أن توضح للرأي العام، في الولايات المتحدة وأماكن أخرى، رأيها في القضايا المصيرية، مما يطرح سؤالاً أخيراً: كيف يمكن لبلد ينجب كل هؤلاء المبدعين والمثقفين، أن يسمح في الوقت نفسه بسيطرة الأصوليين والديماغوجيين على مقاليد الحياة ؟.

 

هذا الكتاب لا يجيب على هذا السؤال، ولكنه بالتأكيد يسلط عليه كل الضوء.   

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد