معاناة مشتركة وصور محببة دفعتها للكتابة  .. الأميركية شوبان فالون: لم أقدر معاناة بعض النساء


تعرف الكاتبة الأميركية شوبان فالون، تماماً، كيف يمكن للكتابة أن تعالج الألم، كما تعي جيداً إلى أي مدى يمكن أن تقربنا هذه الكتابة العلاجية من الآخر، وتشعرنا بآلامه... الآخر النظير، والمختلف.

وعي فالون جاء عن تجربة شخصية خاصة، قربتها من تجارب لطالما كانت قريبة منها، لكنها كما تقول، لم تشعر بها بداية، لكنه حين باغتها، ذات ألم ومعاناة عاشتهما يوماً، أبت ألا يمر مرورة الكرام، فترجمته في كتابين، بدا، كعلاج لها ولكل من يعيش ذات تجربتها.

فالون، هي كاتبة أميركية، وهي قبل ذلك زوجة لعسكري أميركي، تنقلت معه عبر دول "شرق أوسطية" مختلفة عبر سنوات. وضعت تجربتها تلك، بالإضافة إلى تجارب نساء أخريات يعشن تجارب متشابهة في كتابين هما "عند ما يغيب الرجال" You Know When the Men are Gone وكتاب "ارتباك اللغة" The Confusion of Languages .

يضم الكتابان قصصا قصيرة ترويها شوبان على لسان نساء من تكساس يسافر أزواجهن لأداء الخدمة العسكرية لتبقى النساء تعانين آلام الغياب والإنتظار والقلق والتوجس والوحدة. عاشت شوبان هذه المعاناة، وتعرف تماماً حجم ما تعانيه زوجات العسكريين، ولذا يمكن لها أن تنقل تلك المعاناة، بتمكن، قد لا يفعله سواها ممن لم يعش هذه الآلان والهواجس.

وهنا أود الإشارة إلى أن المجموعة القصصية الأولى لفالون You Know When the Men Are Gone، الصادرة عام 2010، حصلت على جوائز عديدة من بينها: الجائزة الأدبية لمركز نادي القلم الدولي الأميركي لعام 2012، وجائزة إنديز تشويس أونور لعام 2012 وجائزة معهد تكساس للآداب للرواية الأولى. ولفالون كتابات أخرى في مجلة واشنطن بوست، وهافينغتون بوست، وفي عدد من الصحف والمجلات المتخصصة. تخرجت من كلية بروفيدانس وقضت عاماً كاملا في جامعة كامبريدج في انجلترا. انتقلت مع أسرتها إلى الأردن في عام 2011، وهي تعيش حاليا حالياً في أبوظبي، وتطمح لأن يكون كتابها المقبل عن تجربة الحياة في أبوظبي.

عن الكتابة التي تعالج الألم، وعن معاناة النساء التي تنقلها نساء أخريات، وعن العسكريين الذين قد لا يعودون.. كان لي حديث شيق مع الكاتبة الأميركية شوبان فالون، أنقله لكم أدناه.


  • يبدو كتابيك وكأنهما جزء من برنامج علاجي (ثيرابي) لعائلات الجنود، الزوجات على وجه الخصوص. ما الذي تتحدثين عنه في هذين الكتابين؟

في الكتاب الأول You Know When the Men Are Gone أسرد مجموعة من القصص القصيرة، يأتي نصفها على لسان نساء، إما زوجات أو شريكات للعسكريين الغائبين. أحكي المعاناة من وجهة نظرهن ووجهة نظر أسره. أما النصف الآخر فيأتي على لسان العسكريين أنفسهم. وهكذا أطرح المعاناة من وجهة نظر نسائية ورجالية في آن واحد، كما أحاول سرد وتضمين مختلف الضغوط التي يتعرض لها الأزواج والزوجات المنفصلين عن بعضهم لمدة قد تصل إلى عام كامل.


  • لماذا قررت الكتابة حول هذا الأمر، هل هو تعلق بتجربتك الشخصية وبواقع كونك متزوجة من رجل عسكري يخدم بلاده في عدد من دول العالم؟

نعم، أحب أن أكتب عن الأشياء التي أعرفها جيداً. أنا متزوجة من عسكري وهو ما يجعلني جزءا من مجتمع أسر العسكريين. هذا هو العالم الذي أعرفه، ومنذ بداية دخولي هذا العالم بدأت في تدوين الكثير من الملاحظات حول حياتي الجديدة. لم تكن لدي حينها نية للكتابة، لكن مع الوقت تجمعت لدي الكثير من الملاحظات وبدأت أشعر برغبة في الكتابة عن كل ما شاهدته. لم أخطط بداية لثيمة معينة، أردت فقط أن أقدم دعما ما للمجتمع الذي أصبحت جزءا منه، وعلى الأخص للنساء اللواتي لمست معاناتهن عن قرب، وشاهدت كيف تتأثر حياتهن دون أن يلاحظ ذلك أحدا ودون أن يشعر بحجم معاناتهن أي شخص. وليس ذلك فحسب، أردت أن أوثق بشكل ما، شخصيات التقيتها في المجتمعات التي تنقلت بينها وأحببتها كثير، مثل شخصية بائع الزهور الرائع الذي اعتدت شراء الزهور منه طوال الفترة التي عشتها في عمّان عاصمة الأردن.


  • يبدو وكأنك من أوائل من كتب عن معاناة النساء المرتبطات بالعسكريين؟؟

نعم في وقت نشر مجموعتي القصصية عام 2010، كانت المجموعة إحدى أوائل الأعمال الأدبية التي كتبت حول هذا الأمر في أميركا، والتي تصدر على لسان من ينتمون لمجتمع عوائل وأسر العسكريين. كانت هناك بعض السير الذاتية ولكن لم يتطرق أي عمل قصصي لما تطرقت إليه في قصصي قبل ذلك. بالطبع، بعد نشر مجموعتي القصصية، جاءت أعمال قصصية ورويات أخرى تحدثت عن الأمر، وظهرت مجموعة لا بأس بها من الكتّاب الجيدين الذين تناولوا ذات الموضوع في أعمالهم، وكان منهم عدد من زوجات وشريكات العسكريين الذين يخدمون في مواقع مختلفة في العالم، وأنا على تواصل مع كثيرات منهن، فنحن نتبادل كتاباتنا ونطلع على كل جديد فيها من خلال مدونة خاصة ننشر فيها أعمالنا.


  • كيف تجدين وعي المجتمع الأميركي بالمعاناة التي تعيشها هؤلاء النساء في مقابل التركيز الكبير من قبل وسائل الاعلام وغيرها على معاناة العسكريين واهمال ما تمر به أسرهم في مقابل ذلك؟

لا أظن أن المجتمع الأميركي يحمل وعياً كبيراً بما تمر به أسر العسكريين أثناء غيابهم، لأن التركيز في وسائل الاعلام وغيرها يكون على العسكريين وكيف يغادرون ثم بأي حال يعودون، دون أي إلتفات لما يحدث لأسرهم حين يغيبون. لذلك أردت أن أركز على أمر لم يكتب عنه أي أحد ولم يسلط عليه الضوء في العالم في وقت كتابتي، ففي الواقع تعاني الزوجات والشريكات الكثير من الضغوط عدا عن تحملهن لمسئولية اعالة ورعاية الأسرة بأكملها، أضف إلى ذلك المعاناة الناتجة جراء قلقهن على أزواجهن.


  • لكن هل تتوقف معاناة هؤلاء النساء عند ما ذكرتِ، أم إن هناك جانب آخر أكثر تفصيلا وعمقاً تناولتيه في عمليك؟

نعم بكل تأكيد هناك جانب آخر تناولته في الكتابين، إذ إن جزء امن المشكلة التي تعيشها هؤلاء النساء هو أنهن تحاولن دائماً أن تظهرن للجميع أن كل شيء بخير وتعملن دائما على رسم ابتسامة غير حقيقية على وجوههن تظهرهن بمظهر قوي. هذا جانب مهم دفعني للكتابة فأنا أعرف تماماً صعوبة هذا الأمر، لقد مررت به شخصياً، ولذا أريد أن أتحدث عنه وأن أخبر الآخرين عن مدى صعوبته. كنت أحاول قدر جهدي أن أظهر للجميع أن الأمر سهل، بل إن ما زاد الأمر سوءاً بالنسبة لي هو كون زوجي قائد مجموعة كبيرة من الجنود والعسكريين، وكنت أنا حلقة الاتصال مع باقي أسر هؤلاء العسكريين، وكان يتوجب علي أن أطمئن الجميع وأشجعهم، وحين أنتهي منهم كنت أتوجه لنفسي لأواسيها. كانت هناك بعض الأوقات التي كنت أريد فيها أن أعتني بنفسي فعلاً. ما كان يزيد الأمر سوءاً هو إنني كنت أشعر بالذنب في بعض الأحيان لإعتقادي بأنني قد أغفل عن إدراك عمق المعاناة والألم التذي تمر به بعض النساء لإنشغالي بتشجيعهن واقناعهن بأنهن قويات وقادرات على تحمل الأمر وبأن الوقت سيمر سريعاً في حين أنه لم يكن كذلك أبداً. ومن هذا الإحساس جاءت رغبتي في كتابة كل هذه القصص التي عايشتها لأنني أردت ألا أنسى جميع الأشخاص الذين مررت بهم وعايشت معاناتهم والظروف الصعبة التي مروا بها والتي قد تكون أصعب بكثير من تلك التي مررت بها.


  • كيف تمكنتِ من الفصل بين تجربتك ومعاناتك الشخصية، وبين تجربة الآخرين، في حال الكتابة، ألم تتأثر إحداهما بالأخرى، وألم تطغى التجربة الشخصية على تجربة الآخرين؟

حاولت أن أقدم تجارب الآخرين الأكثر صعوبة على تجربتي الشخصية، ولذا ضمنت كتابيّ أكبر عدد ممكن من التجارب المختلفة، تحدثت مثلا عن قصة زوجة العسكري والأم التي تعاني من السرطان ثم تفقد إبنتها في أحد الأيام وفي وقت كانت تعيش فترة قلق على زوجها وتمر بحالة صحية حرجة. كذلك تناولت قصة الزوجة الصغيرة التي تزوجت توا من أحد العسكريين واضطرت لمغادرة أميركا معه، ثم وجدت نفسها فجأة في بلد آخر وفي ثقافة أخرى، وحيدة ومضطرة لأن تتعامل مع المجتمع الجديد والحياة الجديدة لوحدها. وهكذا حاولت أن أقدم تجارب مختلفة لأشخاص مختلفين من فئات عمرية مختلفة، وربما تكون تجارب أكثر صعوبة من تجاربي.


  • كيف أثرت تجربة غياب الزوج في الغربة على ثراء تجربتك الشخصية؟

هذه التجربة خلقت في حياتي إثارة من نوع خاص، فمن جانب لم تكن حياتي مستقرة كما لو أعيش في بلادي ووسط أهلي وأصدقائي، لكنني في الوقت ذاته تعلمت الكثير من عدم الاستقرار هذا كيف أعيش بشكل مستقل في بلد جديد. بالطبع كانت هناك لحظات صعبة جداً، فبعد وصولنا إلى الأردن بفترة بسيطة غادر زوجي في مهمة عسكرية. كنت في بلد جديد، لا أعرف عنه شيئا، بل لا أتحدث لغة أهله حينها، كنت أتعلمها ولكني لم أكن سريعة التعلم. وكنت في الواقع أتصرف في بعض الأحيان بطريقة جعلتني أشبه بإحدى شخصيات روايتي، فقد كنت ساذجة جدا ولم أكن أعرف حقاً كيف أعيش في بلد آخر. كنت خائفة في البداية لأنني لم أكن أعرف الثقافة، كنت قد وصلت للتو وكنا نتلقى رسائل من السفارة تطلب منا الابتعاد عن بعض الأماكن وكان لدي ابنة صغيرة كان يتوجب علي أن أقلها للمدرسة يوميا، لم أكن أعرف طريقي جيدا، وفي بعض الأوقات لم أكن أريد أن أغادر المنزل أبداً ولكن لم يكن لدي خيار. في الكتاب كانت لدي إمرأتان جسدتا شخصيتين مختلفتين، شخصية المرأة القوية التي تعرف كيف تعتني بنفسها وأسرتها، والشخصية الأخرى للمرأة الضعيفة التي لم تكن تحسن القيام بأي شيء بدون زوجها والتي توجب عليها أن تعيش وأن تتعلم.


  • كيف يمكن لمثل هذه الكتب أن تساعد زوجات العسكريين، وما الذي فعلته لك أنت شخصياً؟ وأي نوع من المسئولية يلقيه هذا الأمر على عاتقك؟

أتلقى الكثير من الرسائل الالكترونية بشكل دائم حول الأمور التي كتبت عنها، كما إن الكثير من زوجات العسكريين ممن التقيت بهم عبر السنوات، أخبرنني كيف جعلتهن كتاباتي يشعرن أنهن لسن الوحيدات اللواتي يعانين. بشكل عام، أحب أن أكتب حول القضايا النسائية، وأشعر أن الأمر يبدو طبيعيا بشكل أكبر حين أكتب بصوت نسائي، بالطبع يتوجب علي الكتابة عن وجهة نظر الرجالية، ولكني لا أشعر بأي نوع من الضغط لفعل ذلك.


  • لماذا جعلتي أحداث كتابك الثاني وهو رواية The Confussion of Languages تدور في خلفية أحداث الربيع العربي؟

شخصيتا روايتي هما إمرأتان أميركتيان متزوجتان من عسكريين أميركيين وتعيشان في الأردن في بدايات عام 2011، في الوقت الذي كانت الأردن تعج بالفوضى وهو ما خلق نوع من التوتر لدى الشخصيتين، حيث لم تكن المرأتان تعرفان ما سيحدث ولم يكن الناس أصلا يعرفون ما يحدث. احدى المرأتين كانت زوجة حديثة وأم لم تعش في الخارج أبدا وتجربتها مختلفة جدا عن المرأة الثانية التي تعيش في الأردن منذ سنوات قليلة وليس لديها أي أطفال وكانت تعيش معاناة مزدوجة بسبب عدم قدرتها على انجاب الأطفال اضافة إلى غياب زوجها. هاتين التجربتين المختلفتين أفرزتا أسلوبي حياة مختلفين تعيشه كل إمرأة، غير طريقة تعاملهن مع المجتمع في الأردن وعلى تفاعل المرأتين مع الأحداث.



0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email