الابتسامة الأخيرة



أن يعمل الإنسان فراشاً أو مراسلاً في وزارة ما أو شركة، إنما قد تكون بينه وبين أي موظف حاجز لا يستطيع أن يقفز منه حتى إلى مستوى النصف وهذا الحاجز قد يكون بقوة الصلب الذي لا ينفطر بسهولة ولا ينكسر. راشد يتجه إلى عمله بواسطة دراجته النارية التي استطاع أن يشتريها بعد أن وفر له مبلغاً بجهد وجهيد مباركا نفسه على تحقيق رغبته.

هو أحد الفراشين بوزارة المالية، يحضر إلى الوزارة قبل كل من يعمل هناك يفتح أبواب المكاتب والنوافذ للتهوية وقد تعود على ذلك ولكن الموظفة خلود تلك التي تخترق كل تحد بين الموظفين الباقين هي الوحيدة التي تسبقه في حضورها أحياناً وأحياناً أخرى هو! ما تلبث وان تفاجأ بكوب الشاي المميز الذي يضعه راشد على يسارها، وهو يبتسم لها ربما هي مزيجاً من الاحترام وسعة الصدر والفرحة بحضورها وربما الإعجاب الذي يطرق باب الحب بحثاً عنه بالرغم من أنها رئيسة قسم وهو مجرد فراش ومراسل ومصور أوراق دوني لا يرتقي إلى آخر عتبات الموظفين البسيطين، تعودت أن تشرب هذا الشاي من يد راشد الذي هو من صنعه وتعودت أن تراه انساناً محترماً وكذلك أن تشتم رائحة عطره النافثة، ومن أكثر ميزاته أنه يخطو من مطبخه إلى جميع المكاتب دون أن يصدر أي صوت من حذائه أو نعله فقد ألف شراء الحذاء الهادئ، هو شاب غير متزوج ويقرأ كثيراً، يميل إلى الصمت. سألته خلود مرة يرافق سؤالها ابتسامة مودة عن كيف يعيش وحيداً مع والدته دون أن يتزوج، كان سؤالها له يشبه القنبلة التي فجرته من الداخل ولكنه تمالك نفسه وقال بهدوء الزواج نصيب أولاً وقد يحب الإنسان من لايعطيه اهتمام وهذا الحب مقصود بل مؤثر ومؤذي لأنه غالباً ما يكون من طرف واحد فقط،

- أوه قالت خلود وهي تنظر إليه مواصلة ابتسامتها ! فهمت قالت !

ثم ابتسم، هز رأسه ورفع حاجبيه وكأنه يقول الله يعلم ما تخفيه القلوب، وتراجع وهو ينظر إلى وجهها الناعم يلتهمه التهاماً وسمعت منه تنهيده صدرت من داخل صدره، في ذلك اليوم قوبل بالعتاب والتحقير والأذى من معظم الموظفين لأنه أهمل طلباتهم وجلس يفكر في حواره مع خلود، وإخفاءه حبه الكبير لها وعطفه بل غرقه فيه إلى النخاع، عند نهاية وقت العمل غسل جميع الصحون والأكواب وأخذ قبعة السلامة التي يرتديها خلال سياقته الدراجة النارية ونزل إلى موقف السيارات وهو ضائع مشتته أفكاره يصفعه حائط ويسامحه آخر، وانطلقت به الدراجة النارية.

بينما خلود لملمت أغراضها وهي في مكتبها وخرجت من مكتبها وسائقها ينتظرها عند بوابة الوزارة. اتصلت بأختها أمينة ووعدتها أن تزورها هذه الليلة، ولم يكن يمضي وقت وهي في السيارة منطلقة على الشارع العام حتى صادف أن هناك حادث أمامها توقفت حوله الكثير من السيارات، وسيارتها تتقدم ببطء بين تلك السيارات ترى وجوه أصحابها الذين نزلوا مجتمعين حول شيء، لاحظت دراجة نارية ملقية على الجانب الأيمن من الشارع وقد تهشمت بطريقة مبالغة وعرفت أن هذه الدراجة النارية لراشد.

أمرت سائقها أن يتوقف ونزلت مسرعه منطلقة تدفع بكل من تجمهر حوله لتصل إليه، تسللت بينهم ووصلت بقوة رجل وهي تدفع هذا وتبعد ذاك كان راشد ملقياً على الأرض ينزف ! من أجزاء ومواقع كثيرة من جسده خصوصاً رأسه. توقفت وهي تضع يدها على فمها مصعوقة تهتز رعباً وألماً وتكاد تبكي انحنت عند جسده ونزلت رويداً رويداً وهي تمد يدها اليمين إلى خلف رأسه الذي بدى بلا قبعة السلامة ورفعته من على الأرض والدم يجري على وجهه من جهات كثيرة وكأنها الأنهار الغاضبة، فمه مملوء بالدم وامتزجت أسنانه به فبدت محمرة اختلطت بالدم ، ولما رآها وكأن فرحة عارمة قد غلفته، ابتسم بصعوبة وهو ينظر إلى وجهها الذي تعود أن يراه في المكتب جميلاً ناعماً لامعاً، وهي معه الآن في لحظة خطيرة من حياته يائسة ربما على مفترق لا يعلم نهايته إلا الخالق عز وجل.

- بشفتين راجفتين جافتين راشد قالت له ... سيارة الإسعاف قادمة وسوف تنجو يا راشد ...

زادت ابتسامته واتسع فمه وهو يهز رأسه لها وبكل هدوء رفع يده اليمنى إلى ناحية وجهها وكأنه يريد أن يطبطب على خدها ليطمئنها، ولكن يده خانته وصلت إلى نصف المسافة وهي تنظر إليه وقد سالت دموعها على خدها الذين اعجباه دائماً وهي ترتجف من الخوف عليه، هز رأسه قليلاً وكادت يده أن تصل و تتحسس خدها، توقفت ترتعش. أمسكت بيده المملؤه دم ورفعتها ووضعتها على خدها، ربما لشعورها بأنه تمني أن تتحقق له هذه الأمنية الأخيرة، وهو لازال يبتسم، لاحظت دموعه تنبع من عينيه مختلطة بالدم وهو ممسك بخدها وبدت عيناه كأنها دخلت في حلم عميق وهو ينظر في عينيها وارتخت يده فجأة وعبر الحياة تاركاً موته مأساة لها.

يوم الخميس الذي اعتادت فيه خلود أن تجتمع مع أهلها سألتها أختها بدرية

- هل حقاً وضعت يده على خدك وهو يحتضر؟

- لم أكن حية !! قالت ...بدى عليها الارتباك ثم واصلت أقصد الوضع كان سيئاً للغاية!

ردت عليها بدرية قائلة

- أيعقل؟ لم تكوني حية؟؟

رجعت خلود وهزت رأسها قائلة ولم لا !! لحظاته المروعة الأخيرة لا تتكرر، لقد أراد أن يحقق رغبة في آخر قطرة من حياته وهذه الرغبة أنا من يستطيع تحقيقها، وكانت لها قيمة كبيرة في داخله وقد وافقت على تحقيقها أنه هالك فحملها معه إلى الآخرة وهو مسرور! نعم لقد ساعدته لكي يمسك بخدي وهل سأنسى هذه اللحظات ؟ لقد تسجلت في ذاكرتي وختم عليها بالشمع الأحمر وبإفادة ألاهية أن لا تمحى ولا تنسى ، أظن أنني سأبكي رحيله دائماً.

خلود ليست هي المعنية بأمره كفرد من العائلة ولا هو قريبها، وكان حضورها إلى المكتب شيئاً عادياً ملزماً، زارت والدته في اليوم الرابع بعد وفاته ومضت بضعة أيام، راودها شعور بأن تكرر زيارتها لوالدته ربما فضول منها أو الاطلاع على حالها بعد رحيل ابنها راشد. لم يكن الأمر صعباً بل لم يمضي يوماً واحداً على قرارها حتى كانت في ذلك المساء جالسة مع والدته التي لم يبدو عليها الحزن بل سعيدة أسعد من والدة شاب متزوج، لأنها تعلم أن أبنها مخلص لربه ولها فلا فرض في الصلاة يفوته ولا عمل خير لا يشارك فيه بالرغم من محدودية راتبه، يحب الخير والجميع ، ينهض لصلاة الفجر فيوقضني قبل أن يذهب إلى المسجد، وأنا أعلم الآن أنه في جنات النعيم. وهذا ما يزيدني فرحاً و غبطة، وهو معي دائماً. ثم دعتها لترى غرفته، نهضت لأنها أرادت فعلاً أن ترى غرفته ومحتوياتها، ولما دخلت شعرت برهبة هذا الشاب الفقير الغني، تراجعت والدته بعد أن نادتها الخادمة معتذرة لخلود، واستكانت في وسط الغرفة تنظر حولها وإلى جدرانها ورأت لوحة قد غطيت بقماش ناعم وضع عليها مجموعة صور مختلفة، تقدمت إليها بعد أن لاحظت أن صورة كبيرة لها قد توسطت مجموعة هذه الصور وتذكرت متى نشرت لها هذه الصورة في الصحافة المحلية. وهي تتابع النظر إلى الصور الأخرى، سمعت سقوط شيء من على طاولة خلفها ألتفتت ورأت زجاجة عطر على الأرض هزها شيء، وبات قلبها ينبض على غير عادته، وأصبحت خطواتها ثقيلة، وصلت عند الطاولة ورفعت الزجاجة وقربتها من أنفها، هو ذات العطر الذي يستخدمه راشد كل يوم، أعادت الزجاجة على الطاولة وبفضول منها فتحت أحد الجوارير، رأت مجموعة متراكمة من الأوراق المكتوب عليها بخط اليد، رفعت أخر ورقة وقرأت منها

- الحياة غريبة ! أصلها وقت، يحيط بها الإنسان وتحيط به ، فيتحارب مع الوقت إلى أن يطيح به في آخر المطاف، قد تكون الحياة أحياناً رائعة ناقصة أو ناقصة رائعة، لا تتساوى مع مخلوقات الله الأخرى على الأرض، أنما كانت سابقاً والآن لذات اللحظة وستكون غداً ونحن ماضون أما في أبهى الحلل أو أردأ الأوقات . فياليت موتي يكون بين يدي من أحب، لقد عشقت ولم أعشقه ، وأحببته ولم أحب، جاهدت من أجل ولم يجاهد من أجلي هي التي أحبها ملكة فؤادي وعقلي وروحي ولما قلبت خلود الورقة رأت مكتوب خلفها

- الحب لا يعني أن نتجاهل من نحب، وكانت هذه الورقة والجملة التي كتبت خلفها تخصها هي هي خلود التي كتبت الجملة وراشد قد أخذها من على مكتبها في يوم ما دون أن تدري ودون في خلف الورقة ما دونه!

ارتعبت خلود وأعادت الورقة مكانها وكانت والدته في تلك اللحظة واقفة عند باب الغرفة نادتها ، ولما التفتت سمعت شيئاً يسقط على طاولة صغيرة تقع بالقرب من سريره، تراجعت خطوات ورأت صورة لراشد وهو واقف يبتسم وقد وضعت هذه الصورة في إطار جميل، والشيء الغريب الذي لاحظته أيضاً أن الصورة قد التقطت في مقر عملها وهي تبدو في جانب من الصورة وبشكل واضح، عرفت أنه تعمد أن يلتقط هذه الصورة وأن تكون هي في إطارها تشاركه بالظهور فيها دون أن تعلم.

في طريقها إلى البيت، كانت مشوشة العقل، شاردة الذهن، دخلت في متاهات وتخيلات فبدت لها صور تظهر وتختفي بسرعة كبيرة، وبالكاد تخلو صورة واحدة منها لراشد! لقد اجتمعت وتكالبت عليها وأصبحت في تراشق متواصل تجوب مخيلتها وذاكرتها، ولم تكد تحاول أن تنسى أو تتحاشى هذه الصورة جاهدة حتى ظهر أمام سيارتها فجأة كلب أسود يعرج، صرخت وكادت أن تدهسه لولا رحمة الله به، توقفت وسط هذا الشارع الفرعي وهي ممسكة بالمقود بكلتا يديها مستمدة تحاول التقاط أنفاسها، أشتمت رائحة العجلات التي احتكت بأرض الشارع، التفتت يميناً ويساراً بعد أن اختفى الكلب وهي لازالت في موقع الحادث، رن هاتفها فجأة فأثار في نفسها هزة أخرى،حولتها من إنسانة خائفة مرتبكة إلى مبتسمة وكأنها أحست بان أنساناً يحبها قد جاءها فجأة ثم انطلقت وهي تحادث أختها أمينة عبر هاتفها.

في صباح اليوم التالي وكعادتها خلود وصلت إلى مكتبها في الساعة السادسة والربع صباحاً، وضعت شنطتها جانباً، ولما همت بالجلوس على كرسيها لفت نظرها كوبة شاي مغطاة وضعت على الجانب الآخر من الطاولة، الكوبة لا تحتاج إلى تدقيق في النظر فيها فهي قريبة منها جداً، مدت يدها مرتجفة تتحسس جانب الكوبة، أنها حارة بل حارة جداً، تراجعت خطوة والتفتت خلفها، ولأن ما بينها بين المكاتب المجاورة لها حاجز زجاجي فقد رأت المكاتب خالية من الموظفين بسبب حضورها المبكر، لم يعجبها ما يحدث، فأسرعت الخطى ناحية المطبخ ولما وصلت كان الباب مغلقاً حاولت فتحه وكان مقفلاً!! في تلك اللحظات قد يكون سمعها خانها، لقد أحست بشيء خلفها وسمعت صوت خطوات تتقدم إليها ، التفتت لم يكن هناك أحد ! رفعت يدها إلى رأسها وكأنها تود أن تضرب حاسة السمع بسبب هذا الخلط، ولكنها أيضاً في تلك اللحظة اشتمت رائحة عطر راشد وكأنه واقف بجانبها فتنبعث منه الرائحة وبين كل هذا الارتباك هاجها أن فوجئت بباب المطبخ يفتح على مصراعيه لوحده. وقد لمحت ظلاً على جانب من جدار المطبخ يظهر ويختفي فجأة. قد يخترق الحب حاجز الزمن والمكان ، من يدري. فلربما تبقى روح راشد مع خلود إلى الأبد



0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email