اهتم بالإنسان ولا تهمني السياسة.. حوار مع المخرج السينمائي ساتياجيت راي

 

حوار أجراه: بيرت كارديللو*

 

 

بعد فيلمه "البيت والعالم" Ghare Baire ، الذي عرض في مهرجان كان عام 1984، لم ينجز ساتياجيت راي أي فيلم طويل، فقد كان يمرّ بفترة نقاهة، بعد إصابته بذبحتين صدريتين، وخضوعه لعملية جراحية في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية. ورغم أن الأطباء نصحوه، بشكل صارم، تجنب العمل في السينما لفترة من الوقت، إلا أن نشاط راي لم يتوقف خلال هذه الفترة، فقد واصل الكتابة للأطفال، والمشاركة في تحرير مجلة الأطفال (سانديش) Sandesh، وترجم بنفسه إلى الإنجليزية بعض قصصه التي نشرت في المجلة وفي مجلات أخرى، وجمعها في كتاب بعنوان (حملة وحيد القرن.. وحكايات فانتازية أخرى من الهند) نشرها في عام 1987 عن دار نشر (دوتون). 

 

انشغل راي أيضاً بكتابة السيناريوهات، وتأليف الموسيقى لعدد من الأفلام التلفزيونية، التي أخرجها ابنه (سانديب).  وفي عام 1987 أنجز فيلماً وثائقياً عن حياة أبيه، الشاعر العظيم والكاتب والفنان التشكيلي (سوكومار راي) (1)، والذي رحل عن الدنيا وراي لم يتجاوز العامين والنصف من عمره.

 

عندما التقيته في صيف عام 1989 كنت قد سمعتُ عنه أخباراً سارة وأخرى غير سارة.. الخبر السار كان انشغاله بإخراج فيلمه الروائي الطويل السادس والعشرين "عدو الشعب" Ganashatru عن نص لعملاق المسرح النرويجي هنريك إبسن.  أما الخبر السيء فكان تعرضه لمتاعب صحية جديدة في قلبه، أودت بحياته في إبريل 1992، بعد إنجازه البطولي لفيلمين روائيين أخريين: "أغصان الشجرة" Sakha Prosakha  (1990)، و"الغريب" Aguntuk (1991).

 

التقيت راي ذات صباح حار في بيته بمدينة كلكتا بالدور الثاني في بناية قديمة بشارع (بيشوب ليفروي)، وطال الحديث بيننا لعدة ساعات، تطرق فيه لكل جوانب سيرته المهنية، كأحد أهم المخرجين السينمائيين في الهند.

 

  • ما هو شعورك حين لا يحقق أحد أفلامك نجاحاً جماهيرياً، ولا يحظى بنقد إيجابي؟

 

الكتابات النقدية حول أفلامي تثير فيّ الدهشة والبهجة.. على سبيل المثال، أحد أفضل أفلامي "الأيام والليالي في الغابة" Aranyer Dinratri (1969) رفض في الهند، فلم يحظ لا بنجاح جماهيري، ولا باستحسان النقاد، ولكن هذا الفيلم يعتبر أحد أفضل أفلامي خارج الهند. فقد عرض لعدة أسابيع في بريطانيا، وحظي بالنجاح على نطاق واسع في الولايات المتحدة. هذا هو الحال: نحن نتعلم من الناس: مايرضيهم، وما ينفرهم، وماهي ردود أفعالهم تجاه ما هو هندي وما هو غربي. وقد استفدت في هذا الأمر كثيراً من النقاد الأجانب.

 

أعتقد أنني، عبر السنوات الماضية، استطعت أن أخلق جمهوراً كبيراً في كلكتا. فالأفلام التي أخرجها تعرض لستة أو ثمانية أسابيع في ثلاث صالات عرض مختلفة في المدينة. هذا الجمهور يترقب دائماً أفلامي القادمة، وهم ليسوا جميعاً من الطبقة المثقفة بل أفراداً عاديين ينتمون إلى الضواحي ويزداد عددهم شيئاً فشيئاً.

 

  • هل تتمنى أن تنجز عملاً لم تنجزه بعد؟

 

هناك الكثير من الأعمال التي أرغب في إنجازها، ولكن بعضها مكلف جداً، وأخرى قد تكون معقدة جداً. أرغب، على سبيل المثال، أن أخرج فيلماً عن الملاحم الهندية. أود أن أخرج أفلاماً أخرى مستمدة من الحكايات الشعبية، ولكن بأسلوب سردي أكثر بساطة واختلافاً عن أسلوبي السابق.

 

لست واثقاً من ترحيب الجمهور بمثل هذه الأفلام، ولكن على المرء أن يجرب حتى يعرف.  قد أتمكن من إخراج أجزاء من أحد ملاحمنا الوطنية مثل الماهابهاراتا والرامايانا.  الماهابهاراتا تحديداً تدهشني: الملحمة نفسها، حوادثها، شخوصها، كلها إنسانية وسرمدية.

 

أود أيضاً إخراج أفلام تاريخية أخرى مستمدة من العصر المغولي، فأنا معجب جداً بشخصيات معينة من الفترة المغولية.

 

أود أيضاً إخراج أفلام عن الفنانين البريطانيين المغامرين، الذين قدموا إلى الهند في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، فرسوماتهم الفنية أصبحت سجلاً للهند، خاصة في أعمال(ويليام) دانييل (1769-1837) ، أو (ستانهوب) فورتس (1857-1947) ، أو (ويليام) هودجس (1744-1797).  

هؤلاء الرجال قدّموا أعمالاً عظيمة، وبدونهم لن يكون للهند تاريخ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.

 

لقد جاءوا إلى هنا كمغامرين، باحثين عن الثروة، والتي حصلوا عليها بطريقة مدهشة. أتمنى أن أخرج فيلماً عن هؤلاء الفنانين.

 

  • هل لا يزال التأثير البريطاني مستمراً في الهند؟ 

 

كلنا نعترف بأننا مدينون بالكثير للبريطانيين، وأرى نفسي نتاجاً للشرق والغرب، وأفلامي هي انعكاس لهذا النتاج. لقد تعرفنا، بشكل واسع، على الأدب الغربي من خلال السينما، ومن خلال هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).

 

ليس بإمكان أحد أن ينكر ذلك، أنا جزء، ليس من العالم وحسب، بل العالم كله.. هذا العالم الذي بدأ يتقلص شيئاً فشيئاً. 

 

لا استطيع، كمخرج، أن أنكر تأثير الغرب على أفلامي، ولكن، في نفس الوقت، أشعر بأن جذوري ممتدة إلى وطني وإلى ثقافتي. هذا يقودنا إلى السؤال حول قابلية التفاعل مع ما تراه جيداً وما تراه مفيداً من الثقافات الأخرى. فعلى سبيل المثال، لسنوات طويلة حاولت من خلال أفلامي اكتشاف تاريخ البنغال: الفترة البريطانية/ القرن التاسع عشر/ مرحلة استقلال الهند/ نهاية الإقطاع.

 

ان احتضار طبقة معينة في أي بلد أمر يدهشني حقاً. فعادة ما تواجه هذه الطبقة بانتقادات حادة، ولكن على المرء أن يتخذ موقفاً متعاطفاً مع شيء ما يحتضر بعد سنوات طويلة من البقاء.

 

أظهرت في فيلم "صالون الموسيقى"  Jalsagher  1958 تعاطفاً مع طبقة النبلاء الهنود، الذين كانوا في الواقع أناساً لا نفع منهم، ولكن على المرء ان يتخذ موقفاً متعاطفاً حين يروي سيرة أحد الشخصيات. فمن وجهة نظره، هي مأساة عظيمة، وبالنسبة لنا هي محاولة حمقاء للتشبث بشيء سائر نحو الزوال الحتمي.

 

 

هؤلاء النبلاء، وإن عرفوا بالكسل الاجتماعي، كانوا داعمين بشكل مهم للموسيقى والفنون. وكل هذا زال الآن.

 

 لقد انجذبت دائماً إلى التناقضات الاجتماعية، فهذه التناقضات تظل مستمرة ومتواصلة حتى وقتنا الحاضر. ولسنين طويلة كان الصراع بين القديم والجديد أحد الثيمات الرئيسية في أفلامي.

 

  • بعض النقاد في الهند شنوا هجوماً عليك لكونك لا تتعامل الآن مع القضايا الاجتماعية؟

 

هذا غير صحيح على الإطلاق، بل على العكس، أرى بأنني تعاملت مع الكثير من القضايا الاجتماعية في أفلامي، ربما ليس بالطريقة التي يرغب فيها هؤلاء النقاد أن أتعامل معها، فهم يطلبون مني إيجاد حلول للمشاكل في نهاية الفيلم، ولكنني لا أعرف الحلول في معظم الحالات.  كل ما أريده هو أن أعرض المشاكل بوضوح شديد وأترك للمتفرج كيفية التفكير في إيجاد حلول لها.

 

  • أثناء حديثك تذكرتُ فيلمك "الرعد البعيد" Ashani Sanket  (1973) الذي يؤكد وجهة نظرك في كيفية معالجة موضوع مثل المجاعة في البنغال.

 

هذا صحيح، وسأضيف إليك بعض الدلائل. فأثناء المجاعة التي حدثت في عام 1943 كنت قد حصلت لتوي على وظيفة جديدة كمصمم إعلانات، وكنت أعيش حينذاك في كلكتا، وكان المئات والألوف من الناس يتدفقون من القرى على كلكتا.

 

أتذكر محطة القطار المكتظة تماماً بالنازحين، فقد كان الناس على شفير الموت، ومن لم يمت كان سيقضى نحبه في غضون الأيام القليلة القادمة،  كنا نخرج من البيت في طريقنا إلى العمل، ونجتاز بخطواتنا الجثث المتناثرة في الشارع.

 

بعد خمسة عشرة سنة قرأت رواية للأديب بيهوتي بوشان بانيرجي (2)، وهو كاتب أكنّ له الكثير من الإعجاب والتقدير، كتب عن فترة المجاعة التي عاشها في قريته. وقررتُ حينها تحويل مادة الكتاب إلى فيلم روائي. كان ذلك في عام 1958 أو 1959. ولكنني واجهت صعوبة في الحصول على ممثلين مناسبين لأداء الأدوار. ثم مرت السنوات، وانشغلت بإخراج أفلام أخرى. في عام 1972 قررت، بشكل حاسم، أن أخرج فيلماً عن المجاعة يحمل اسم "الرعد البعيد" Ashani Sanket .

تناولت موضوع المجاعة من زاوية مختلفة تماماً: فيلمي كان عن كرم القرويين السخي تجاه ضيوفهم، خاصة أولئك القادمين من المدينة. باستطاعتك أن تذهب إلى أية قرية، وإلى بيت أي شخص، وسيعرضون عليك تناول الطعام معهم، وستلاحظ أن وجبة الطعام ستصلك في حدود الساعة، رغم انهم لا يملكون الشيء الكثير، ولكنهم يعاملون الضيف على أنه شخص مقدس، وهذا بالمناسبة ما كانت تحض عليه الكتب الهندية المقدسة.

 

في فيلم "الرعد البعيد"، وفي أوج فترة المجاعة، يدور حوار بين رجل عجوز وزوجته. تقول الزوجة: "لابد أن نقدم له وجبة الطعام". فيجيب الزوج الذي أظهر ذكاءً في هذه النقطة: "لن نعطيه، فهو رجل محتال، ويجب أن نكون حذرين في التعامل معه، وعلينا أن نهتم أولاً بالطعام الذي لدينا". لكن الزوجة تقول: " سأتحمل الجوع، ولكن لا بد أن نعطيه وجبة الطعام".

 

الزوج هو كاهن أيضاً، وناظر مدرسة، وطبيب، إنما لا يتقن أياً من هذه المهن، لكنه يحظى باحترام كبير في القرية، كونه الوحيد من أبناء طبقة البراهمة.

 

يبدأ الزوج في تأدية شعائره للوقاية من مرض الكوليرا، ولكن قبل ذلك يستقصى معلوماته من كتاب عن النظافة الصحية ويقول للقرويين: "لا تشربوا من ماء النهر، لا تأكلوا من طعام وقع عليه الذباب". فلقد كان يؤمن بداخله بما نطلق عليه التطور العلمي.

 

لقد رأينا الزوج في بداية الفيلم وهو يستغل الفلاحين الفقراء، ولكن في نهاية الأمر، حين ينتشر الموت نتيجة المجاعة، نراه يتخذ موقفاً إنسانياً مغايراً. ففي لقطة من الفيلم حيث نرى جثة امرأة من طبقة المنبوذين، ولا يجرؤ أحد على لمس جسدها، يتخذ الزوج، ابن طبقة البراهمة، قراراً بتأدية شعائر الدفن بنفسه.

 

  • هل تمثل الرقابة مشكلة جدية في الهند؟

 

سياسياً نعم، كل فيلم يتعرض لمقص الرقيب.

 

  • هل واجهتك أية مشاكل مع الرقابة؟

 

لم يحدث هذا، ربما بسبب وضعي الخاص. على سبيل المثال، هناك مشهد في فيلم "السمسار" Jana Aranya  (1975) فيه نقد سياسي مباشر، من المحتمل انه كان سيتعرض لمقص الرقيب لو نفذه مخرج آخر. لقد استطعت منذ مدة أن أفلت من عين الرقيب.

 

  • هل شاركت فعلياً في أي نشاط سياسي، أو انخرطت في العمل الحزبي؟

 

كلا، رغم أن معظم أصدقائي من اليساريين. لقد أصبحت متحرراً من وهم التعامل مع السياسيين، ولم أعد أؤمن بمثل هذه الأمور الآن. لقد توقفت تماماً عن مناقشة الموضوعات السياسية، ولم أعد أقرأ حتى الصحف.

 

اهتمامي الآن ينصب على الكائن البشري، ولا تهمني السياسة، فإذا كان عندك وعي سياسي، لا بد أن يكون لديك بالمقابل وعي بفشل السياسيين، كما يحدث عندنا في الهند.

 

  • هل العمل السياسي يعوق الإبداع؟

 

انظر لما حدث للمخرجين في الاتحاد السوفياتي. فمتى أرادوا أن يجربوا إخراج أفلام عن الحياة المعاصرة في بلادهم فإن أفلامهم تكون مبتذلة وذات بعدين، ولكن في الوقت ذاته هم يخرجون أفلاماً جيدة إذا كانت مستوحاة من الأدب الروسي القديم.

يمكن أن ترى الضيق عند المخرجين أنفسهم. ذات مرة، أثناء مهرجان موسكو السينمائي، قال لي المخرج غريغوري تشوخاري (3) بأنه لم ينجز فيلماً منذ سبع سنوات بعد فيلمه "أغنية الجندي" Ballad of a soldier  لأن الرقابة رفضت حوالي ثمانين من السيناريوهات التي قدمها لأسباب سياسية، وأختار بدلاً من ذلك الجلوس في الاستديو لمشاهدة أعمال الآخرين.

ذات مرة سألني المخرج مارك دونسكوي (4): "ما رأيك في أفلامنا؟" . وقبل أن أجيب قال: "لماذا لا تقول ببساطة انها تافهة ؟".

 

  • ماذا بوسع الفنان أن يطرح من آراء سياسية في المجتمع المعاصر؟

 

كفنان، الشيء الوحيد الذي أريده هو إيجاد بيئة أعمل فيها بحرية كما أشاء، وليست عندي وجهات نظر سياسية أخرى.

  • مع ذلك يشاع بأنك متعاطف مع اليسار، ربما لأن فيلمك الأول "أغنية الطريق" Pather Panchali (1955) كان عن حياة الفلاحين الهنود الفقراء. 

 

في نفس الوقت قال عني النقاد بأنني أدافع عن النظام الإقطاعي. فقد اعتقدوا بأنني لم أُدن الإقطاع في فيلم "صالون الموسيقى" Jalsaghar  وبالتالي لا بد أن أكون متعاطفاً مع هذا النظام.

 

  • ما هو الدافع الجمالي والتفاعلي وراء إخراج فيلم "أغنية الطريق" ؟

 

شعرت بأنني إذا أنجزت هذا الفيلم، فان تغييراً كبيراً سيطرأ على السينما البنغالية. ولم يكن عندي شك في ذلك. فقد أدركت بأنني وجدت الموضوع المثالي لفيلمي الأول. في تلك الفترة كنت واقعاً تحت تأثير الواقعية الجديدة في السينما الايطالية.

قبل أن أنفذ الفيلم، تحدثت مع عدد من الأشخاص المحترفين عن مشروع الفيلم، ولكنهم أخبروني باستحالة إخراج فيلم خارج الاستديو، واستحالة إخراج فيلم بوجوه جديدة، وقالوا انه من الصعب انجاز فيلم دون الاستعانة بالماكياج أو التحكم بالكاميرا خارج الاستديو. وهكذا نصحوني بالعدول عن محاولة إخراج فيلم "أغنية الطريق"، ولكنني أخرجت الفيلم بعيداً عن سطوة الفيلم التجاري، مما أتاح أمامي تجاهل توقعات المتفرج التقليدي، وكان عليّ أن أحافظ على تقديري الشخصي لاحتمالات تقبل المتفرج لمشاهدة الفيلم.

 

  • بصفتك أحد الرموز المبدعة في عالم السينما اليوم، لا بد أن ثمة أفكاراً معينة تعتمل بداخلك وأنت تعدّ لفيلمك الجديد. ما الذي يشدك: لقطة معينة، أم موقعاً محدداً، أو شخصية معينة؟

 

هذه الأشياء جميعاً. لكنني أستطيع القول بأن العامل المهيمن هي الشخصيات والعلاقات الإنسانية، ويأتي في المرتبة الثانية موقع التصوير، وإمكانية سرد الحكاية سينمائياً. هناك أشياء أخرى تشدني مثل: بناء الفيلم،  تناقضاته الداخلية، إيقاعه الدرامي. هذه كلها عوامل مكملة لخلق الفيلم الفني.

 

هنا أشعر بأهمية عناصر (الراسا Rasa 5) .. كما هي محددة في علم الجمال الهندي. أن أفضل وصف (للراسا) هو تفاعل الحالات النفسية في شخصيات العمل الفني.

هناك أيضاً عنصر الأرقام: أحتاج دائماً إلى أعداد فردية من الشخصيات. وإذا حللت أفلامي بعناية سترى بأن معظم الشخصيات فيها تتكون إما من خمس أو سبع شخصيات يؤدون أدوارهم في الفيلم. على سبيل المثال، في فيلم "المرأة الوحيدة" Charulata  1964 هناك خمس شخصيات. لو استخدمت أربع شخصيات لواجهتني المصاعب، واعتقد بأن استخدامي لخمس شخصيات عزز الإمكانات الدرامية في الفيلم.

 

 

  • ذات مرة قلت بأن كل ما تعلمته كطالب في كلية الفنون طبقته في أفلامك. هل يمكن أن تحدد كيفية استفادتك من دراستك في صياغة أسلوبك البصري. على سبيل المثال، ذات مرة تحدثت عن التقاطع بين أفلامك والفن التشكيلي، وتحديداً أعمال الفنان بيير بونار (6).

 

نعم، تحدثت عن هذا التقاطع. ولكن يجب أن لا يؤخذ كلامي حرفياً. بالطبع أحب بونار، وأحب أسلوبه الذي يولي أهمية لكل التفاصيل في أعماله الفنية. فالكائن البشري في أعماله ليس أكثر أهمية من الموجودات الأخرى مثل الكرسي أو الطاولة أو سلة الفاكهة، أو المزهرية المليئة بالزهور. هناك تمازج واحد يتم من خلاله التعبير عن الأشياء.

 

لقد حاولت أن أحقق نفس التأثير في بعض أفلامي، وذلك بمزج كل العناصر معاً، حتى تكون كلها متساوية ومتصلة ببعضها. عليك أن تفهم الشخصيات في محيطها، في علاقتها بالأشياء الأخرى: الأحداث، التفاصيل الصغيرة، كلها معاً تعني شيئاً ما. لا تستطيع أن تبعد عنصراً صغيراً خارج هذا المزيج دون أن تربك المجموع، ولا تستطيع أن تفهم هذا الشيء الصغير دون أن تأخذ بالحسبان الفيلم في شكله النهائي.

 

لقد وجدت باستمرار هذا التناسق الأساسي في أعمال هنري كارتيه- بريسون (7) الفوتوغرافية، حتى في صوره الشخصية.

 

خذ على سبيل المثال صورة (جان بول) سارتر وهو في وسط اللقطة بحيث يسمح لك برؤية كل الأشياء من حوله: الجسر، عمود الإنارة، ظل البناية من خلفه. لا تستطيع أن تتجاهل كل هذه التفاصيل لأنها كلها تخلق الصورة، وتعبر عن الرجل داخل الصورة. وبشكل مشابه بورتريه الفنان ماتيس وهو جالس بين حماماته، يمكن أن تلاحظ الاندماج العضوي بين الرجل والطيور.

 

  • ما هو تأثير كارتيه- بريسون على أعمالك السينمائية؟

 

منذ البداية كان تأثير كارتيه – بريسون كبيراً على أعمالي، فهناك شكل مدهش وقوي في أعماله الفوتوغرافية، بحيث تشكل في النهاية اندماجاً عضوياً بين كل العناصر. فهو الأقدر على خلق الالتحام التام بين كل أنواع العناصر المختلفة، وفي نفس الوقت، يستطيع أن يحقق معنى محدداً من هذه العناصر. 

 

استمتع كثيراً بموهبته وذكائه، وتأسرني إنسانيته، واهتمامه الدائم بالإنسان، وتضامنه واهتمامه بقضاياه.

 

  • هل هناك سبب معين لكتابتك سيناريوهات أفلامك بنفسك، سواء أكانت أصلية أم مأخوذة من نصوص أدبية، وما السبب في عدم كتابتك سيناريو لمخرج آخر؟

 

كتبت ذات مرة سيناريو لمساعدي الذي حظى بفرصة العمل كمخرج أول، وهذا كان بطلب شخصي منه. كانت هذه المرة الوحيدة التي عملت فيها ككاتب سيناريو مع مخرج آخر. 

 

اعتقد أن الكاتب هو أفضل من يحوّل النص إلى فيلم سينمائي، لأنه من الممكن أن لايُفهم النص بشكل صحيح، أو لا يمكن استخلاص كل الأفكار منه. انني مؤمن بضرورة أن يكتب المخرجون بأنفسهم سيناريوهات أفلامهم.

 

هناك عدد من المخرجين، داخل وخارج الهند، يرون بأنهم متمكنون من كتابة السيناريو من دون كتابة الحوار، وفي هذا أختلف معهم، فهم يعتقدون بأن الحوار شكل أدبي بحت، مليء بالتعابير البلاغية والتلاعب اللفظي، وما إلى ذلك. في حين أرى بأن ما يحتاجه المرء لكتابة الحوار هو أذن صاغية، وإحساس بالإيقاع وبالمحتوى الطبيعي للحديث اليومي. فإذا كنت تعرف ماذا تريد أن تقول، من خلال السيناريو، ومن خلال الفيلم، فلماذا لا تجعل الشخصيات تقول هذا الكلام.

 

  • أين يكمن الخلل في السينما الهندية، ولماذا تتميز الأفلام البنغالية بأنها أكثر فنية من أفلام بومباي؟

 

في الواقع ليست كل الأفلام البنغالية جيدة، نحن بالكاد ننتج عشرين فيلماً في العام، في حين تنتج بومباي حوالي 150 فيلماً أو أكثر. ومن الطبيعي أن التناسب في سوء أو جودة الأفلام ستكون أعلى هنا، فمن بين العشرين فيلماً ستجد خمسة أو ستة أفلام فقط تستحق المشاهدة.

 

اعتقد أن العامل المهم، هنا في البنغال، هو أن المخرجين أكثر التصاقاً بجذورهم. فالبنغاليون هم الذين يصنعون الأفلام في البنغال، في حين أن الذين يصنعون الأفلام في بومباي هم أشخاص هاجروا من أماكن مختلفة، ولهذا فلا جذور لهم هناك، على الأقل ليس بالمعنى الذي نشعر به نحن هنا في البنغال.

 

مخرجو بومباي ينظرون إلى السينما كصناعة ترفيهية، والقصص التي يلفقونها هناك ليست لها أية صلة بالواقع على الإطلاق.

 

ولكن إذا أخذت صناعة السينما في محيطها الإقليمي –علي سبيل المثال اللغة الماراثية (غرب الهند)- ستجد أن لها صلة محدودة بالبنغال. وهذا هو السبب الذي يجعل الفن الراقي أكثر قبولاً: فإذا كانت الأفلام تتحدث عن الناس الذين تعرفهم..الناس الذين ينتمون إلى إقليم معين، فإنك ستحقق أفلاماً أكثر فنية وأهمية، ولكن إذا كانت الأفلام تتحدث عن أناس لا ينتمون إلى مكان محدد، ولا إلى وطن محدد، ولا يوجدون إلا في عالم سينمائي ملفق، حيث الطبقة الراقية تنتج أعرافها ومناقبها، حينئذ يمكننا فقط الحديث عن سينما الترفيه، وليس عن الفن أبداً.

 

دعني أؤكد ذلك. من الضروري أن تكون القصص مرتبطة بالواقع، فبالنسبة لمخرج من (إقليم) البنجاب، الواقع هو ما يحدث في البنجاب، ومع ذلك يجد نفسه مضطراً للعمل في مكان ما غير البنجاب. هناك أعداد كبيرة من المخرجين الذين يعملون في بومباي قدموا من البنجاب.

 

لو أتيح للمخرجين قصصاً عن أوطانهم الأصلية، لأمكنهم إخراج أفلام أكثر أهمية.. أفلام تشعر بأنها تنتمي إليهم.. أفلام تكسب كمالاً معيناً، نابعاً من شخصياتها الأصلية. ولكن لأن بومباي مدينة هجينة وكوزموبوليتيكية، فإن العالم الوحيد الذي بوسع هؤلاء المخرجين أن يرتادوه هو العالم الهجين الذي لا صلة له بنوعية وقيم العالم الحقيقي.

 

أستطيع تفهم وجود أفلام ساخرة تبرز من بين هذا الركام، ولكن إذا أخذت هذا العالم بجدية ستجد بأنه ليس بوسعك إلا عمل أفلام عاجزة من وجهة النظر الجمالية.

 

ومع ذلك فإنني لا أعلم إلى متى أستطيع مواصلة إخراج أفلامي في البنغال. أنا في وضع يسمح لي أن أخرج أفلاماً بنغالية للسوق العالمية لعدة سنوات قادمة. ولكن من وجهة نظري فإن الأفلام البنغالية لا مستقبل لها، نظراً لمتطلبات السوق، والتكاليف الباهظة التي تتطلبها هذه الأفلام.

 

قد يكون إخراج أفلام باللغة الهندية، أو باللغة الانجليزية الحل الأمثل. ولست أدري إن كنت قادراً على إخراج أفلام أخرى باللغة الهندية، لأنني حقاً لا أريد أخراج مثل هذه الأفلام، فأنا لا أجيد اللغة الهندية نفسها.

 

  • هذا يدفعني لأن أطرح عليك السؤال التالي: هل تواجهك عوائق حين تخرج أفلاماً في لغة غير لغتك؟

 

بالتأكيد. سأعطيك مثالاً على ذلك. فــي فيلم "لاعبا الشطرنـج" Shatranj ki khilari  1977 شعرت براحة كبيرة حين وصلت إلى الجزء الذي يتم فيه استخدام اللغة الانجليزية، لأن لغتي الهندية ليست بمستوى لغتي الانجليزية، ولأنني كتبت بنفسي الحوار الانجليزي للفيلم.

 

في فيلم "الخلاص" Sadgati  (1981) كانوا يأخذون نصي الانجليزي ويترجمونه إلى الهندية، ولم أعرف أبداً إن كان الحوار جيداً أو سيئاً، حتى تعاملي مع الممثلين – حيث أقوم عادة بقطع الأجزاء بنفسي- أصبح مستحيلاً، فلا معرفة كافية عندي باللغة الهندية، ولم أكن أستطع إلا أن أعطي عدداً محدوداً من التوجيه اللفظي إلى الممثلين. لذا ليس بإمكاني كشف وجوه جديدة إذا أخرجت أفلاماً هندية، وسأضطر للعمل مع ممثلين محترفين.

 

  • هل أخرجت أفلاماً في لغات أخرى غير الهندية؟

 

أبداً.

 

  • ماذا عن اللغة الانجليزية؟

 

قد أفعل ذلك، ولكن حتى لو حدث هذا، فالقصة التي سأختارها لا بد أن تكون من بلادي. لا رغبة لدي في عمل أفلام بالخارج. أريد أن يكون استخدام اللغة الانجليزية منطقياً، حيث الناس تأتي من مناطق مختلفة في الهند وتتحدث الانجليزية كلغة تواصل فيما بينها. قد أعمل فيلماً باللغة الانجليزية في بلادي.

 

  • ما هي صورة السينما الهندية في الخارج، وهل السينما الهندية استطاعت، بشكل عام، أن تخدم قضية الانسان العادي؟

 

لا أعرف ما هي صورة السينما الهندية في الخارج. في الواقع أن أفلامي هي الوحيدة التي تعرض في الغرب، ولكن أعرف أنه في الشرق الأوسط يعرب الكثير من الناس عن أسفهم لندرة الأفلام الجيدة التي تنتج هنا.  ولكن يبدو أن الجمهور في الشرق الأوسط يستمتع بالأفلام الهندية التي تعرض عليه، وهي بالنسبة لهم أفلاماً ترفيهية ومبهجة جداً. ولا ننسى أن الهند تقدم الكثير من الممثلات الجميلات والممثلين الوسيمين، إضافة إلى وجود مطربين ممتازين أيضاً.

من المستحيل تكوين فكرة عن الهند من خلال هذه الأفلام، وإذا كان سكان الشرق الأوسط يحاولون أن يكوّنوا فكرة عن الهند من خلال السينما الهندية فأنني أخشى بأنهم لن يصلوا إلى الحقيقة أبداً.

بالنسبة لسؤالك الثاني، أشك كثيراً في أن السينما الهندية استطاعت أن تخدم قضايا الإنسان العادي. لأن هذه الأفلام – خاصة أفلام بومباي- أعطت الانطباع بوجود فيض من الرفاهية، وبأن الهند جذابة جداً ببيوتها الفخمة وألبستها الزاهية.. الخ. وهذا أعطى صورة غير صحيحة عن الهند بشكل عام، ولكنني لا اعتقد بأن المثقفين في الخارج لديهم أي وهم عن حقيقة وضع الهند. هم يعرفون بأن هذا بلد يتسوّل المعونات من المجتمع الدولي. هم يقبلون أفلام بومباي كظاهرة سينمائية، كعادة متأصلة لدى الهنود لإنتاج الأفلام، وهم يشاهدون هذه الأفلام من باب الترفيه وحسب، وليس لتعلم أي شيء عن الهند.

 

  • أنت مرتبط بالريف الهندي بشكل حميمي رغم انك من سكان المدينة؟

 

نعم أنا كذلك، ولكنني أحب الريف الهندي، وكمصمم إعلانات فقد كنت   أسافر إلى الريف، بالقطار، لأخذ الصور الفوتوغرافية، أو وضع مسودات للأعمال الفنية، وهذا عمّق ارتباطي في البنغال وتقاليدها. أحب، على سبيل المثال، أسواق المدينة، والأسواق الموسمية في القرى.

 

  • لقد دهشتُ وأنا أرى تأثير أفلام العصابات الأمريكية على أعمالك الموجهة للأطفال، "القلعة الذهبية" The Golden Fortressعلى سبيل المثال.

 

تلك الصورة كانت مصممة للوصول إلى المتفرجين الذين يحبون كتبي ولكن لا فرصة لديهم لمشاهدة أفلامي "الجادة".

 

إن صلتي بالسينما الأمريكية تسبق تأثير رينوار وروسلليني على أعمالي. أحب مشاهدة الأفلام الأمريكية التي أنتجت خلال الأربعينيات.. أفلام لمخرجين مثل: راؤول والش، هوارد هوكس، وجون هيوستون – خاصة فيلمه الرائع  "اضرب الشيطان" Beat the Devil، الذي هو محاكاة لأفلام العصابات.

 

  • ما رأيك في السينما اليابانية؟

 

أنا شديد الإعجاب بالسينما اليابانية، هم بحق أساتذة عظام، لم أشاهد أفلام (ياسوجيرو) أوزو المبكرة، ولكن في نهاية حياته المهنية كان يابانياً صرفاً، ولم يقع تحت تأثير هوليوود على الإطلاق. لقد استطاع أن يهدم كل التقاليد: السينمائية، المكانية، الإيقاعية..إلخ.

 

شاهدت مراراً وتكراراً بعض أفلامه، وكنت أقول لنفسي: "يا إلهي، انه لا يتبع بالمرة النموذج أو القاموس الهوليوودي".

 

استطاع أوزو أن يحقق إنجازاً آخر وهو الذي نطلق عليه الإخلاص لجغرافية الممثلين في مواقعهم. هذا الانجاز المهم الذي يتحتم علينا إعادة النظر فيما نسميه بالمباديء الأولية للإخراج السينمائي.

 

  • ما رأيك في فيلم "النهر" للمخرج (جان) رينوار؟

 

لا استطيع أن أقول أن "النهر" The River كان فيلماً عن الهند الحقيقية. فالخلفية كانت هندية واستخدمت بأسلوب مدهش: ضفاف النهر، القوارب، الصيادون، والمناظر الطبيعية الخلابة. ولكن القصة نفسها كانت نوعاً ما مثالية، ولا تثير الانتباه كثيراً. القصة عن حكاية رجل انجليزي يدير مصنعاً للأقمشة يعيش في الهند مع عائلته.  بالتأكيد لم تكن قصة هندية، ولا غربية، ولم تستطع أن تقترب كثيراً من كشف الحقيقة. بالطبع استطاع رينوار أن يترك لمساته الفنية هنا وهناك، ولقد استمتعت كثيراً بمشاهدة "النهر" بشكل عام، ولكن لا يمكن مقارنتها بأفلامه الفرنسية.

 

  • برأيك ما هو التطور الذي تجده سلبياً في تاريخ السينما؟

 

الهيمنة التجارية على السينما الملوّنة، وما تلا ذلك من إقصاء سينما الأبيض والأسود. ولكن الألوان الآن هي أفضل بكثير مما كانت عليه قبل عدة عقود، آنذاك لم يكونوا يعرفون كيفية التحكم فيها. كان دور اللون في جعل الفيلم أكثر جمالاً، ولكن في وقتنا الحاضر لم يستفاد من اللون في تقديم التفاصيل الأكثر دقة. لا بد أن تستخدم اللون بعناية بشديدة، ولا يمكن أن تسمح للمختبر بتغيير ما يشاء. فإذا اخترت أزياء معينة لألوانها فذلك لأنني أريد أن تظهر تلك الألوان في فيلمي، وإذا أكدت على وجود الألوان الصفراء والزرقاء، على سبيل المثال، فأنني لا أتوقع من المختبر أن يجري أية تصحيحات لونية.

 

* هل تقوم دائماً بتصوير أفلامك في الموقع؟

 

 

أصور أيضاً في الاستديو، ولكنني شديد الحرص على إدارة واستخدام الإضاءة في الاستديو . ويهمني أن لا يدرك المتفرج إن كان التصوير يحدث داخل الاستديو أو خارجه. التصوير في الاستديو أسهل بالطبع. وعلى النقيض فإن التصوير في مدينة كلكتا صعب للغاية. هناك دائماً حشود وضجيج من حولنا. حين أضطر للتصوير خارج الاستديو فإننا نعمل بسرعة جداً مع كاميرات محمولة يدوياً. نصل إلى موقع التصوير، نصوّر، ونغادر. فتصوير المشاهد الطويلة قد تسبب لنا إرباكا كبيراً، ولن يكون بوسعنا الاستعانة برجال الشرطة، الذين لهم سمعة سيئة في الهند، ووجودهم يجذب أعداداً أكبر من الجمهور المتلهف لمعرفة ما يحدث. لذا نحن نقوم بدور الشرطة، فكل شخص في هذا الحشد يوّد أن يكون داخل اللقطة، ولا أحد يوجد هناك لمجرد المشاهدة.

 

كيف هي علاقتك بمصورك السينمائي؟

     

    بدأت العمل مع مصور سينمائي ممتاز، ولكنه كان بعد كل لقطة يقول لي: "علينا أن نعيد اللقطة". فأسأله: لماذا؟. ولكن إجاباته لا تكون محددة أبداً. اللقطات المتكررة خطيرة جداً، خاصة حين تنجز فيلماً بميزانية محدودة. لذا قررت أن أدير الكاميرا بنفسي. ولاحظت أنه خلال اللقطات المتتالية لمشاهد مليئة بالحركة، يحدث أن أتسبب بنفسي في اهتزازات الكاميرا، فأتغاضى عن ذلك. لكن لو كان المصور السينمائي موجوداً لفكّر فقط في اهتزاز الكاميرا، وأخذ لقطات سليمة بأي ثمن. 

     

    أدركت، كمدير للتصوير، بأنني حين أعمل مع ممثلين جدد، فأنهم يكونون أكثر ثقة في أنفسهم حين لا يرونني أمامهم. وحتى أبقيهم في هذه الحالة فأنني أظل وراء الكاميرا حيث أستطيع أن أرى بشكل أفضل، وأحصل على اللقطات التي أريدها بالضبط. وعلى النقيض من ذلك، حين أجلس على كرسي المخرج فأنني أعتمد على المصوّر الذي يحدد اللقطة، والذي يقرر متى يستخدم التدوير الفوتوغرافي، أو اللقطات السريعة، أو اللقطات المتتالية. في الواقع هو الذي يعمل كل شيء.

     

    لقد تعوّدت على تصوير اللقطات بنفسي، ولا استطيع أن أتخلى عن أسلوبي هذا. ذلك لا يعني بأنني لا أثق في قدرات إدارة التصوير، ولكنني أستطيع أن أتحكم بالعمل من وراء الكاميرا، من خلال العدسات.

     

    وهذا دفعني للتعامل مع مصوّر آخر هو سوبراتا ميترا (8)، الذي كان في الحادية والعشرين من عمره، ولم يمسك بحياته كاميرا سينمائية، واخترته ليصور فيلم "أغنية الطريق" Pather Panchali ، فكل المصوّرين المحترفين قالوا بصعوبة التصوير في المطر، وباستحالة التصوير بالخارج بسبب التغييرات في الإضاءة، فالشمس تغرب بسرعة.

     

    وهكذا قررت بعد نقاش مطول مع مصوّري الجديد على وضع قواعد رئيسية للعمل، أهمها بأننا سننطلق في العمل من الصور التي أبدأ بتركيبها في ذهني، واختيار كل قطعة ملابس قبل الشروع في التصوير - عادة ما كنت أشتريها بنفسي – والاستفادة من مقدار الضوء المتوفر ومحاكاته في الاستديو إذا اضطررنا لذلك، باستخدام الإضاءة المرتدة bouncing light، أو الإضاءة التي ترتد من قطعة كبيرة من القماش.

     

    • أي نوع من الأقمشة؟

     

    ملاءات بيضاء فقط، أو ما نسميه بالأقمشة الطويلة. شكلنا قطعاً من القماش الأبيض، طويلة جداً، وجعلنا الضوء يرتد من ورائها، باستثناء المشاهد الليلية بالطبع. وحين يكون مصدر الإضاءة محدداً فأنت تتبع هذا المصدر كلما أمكنك ذلك، سواء أكانت شمعة، أو مشكاة، أو مصباحاً كهربائياً. أنت دائماً تتبع المصدر، وهي تبسط الأمور.

     

    قبل سبع أو ثمان سنوات قرأت مقالة في مجلة " المصوّر السينمائي الأمريكي" American Cinematographer كتبها ســـفن نايكفست Sven Nykvist 9 أثناء تصوير برغمان لفيلمه " عبر الزجاج المظلم " Through a Glass Darkly ، مدّعياً باختراعه فكرة الإضاءة المرتدة، رغم أننا كنا قد استخدمنا هذه الفكرة منذ العام 1954.

     

    • يقال بأن العديد من المخرجين في الهند يقومون بتصوير أفلامهم بأنفسهم.

     

    في الواقع هناك قلة من المخرجين- المصورين، ودعني أوضح لك الأمر: ما أفعله هو توجيه الكاميرا، فأنا ببساطة أديرها، والمخرج الذي يستطيع إدارة الكاميرا يحظى بثقة أكبر. 

     

    لا أرى أي ضير في توجيهي للكاميرا وللمصوّر، بل على العكس أرى أنها تساعدني على ترك بصماتي أو وجهة نظري على العمل، ولكنني أبداً لا أدعو نفسي مصوّراً سينمائياً.

     

    لدى كل مخرج عظيم أسلوب مميز في التصوير، وتستطيع أن تتعرف مباشرة على أعمالهم من أساسيات التصوير، واستخدام اللون، وطريقة توزيع الضوء والظلال في الصورة.

     

    للأسف لا يوجد في الهند أي مصوّر سينمائي بمكانة المصوّرين الأمريكيين أو الأوربيين، لنقل في مستوى سفن نايكفست ٍSven Nykvist وغريغ تولاند Gregg Toland (10).

     

    • هل يمكن القول بأن المصوّر الجيد لن يكون بالضرورة مخرجاً جيداً؟

     

    هذا صحيح، لأن كلا العملين غير متصلين ببعضهما، لكن المخرج الجيد يجب أن يعرف كيفية استخدام الإضاءة وتركيب الفيلم، وكيف يوجه المصور. 

     

    دعني أكون أكثر تحديداً: لا اعتقد أن أي مخرج يستطيع أن ينجح إذا لم يكن بارعاً في التقنية: كيف يستخدم الكاميرا، متى وأين يضعها، كيف يستخدم الصوت والإضاءة.

     

    • ما هي في رأيك عناصر الفيلم الفني ؟

     

    قوة الشخصيات السينمائية هي في قدرتها على التواصل بالعقل البشري، هذا التواصل يمكن أن يوحي له من خلال الحركات، الإيماءات، التأثيرات الصوتية، التغيير في الإضاءة، أو التلاعب بالبيئة المحيطة. روعة السينما تكمن في إنها ترصد نمو الشخصية بدلاً من رصد تحركاتها.

     

    • هل تشعر بأن أفكارك تغيرت عما كانت عليه في بداياتك السينمائية؟

     

    لا أعرف شيئاً عن أفكاري، ولكن تقنيتي، ولغة أفلامي ، تغيرت، ويعود الفضل في ذلك إلى الموجة الفرنسية الجديدة، خاصة (جان لوك) غودار الذي فتح آفاقاً جديدة في اللغة السينمائية، وهزّ أساسياتها ببراعة شديدة. 

     

    نتيجة لهذه الموجة الجديدة صار المخرجون الهنود يقللون من استخدام الإظلام والتلاشي. نحن الآن نعتمد أكثر على القطع.

     

    من الأمور الصعبة التي كانت تواجهني دائماً هو كيف تعبر الشخصية دون كلام، أي من خلال الإيماءات، والنظرات، والحركات ..إلخ. 

     

    • هل فكرت في كتابة عمل مسرحي أو إخراج مسرحية، فالمعروف بأنك قاريء نهم للمسرحيات، وبأنك من مرتادي المسرح باستمرار.

     

    هناك الكثير من الأشخاص الموهوبين الذين يعملون في المسرح هذه الأيام، لذا فما الفائدة في زيادة العدد؟. للأسف في السينما لا نرى مواهب فنية جديدة. منذ البداية شعرت بأنني أكثر تعلقاً بالسينما من المسرح، ولم أفكر في كتابة أو إخراج مسرحية، اهتمامي هو في كتابة السيناريو والإخراج السينمائي بالطبع.

     

    • ألم تفكر في تحويل إحدى المسرحيات إلى فيلم سينمائي؟

     

      لم أفكر في هذا الأمر طيلة الفترة التي سبقت فيلم "عدو الشعب" Ganashatru  1989، فالفيلم يعتمد كثيراً على الحديث، وهذا لا يثير اهتمامي. بالنسبة لي لحظات الذروة في الفيلم تكمن في المشاهد التي ليس بها حوار، في حين أن المسرحية تعتمد اعتماداً كلياً على الحوار. 

     

     لا اعتقد أن المسرحية أو الرواية يمكن أن تكون مصدراً للاقتباس، بل القصة الطويلة، فبالنسبة لفيلم مدته ساعتين أو أكثر تكون القصة القصيرة الطويلة أفضل الأنماط الأدبية المناسبة، فليس بوسع المخرج أن يقتبس رواية طولها 400 أو 500 صفحة ويختزلها في فيلم مدته أقل من أربع ساعات حتى وإن كان في أكثر من جزء.

     

     

    • مارأيك في تحويل مسرحيات شكسبير إلى السينما؟

     

    على الرغم من إنجازات لورانس أوليفييه في أفلامه المقتبسة عن مسرحيات شكسبير إلا أنها لن تكون أبداً أفلاماً سينمائية. وأعتقد أن غريغوري كوزينتسيف (11) هو المخرج الوحيد الذي أضاف نوعاً من الحيوية إلى مسرحيات شكسبير سينمائياً، ولا يوجد مخرج آخر استطاع أن ينجز ذلك. انها عملية صعبة جداً.

     

    • لقد أثار اهتمامي أنك دائماً تستعين بمبتدئين هواة من المسرح ليمثلوا الأدوار الرئيسية في أفلامك،  هل هناك أية ميزة خاصة في استخدامك لهؤلاء الهواة؟

     

    في الواقع لا، لأن أولئك الذين يمثلون في المسرح، سواء أكانوا محترفين أم هواة، لا يشعرون بالانسجام وهم يمثلون في السينما، فهم لا يحصلون على التأثير أو التقدير مباشرة من الجمهور. ممثلو المسرح لا يستسيغون أيضاً مدة انجاز الفيلم، فهم يؤدون أدواراً صغيرة في فترة زمنية طويلة، وينتظرون اللقطات التالية وصولاً إلى المونتاج النهائي.

     

    • هل اكتشفت شخصاً مناسباً تماماً للدور ولكنه غير قادر على التمثيل، وكان عليك بالتالي أن تتخلى عنه؟ 

     

    كلا، لقد كنت محظوظاً جداً في هذه الناحية، فقبل أن نبدأ التصوير نجرى اختباراً أولياً حينها تكتشف إن كان الشخص مناسباً للتمثيل أم لا، هذا حدث في حالة الصبي الذي لعب دور (أبو) في فيلم " أغنية الطريق" ، اسمه سوبير بانيرجي وكان يبدو مناسباً للدور، ولكنه لم يستطع التمثيل أبداً. كان لا ينتبه لما أقوله، ولم يمثل إلا بعد الكثير من العمل الشاق، بما في ذلك الحيل التي ابتكرتها بمساعدة الكاميرا. بعض الأطفال يولدون ممثلين، ولكن بالتأكيد لم يكن سوبير أحدهم.

     

    • أحد الثيمات المتكررة في أفلامك هي تلك التي تنمو تحت ظروف وشروط مختلفة، وفي مستويات متعددة من المجتمع، وحتى في أزمنة مختلفة، لماذا أنت مشدود إلى هذه الثيمة إلى هذا الحد؟ 

     

    في الواقع تعاملت مع هذه الثيمة في بداية حياتي المهنية، ولكن منذ عشر سنوات أو أكثر لم تعد تهمني كثيراً. أفضل هذه الأيام سرد حكاية قصيرة حيث تخضع الشخصيات لتجربة مريرة تتسبب في تحوّلها أو تطورها أو تغيرها. خير مثال على ذلك فيلم "السمسار" Jana Aranya  1975 حيث الزمن محدد في شهر أو شهرين. خلال هذه الفترة القصيرة من الزمن نرى صبياً شريفاً، بريئاً، يتحوّل إلى شخص فاسد تماماً، وحينها فقط يستطيع أن يقف على قدميه. هذه النقلة الكبيرة من حالة محددة للشخصية إلى حالة أخرى هي مثيرة للاهتمام. 

    يمكن أن تجد مثل هذا التحوّل الداخلي حتى في أفلامي القديمة، مثل فيلم "المدينة الكبيرة"  Mahanagar (1963) حيث نجد امرأة لا ترغب في العمل، ولكن تحت إلحاح زوجها تبدأ في العمل، وتحقق نجاحاً كبيراً في عملها، وتواجه بالحسد من زوجها، وتصبح مسئولة عن إعالته حين يفقد وظيفته، وفي نهاية الفيلم يتوصل الزوجان إلى تسوية مناسبة.  

     

    • هل يعني هذا بأنك بعد هذه السنوات بدأت تهتم بشكل أكبر بالوضع النفسي البشري؟

     

    لنقل بأنني مهتم بعلم النفس نفسه، في الواقع كان هذا محور اهتمامي منذ فيلمي "المعبودة" Devi ، الآن أصبح علم النفس ذا أهمية كبيرة بالنسبة لي.

     

    • إذا وجدت قصة تدور أحداثها حول تفاصيل غريبة هل ستكون مهتما بتحويلها إلى فيلم سينمائي؟

     

    نعم، إذا كانت التفاصيل الغريبة صادقة ومهمة، ولكن ما يهمني هو الكائن البشري في الفيلم، إذا كانت الشخصيات غير مهتمة بهذه التفاصيل ولا تتطوّر معها فأنها لا تثير اهتمامي أيضا.

     

    • منذ العام 1961 وتحديداً منذ فيلمك "ثلاث بنات" Teen Kanya  ، وأنت تؤلف الموسيقى لجميع أفلامك، هل يمكن أن تتحدث عن الموسيقى بشكل عام، وموسيقى الأفلام بشكل خاص؟

     

    كانت الموسيقى عشقي الأول لسنوات طويلة جداً، ربما حين كنت في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمري. كطفل كان عندي فونوغرافاً، مع وجود الكثير من الأسطوانات في بيتنا.  في الفترة التي التحقت فيها بكلية بريسدنسي Presidency College  (في مدينة كلكتا)  وجامعـة شانتينكيتان University of Shantiniketan (في غرب البنغال) صار اهتمامي جدياً بالموسيقى الكلاسيكية الغربية. لم يكن عندي المال الكافي في تلك الأيام لأشتري الأسطوانات، ولكن حين عملت بدأت في جمع الأسطوانات والمدونات الموسيقية. في بومباي كان يوجد متجر أسمه روز وشركاه يبيع المنمنمات والمؤلفات الموسيقية الألمانية. أصبحت هوايتي المفضلة أن اقرأ في الليل المدونة الموسيقية وفي النهار استمع إلى الموسيقى نفسها، ثم أعود لقراءة المدونة في الليل فأسمع الموسيقى بداخلي. وهذا ساعدني كثيراً في تعلم التدوين الموسيقي.

     

    • لماذا بالتحديد الاهتمام بالموسيقى الكلاسيكية الغربية؟

     

      في بلادنا هناك تقليد الاستماع إلى "أغاني رابندراناث طاغور" Rabindrasangeet 12 والموسيقى الكلاسيكية الهندية. كان عمي عاشقاً عظيماً للموسيقى، وكان الموسيقيون في تلك الأيام يأتون باستمرار إلى بيتنا ويعزفون. وهكذا لم أعد أشعر بأنني أحتاج إلى تعلم الموسيقى الهندية. وعلى النقيض فإنني عشت متعة اكتشاف الموسيقى الكلاسيكية الغربية، كانت بالنسبة إلى اكتشافاً للمجهول، فحين تستمع إلى أعمال بيتهوفن تكتشف بأنها موسيقى لا مثيل لها أبداً في موسيقانا. كنت متحمساً مع عدة رفاق للاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية الغربية، وأتذكر وجوه البائعين في متجر "بيفان وشركاه" في ميدان "دالهوسي" ( في مدينة كلكتا) المأخوذين بمشهد ثلاثة شبان بنغاليين يهتمون هذا الاهتمام المبالغ فيه بالموسيقى الكلاسيكية الغربية.

     

     

    • في عام 1966 قلت " في كل مراحل الاخراج السينمائي، وجدتُ بأن التوزيع الموسيقى هو أكثر المراحل الذي يتطلب جهداً كبيراً" . هل لا يزال التوزيع الموسيقى عملاً متعباً بالنسبة لك؟

     

    كنت أؤلف الموسيقى مرة واحدة في العام، ولو كنت مؤلفاً موسيقياً محترفاً لكانت المسألة أسهل بكثير. لا بد أن أذكر بأنني تعلمت الموسيقى تعليماً ذاتياً، فأنا أختار أفكاراً موسيقية للفيلم بشكل مختزل، لذا يصبح التأليف الموسيقى اختباراً حقيقياً، ولكن مع الخبرة العملية برمتها أصبحت أسهل بالنسبة لي.  رغم أني لا استطيع أن أضع أفكاري الموسيقية مباشرة على الورق بالسرعة التي يتعامل فيها مؤلف موسيقى محترف. وهذا العمل يستهلك الكثير من الوقت ويثير عندي القلق. ويزداد القلق حين لا يؤدي الموسيقيون الموسيقى التي أريدها، لأنهم اعتادوا على العزف بأساليب مختلفة جداً خاصة هنا في البنغال.

     

    • وهل شعور التردد في كونك لست مؤلفاً موسيقياً محترفاً هو الذي جعلك تستعين بالموسيقار رافي شانكار ليؤلف الموسيقى لفيلمك "أغنية الطريق"؟

     

    استعنت برافي شانكار لأنه صديق شخصي لي وأشعر براحة كبيرة في العمل معه. كنت مقتنعاً بأن العمل مع شخص مثله سيفيد الفيلم كثيراً، فهو الأقدر على تأليف موسيقى لا يستطيع أن يؤلفها أي موسيقى بنغالي تقليدي في ذلك الوقت.

     

    • كيف تصف تعاملك مع مؤلف موسيقى مشهور مثل رافي شانكار؟

     

    في ذلك الوقت كان رافي شانكار مشغولا جداً برحلاته الخارجية. كتبت له في بومباي – أو قد يكون في دلهي – بأنني أفكر في إخراج فيلم "أغنية   الطريق" ، وأرغب أن يؤلف الموسيقى للفيلم. ثم ذهبت لزيارته عندما جاء إلى كلكتا. دندن لي خطوطاً لحنية معينة – كانت قريبة من الروح الشعبية- ووجدت انها مناسبة تماما للفيلم، وهكذا أصبحت ثيمة الفيلم الموسيقية .

     

    • رغم اهتمامك بالموسيقى الكلاسيكية الغربية إلا أنك لا تستخدمها بتاتاً في أفلامك.

     

    نعم هذا صحيح، العديد من المخرجين استخدموا الموسيقى الكلاسيكية في أفلامهم ولكن لم يكن هذا الاستخدام ناجحاً في كل الأفلام. شاهدت فيلماً للمخرج (السويدي) بو وايدبيرغ اسمه "اليفيرا ماديغان"  Elvira Madiganاستخدم فيه مراراً وتكراراً أجزاء من كونشيرتو البيانو رقم 453 لموزارت. فيما بعد وجدت اسطوانة بعنوان "كونشيرتو اليفيرا ماديغان" ، وكان ذلك فظيعاً ومريعاً. لأنك تفترض بأن الفيلم سيرتفع إلى مستوى الموسيقى، ولكن ما يحدث عادة هو أن الموسيقى تنحدر إلى مستوى الفيلم، وتحديداً في هذه الحالة، اندمج الاثنان مثل الماء والزيت. ستانلي كوبريك استخدم سيمفونية بيتهوفن التاسعة في "البرتقالة الآلية" A Clockwork Orange واعتقد بأنها كانت مناسبة تماماً لهذا الفيلم، وعمل كوبريك أفلاما أخرى استخدم فيها موسيقى كلاسيكية مثل استخدامه فالس "الدانوب الأزرق" The Blue Danube ليوهان شتراوس في فيلم "2001: أوديسا الفضاء" 2001: A Space Odyssey  . لا أرى مانعاً من استخدام موسيقى من عصر الباروك ، مؤلفات كوبيرن (13) أو سكارلاتي (14) على سبيل المثال، في فيلم إذا كان الموضوع مناسباً.

     

    بالمناسبة لا أميل للأفلام التي تستخدم فيها الموسيقى الرومانسية المبالغ فيها مثل تلك التي تجدها في أفلام هوليوود في بداية الأربعينيات. ان معظم المخرجين الأمريكان، باستثناء بعضهم مثل ويليام ويلر، بيلي وايلدر، فرانك كوبرا، وجورج ستيفنز، لا سيطرة لهم على الفيلم بعد أن ينجزوا تصويره. سألت ذات مرة جون هيوستون عن فيلمه   "كنوز جبال سيرا مادري" Treasure of the Sierra Madre  (1948)  وكيف سمح للموسيقى أن تؤثر سلباً على الفيلم، فقال لي بأن لا سيطرة لديه على الموسيقى، ربما لأنه ليس مؤلفاً موسيقياً. 

     

    • هل هذا يعني من وجهة نظرك بأن الموسيقى الخلفية هي عنصر دخيل في الفيلم ؟

     

    اعتقادي هو أن الفيلم يجب أن يكون قادراً على فصل نفسه عن الموسيقى، ولكن نستخدم الموسيقى لأننا لا نثق بأن تغييرات معينة في الأمزجة يمكن أن تفهم من قبل المتفرجين، لذا نلجأ إلى الموسيقى لنؤكد هذه التغييرات. أتمنى أن أعمل من دون الموسيقى، إن كان ذلك ممكناً، ولكنني لا اعتقد بأنني استطيع أن أعمل ذلك أبداً، ربما سأستخدم موسيقى أقل في أفلامي الجديدة واستعيض عنها بأصوات الطبيعة قدر المستطاع.  

     

    في بدايات عملي كنت أظن أن الفيلم يحتاج إلى الموسيقى نظراً للصمت الطويل في بعض اللقطات، والتي يمكن أن تثير الملل عند المتفرج. المسألة ببساطة هي أن اللقطة تصبح أقصر تلقائياً مع الموسيقى، وفي بعض الأفلام تكون الموسيقى ضرورية ما لم يكن عندك أصوات طبيعية غنية. 

     

    كما تعلم فإن أفلام (فيتوريو) دي سيكا الأولى – سارق الدراجة ، معجزة في ميلانو ، ماسح الأحذية، امبرتو دي – كانت أفلاماً جماهيرية، صوّرت في وقت كانت فيها ظروف التصوير صعبة جداً، مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وكانت هناك بعض المشاهد "الخام" التي تتطلب وجود الموسيقى، وكان محظوظاً لعمله مع (اليساندور) سيكوغنيني، هذا المؤلف الموسيقى الممتاز الذي كان يجيد تقديم الموسيقى التي يريدها. 

     

    بشكل عام فإن استخدام الموسيقى أو المؤثرات الصوتية يعتمد أساساً على حالة المشهد، ويمكن لمؤثرات صوتية معينة أن تغني عن استخدام الموسيقى، وإذا أردت أن تسيطر على الوقت، وتحافظ على الزمن الحقيقي أو الكرونولوجي، فمن الأفضل استخدام موسيقى اقل، رغم أن المؤثرات الصوتية يمكن أن تكون أفضل في هذه الحالة، وعلى النقيض عندما ينفصل الزمن تساعد الموسيقى على الحفاظ على الاستمرار الزمني. 

     

    • لو أتيحت لك فرصة إعادة تأليف موسيقاك ، فأي موسيقى فيلم ستختار؟  

     

    كل أفلامي، فعندما أشاهد أفلامي القديمة أقول لنفسي: لو أتيحت لي الفرصة لأعدت تنظيم الفيلم ولألفت موسيقى جديدة للفيلم. فهذه الأيام تغيرت نوعية التسجيل بشكل كبير. على النقيض من السنوات السابقة حيث كنا نسرع في قطع الفيلم مباشرة بعد الانتهاء من التصوير، فقد كان لدينا وقت محدد لتسليم الفيلم النهائي، وكنتيجة لذلك كان عملنا يقوم على السرعة، وهذا سبب لنا الكثير من الضرر، فأحيانا كنا نسلم المونتير أجزاء من الفيلم، في حين كانت الأجزاء الأخرى جاهزة في العلب، لذا لم يكن أمامي الوقت الكافي لتأليف الموسيقى بشكل دقيق، وبالشكل الذي أتمناه.

     

    هذه الأيام الأشياء أسهل بكثير، تستطيع أن تضيف أساليب تقنية جديدة بنفسك، على سبيل المثال، الآن أسجل كل الحوار في أفلامي على أشرطة كاسيت مع الوقت المحدد للصمت، ثم أعمل مخططاً لكل شخصية في الفيلم، حتى أستطيع أن أحدد بالضبط الموسيقى المطلوبة للفيلم، لأنني كمخرج أعرف كل التفاصيل الصغيرة في الفيلم، وهذا يسهل علي العمل في البيت وبسرعة أكبر.

     

    • هل يمكن أن تعطي مثالاً لمشهد من أحد أفلامك كان المفترض أن تؤلف له الموسيقى؟

     

    هناك مشهد يعقب موت هاريهار في فيلم "رجل لا يقهر" Aparajito حين يصل سارباجايا وأبو إلى القرية، لا شيء يحدث بالتحديد، ولا نرى شيئاً، ولا نستمع إلى شيء، اشعر الآن بعدم الرضا حين أرى الآن هذا المشهد  الطويل، ولكن رافي شانكار لم يؤلف أي موسيقى لهذا المشهد، ولم أكن واثقاً من نفسي في ذلك الوقت لأؤلف شيئاً من موسيقاي.

     

    • أي من ثيمات أفلامك الأساسية تتطلب توزيعاً أوركسترالياً قوياً؟

     

    هناك مشاهد صمت طويلة في فيلم "صالون الموسيقى" Jalsaghar  تستدعى استخدام خلفية موسيقية شاملة.

     

    • أي من موسيقاك المؤلفة للأفلام أقرب إلى قلبك؟

     

    إذا كنت تقصد الخلفية الموسيقية فموسيقى فيلم "المرأة الوحيدة" Charulata  هي الأفضل، ففي هذا الفيلم عملنا كل شيء بشكل صحيح ودقيق، والموسيقى في هذا الفيلم ارتبطت بمضمون الفيلم. فوحدة المرأة يمكن إدراكها بصرياً منذ بداية الفيلم، ولكن هناك أشياء أخرى تحتاج للشرح، كشبابها المفقود، وضجرها، ووحدتها، لذا لجأت إلى موسيقى تستطيع أن تشرح كل ذلك،   وألفت واحدة من أفضل أعمالي الموسيقية.  

     

    هذا الفيلم كان يتعامل مع عائلة ليبرالية، تقدمية، وهذا دعاني لتأليف أغنيتين بعناصر غربية، يتداخل فيها العنصر الهندي بالغربي. مما جعلني أهتم في دمج العنصرين معاً. وأدركت بأن الموسيقى واحدة، وإن كنت أرى أن الموسيقى الغربية هي قادرة بشكل أفضل على التعبير عن الحالات المتغيرة، وذلك من خلال النقلات من مفتاح إلى مفتاح آخر، من السلم الكبير إلى السلم الصغير، وهكذا. في حين ان مثل هذه النقلات في الموسيقى الهندية يمكن أن تنجز فقط خلال النقلة المفاجئة من الراغا إلى الراغا Raga  (15) التي يمكن أن تكون مميزة جداً.  

     

    • برأيك ما هي الأزمات التي تواجه المخرج المعاصر؟

     

    لا أعرف شيئاً عن المخرجين الآخرين، أستطيع فقط أن أتحدث عن نفسي، بالطبع أكثر المصاعب التي تواجه أي مخرج هي المصاعب المالية، هناك مخرج لا يعنيه ربح أو خسارة المنتج، ولكنني أضع نفسي في خانة المخرجين الذين يؤمنون بأنه من دون عون المنتج لا تستطيع أن تكون مبدعاً، فأي فيلم يكلف مالاً وليس بوسعك تدبير هذا المال، لذا عليك أن تعتمد على الآخرين. إضافة إلى ذلك لا اعتقد أن الهند مكان يصلح لإنتاج الأفلام الطليعية أو التجريدية أو الغامضة. وحتى تستطيع أن تخرج فيلماً على هواك فلا بد أن تستخدم كاميرا 8 مم أو تنفق من مالك الخاص. ولكن حين تضع في اعتبارك بأنك جزء من التركيبة التجارية فإنك تفكر دائماً في المتفرج "المثالي" . ومع انك لا تبحث عن مستويات متدينة من المتفرجين إلا أنك تفكر في متفرج يستجيب لفيلمك، وبعد سلسلة من التجارب تستطيع أن تعرف ما إذا كان هذا المتفرج قابل أو غير قابل للاستجابة.

     

    • تعليق أخير سيد راي، لقد اذهلني سهولة الوصول إليك، أقصد ليس على المرء إلا أن يصعد بضع درجات للوصول إليك، وأنا ممتن جداً للتحدث إليك.

     

    اسمي موجود في دليل الهاتف، وتستطيع أن تطرق بابي وقتما تشاء، كل شخص يستطيع الوصول إليّ، في الواقع الأشخاص الذين يحضرون لزيارتي أيام الآحاد هم أناس عاديون جداً، ليسوا نجوماً كبار وليسوا منتجين، بعضهم تربطني بهم صداقة قديمة، آخرون يبدون تقديراً تجاه الأفلام التي أخرجها. في نهاية الأمر اعتقد أن من الغباء أن تبني جداراً حول نفسك.

     

     

     

     

     

     

    هوامش المترجم

     

     

    1. سوكومار راي (1887-1923) أحد أعظم الكتاب والمصورين في تاريخ الأدب البنغالي، ولد في العام 1887، ونظراً لصعوبة أدبه فلم تترجم أعماله إلى لغات أخرى، كتب قصصاً ساخرة وأخرى للأطفال نشرها في مجلة  سانديش التي أسسها والده اوبندراكشور . في العام 1921 أصيب بحمى خطيرة أودت بحياته.

     

    1. بيبهوتي بوشان بانيرجي (1899-1950) كاتب قصص قصيرة منذ العام 1922، ولكن روايته "أغنية الطريق" التي كتبها في 1929 أثارت اهتماماً واسعاً بأدبه، وفي عام 1932 كتب بانيرجي سيرته الذاتية الرائعة .Aparajito وكتب روايات أخرى " منزل بيبني" 1941 ، " درب الروح" 1944 و "المتوحش" 1949 .

    2. غريغوري تشوخاري (1921- 2001) مخرج روسي وكاتب سيناريو بدأ في الخمسينيات إخراج أفلامه السينمائية، وعرض فيلمه " الواحد والأربعون" في مهرجان كان السينمائي في 1957. في العام 1959 كتب وأخرج رائعته "أغنية الجندي" التي تحكي عن الحب وتراجيديا الحرب بعيداً عن الدعاية الحزبية، وعرض الفيلم في مهرجان كان في عام 1960 وحاز على جائزة لجنة التحكيم الخاصة.

     

    1. مارك دونسكوي (1901 – 1981) مخرج سينمائي، وكاتب سيناريو روسي، أخرج ثلاثية ماكسيم غوركي طفولتي، شبابي، جامعتي. 

     

    1. الراسا: كلمة سنكسرتية تعني العاطفة أو الرغبة المتصلة بالعواطف الإنسانية مثل: الحب، الضحك، الحزن، الغضب، البطولة، الخوف، التنكر، الدهشة، السلام. وهي بالتالي تتواجد في كل الفنون الهندية كالموسيقى والرقص والمسرح والرسم والنحت والموسيقى، وذلك عبر التعبير بالإيماءات، واللمس، والنظر، والمشاعر، ورد الفعل العاطفي.

     

     

    1. بيير بونار ( 1867 – 1947)  فنان تشكيلي فرنسي وأحد رواد المدرسة التأثيرية في الرسم، من أهم أعماله (رجل وامرأة) و(النوم والشخص المتكاسل) و (الفاكهة على مائدة مغطاة بالمفرش المربع باللون الأحمر والأبيض) .

     

    1. هنري كارتييه- بريسون (1908-2004) مصور فوتوغرافي فرنسي، وأحد رواد فن التصوير الفوتوغرافي في القرن العشرين، أسس وكالة ماغوم للتصوير الفوتوغرافي، يرجع له الفضل في تعريف (اللحظة الحاسمة) في التصوير الفوتوغرافي، وهي تلك الجزء من الثانية التي تفرق بين الصورة الجميلة والصورة العبقرية. خلال عمله غطى انتصارات ماوتسى تونغ في الصين وموت غاندي في الهند وصور أغلب الشخصيات العامة والتاريخية في عصره. 

     

    1. سوبراتا ميترا (1930-2001) مصور سينمائي هندي، ومؤلف موسيقي، وعازف سيتار، يعد من أعظم المصورين السينمائيين في الهند. كان يحلم في بأن يصبح مهندساً معمارياً أو مصوراً سينمائياً. في العام 1950 زار الهند المخرج السينمائي المعروف جان رينوار ليصور فيلمه (النهر) وحاول ميترا الحصول على عمل في الفيلم ولكنه لم يوفق، وبمساعدة والده استطاع الحصول على إذن لمشاهدة التصوير. وحصل على فرصة عمره حين كلفه ساتياجيت راي بمهمة مدير التصوير في فيلمه الأول "أغنية الطريق" وكان عمره حينذاك 21 عاماً.  يعزى لميترا ابتكاره مفهوم الاضاءة المرتدة والاضاءة الشاعرية في السينما.  إلى جانب تعاونه مع ساتياجيت راي في معظم أفلامه التالية فقد عمل مديراً للتصوير في عدد من افلام المخرج البريطاني جيمس ايفوري.

     

    1. سفن نايكفست  (1922-2006) كاتب سويدي ، مصور سينمائي ،مخرج ، يعد من أفضل المصورين السينمائيين في العالم. عمل في معظم أفلام المخرج السويدي الكبير انغمار برغمان، حاز على جائزة أوسكار أفضل مصور سينمائي وأفضل إضاءة سينمائية عن فيلم انغمار برغمان "صرخات وهمسات" في عام 1973، عمل مع مخرجين كبار أمثال لوي مال، بوب فوس، وودي ألن،  ريتشارد أتنبروه، وأندريه تاركوفسكي.

    2. غريغ تولاند (1904-1948) مصور سينمائي أمريكي، عمل مديراً للتصوير في فيلم "المواطن كين " للمخرج الكبير أورسون ويلز.

    3. غريغوري كوزينتسيف (1905- 1973) مخرج سينمائي روسي، في العام 1921 أخرج ثلاثة أفلام عن الثورة الروسية، وحاز على جائزة الدولة في   1941 ، ولكن فيلمه (أناس عاديون) الذي أخرجه العام 1946 منع عرضه في الاتحاد السوفياتي حتى وفاة ستالين. خلال هذه الفترة تعاون مع  بوريس باسترناك وأخرج أفلاماً مستمدة من الأدب الكلاسيكي مثل (دون كيخوته) 1957 (الملك لير) 1969 و(هاملت) 1963.

    4. أغاني رابندراناث طاغور: حوالي 2230 أغنية كتبها ولحنها الشاعر البنغالي رابندراناث طاغور، الحائز على جائزة نوبل للآداب، وتعتبر هذه الأغاني ثروة ثقافية للبنغال، وهي، كما يصفها الناقد دان غوبال موكرجي في كتابه (الطائفة والطائفة المنبوذة)،  أغانٍ تعبر عن كل المستويات الإنسانية، وهي صوت الأغنياء والفقراء، الكبار والصغار، الأثرياء والمعدومين.

    5. فرانسوا كوبيرن (1668-1733) مؤلف موسيقي فرنسي، كان يعرف باسم "كوبيرن العظيم" لأعماله المميزة للأورغن والهاربيسكورد التي كان لها تأثير على باخ وشتراوس وموريس رافيل وبرامز. 

    6. اليساندرو سكارلاتي (1660-1725) مؤلف موسيقي إيطالي ، أحد رواد عصر الباروك اشتهر بأعماله للأوبرا والأناشيد الدينية.

    7. الراغا: هي عناصر بناء الميلودية في الموسيقى الهندية، والتي بموجبها تتحرك الموسيقى أفقياً ورأسياً، وتسمح بتنويعات لحنية لا محدودة. 

     

     

    • بيرت كارديللو: ناقد سينمائي يعمل في مجلة "هدسون رفيو" The Hudson Review منذ العام 1987، ومؤلف، واستاذ مادة المسرح في جامعة نيويورك، ومترجم لعشرين كتاباً منها كتابه (بحثاً عن السينما). حاز على درجة الدكتوراه في الفنون الجميلة من جامعة يال. 

     

     

    Please reload

     الأصدقاء

    لسنا سلفا لخير خلف،

    نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

     وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                       الشاعر  قاسم حداد