اهتم بالإنسان ولا تهمني السياسة.. حوار مع المخرج السينمائي ساتياجيت راي


حوار أجراه: بيرت كارديللو*


بعد فيلمه "البيت والعالم" Ghare Baire ، الذي عرض في مهرجان كان عام 1984، لم ينجز ساتياجيت راي أي فيلم طويل، فقد كان يمرّ بفترة نقاهة، بعد إصابته بذبحتين صدريتين، وخضوعه لعملية جراحية في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية. ورغم أن الأطباء نصحوه، بشكل صارم، تجنب العمل في السينما لفترة من الوقت، إلا أن نشاط راي لم يتوقف خلال هذه الفترة، فقد واصل الكتابة للأطفال، والمشاركة في تحرير مجلة الأطفال (سانديش) Sandesh، وترجم بنفسه إلى الإنجليزية بعض قصصه التي نشرت في المجلة وفي مجلات أخرى، وجمعها في كتاب بعنوان (حملة وحيد القرن.. وحكايات فانتازية أخرى من الهند) نشرها في عام 1987 عن دار نشر (دوتون).

انشغل راي أيضاً بكتابة السيناريوهات، وتأليف الموسيقى لعدد من الأفلام التلفزيونية، التي أخرجها ابنه (سانديب). وفي عام 1987 أنجز فيلماً وثائقياً عن حياة أبيه، الشاعر العظيم والكاتب والفنان التشكيلي (سوكومار راي) (1)، والذي رحل عن الدنيا وراي لم يتجاوز العامين والنصف من عمره.


عندما التقيته في صيف عام 1989 كنت قد سمعتُ عنه أخباراً سارة وأخرى غير سارة.. الخبر السار كان انشغاله بإخراج فيلمه الروائي الطويل السادس والعشرين "عدو الشعب" Ganashatru عن نص لعملاق المسرح النرويجي هنريك إبسن. أما الخبر السيء فكان تعرضه لمتاعب صحية جديدة في قلبه، أودت بحياته في إبريل 1992، بعد إنجازه البطولي لفيلمين روائيين أخريين: "أغصان الشجرة" Sakha Prosakha (1990)، و"الغريب" Aguntuk (1991).


التقيت راي ذات صباح حار في بيته بمدينة كلكتا بالدور الثاني في بناية قديمة بشارع (بيشوب ليفروي)، وطال الحديث بيننا لعدة ساعات، تطرق فيه لكل جوانب سيرته المهنية، كأحد أهم المخرجين السينمائيين في الهند.


  • ما هو شعورك حين لا يحقق أحد أفلامك نجاحاً جماهيرياً، ولا يحظى بنقد إيجابي؟


الكتابات النقدية حول أفلامي تثير فيّ الدهشة والبهجة.. على سبيل المثال، أحد أفضل أفلامي "الأيام والليالي في الغابة" Aranyer Dinratri (1969) رفض في الهند، فلم يحظ لا بنجاح جماهيري، ولا باستحسان النقاد، ولكن هذا الفيلم يعتبر أحد أفضل أفلامي خارج الهند. فقد عرض لعدة أسابيع في بريطانيا، وحظي بالنجاح على نطاق واسع في الولايات المتحدة. هذا هو الحال: نحن نتعلم من الناس: مايرضيهم، وما ينفرهم، وماهي ردود أفعالهم تجاه ما هو هندي وما هو غربي. وقد استفدت في هذا الأمر كثيراً من النقاد الأجانب.


أعتقد أنني، عبر السنوات الماضية، استطعت أن أخلق جمهوراً كبيراً في كلكتا. فالأفلام التي أخرجها تعرض لستة أو ثمانية أسابيع في ثلاث صالات عرض مختلفة في المدينة. هذا الجمهور يترقب دائماً أفلامي القادمة، وهم ليسوا جميعاً من الطبقة المثقفة بل أفراداً عاديين ينتمون إلى الضواحي ويزداد عددهم شيئاً فشيئاً.


  • هل تتمنى أن تنجز عملاً لم تنجزه بعد؟


هناك الكثير من الأعمال التي أرغب في إنجازها، ولكن بعضها مكلف جداً، وأخرى قد تكون معقدة جداً. أرغب، على سبيل المثال، أن أخرج فيلماً عن الملاحم الهندية. أود أن أخرج أفلاماً أخرى مستمدة من الحكايات الشعبية، ولكن بأسلوب سردي أكثر بساطة واختلافاً عن أسلوبي السابق.


لست واثقاً من ترحيب الجمهور بمثل هذه الأفلام، ولكن على المرء أن يجرب حتى يعرف. قد أتمكن من إخراج أجزاء من أحد ملاحمنا الوطنية مثل الماهابهاراتا والرامايانا. الماهابهاراتا تحديداً تدهشني: الملحمة نفسها، حوادثها، شخوصها، كلها إنسانية وسرمدية.


أود أيضاً إخراج أفلام تاريخية أخرى مستمدة من العصر المغولي، فأنا معجب جداً بشخصيات معينة من الفترة المغولية.

أود أيضاً إخراج أفلام عن الفنانين البريطانيين المغامرين، الذين قدموا إلى الهند في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، فرسوماتهم الفنية أصبحت سجلاً للهند، خاصة في أعمال(ويليام) دانييل (1769-1837) ، أو (ستانهوب) فورتس (1857-1947) ، أو (ويليام) هودجس (1744-1797).

هؤلاء الرجال قدّموا أعمالاً عظيمة، وبدونهم لن يكون للهند تاريخ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.


لقد جاءوا إلى هنا كمغامرين، باحثين عن الثروة، والتي حصلوا عليها بطريقة مدهشة. أتمنى أن أخرج فيلماً عن هؤلاء الفنانين.


  • هل لا يزال التأثير البريطاني مستمراً في الهند؟


كلنا نعترف بأننا مدينون بالكثير للبريطانيين، وأرى نفسي نتاجاً للشرق والغرب، وأفلامي هي انعكاس لهذا النتاج. لقد تعرفنا، بشكل واسع، على الأدب الغربي من خلال السينما، ومن خلال هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).


ليس بإمكان أحد أن ينكر ذلك، أنا جزء، ليس من العالم وحسب، بل العالم كله.. هذا العالم الذي بدأ يتقلص شيئاً فشيئاً.


لا استطيع، كمخرج، أن أنكر تأثير الغرب على أفلامي، ولكن، في نفس الوقت، أشعر بأن جذوري ممتدة إلى وطني وإلى ثقافتي. هذا يقودنا إلى السؤال حول قابلية التفاعل مع ما تراه جيداً وما تراه مفيداً من الثقافات الأخرى. فعلى سبيل المثال، لسنوات طويلة حاولت من خلال أفلامي اكتشاف تاريخ البنغال: الفترة البريطانية/ القرن التاسع عشر/ مرحلة استقلال الهند/ نهاية الإقطاع.


ان احتضار طبقة معينة في أي بلد أمر يدهشني حقاً. فعادة ما تواجه هذه الطبقة بانتقادات حادة، ولكن على المرء أن يتخذ موقفاً متعاطفاً مع شيء ما يحتضر بعد سنوات طويلة من البقاء.

أظهرت في فيلم "صالون الموسيقى" Jalsagher 1958 تعاطفاً مع طبقة النبلاء الهنود، الذين كانوا في الواقع أناساً لا نفع منهم، ولكن على المرء ان يتخذ موقفاً متعاطفاً حين يروي سيرة أحد الشخصيات. فمن وجهة نظره، هي مأساة عظيمة، وبالنسبة لنا هي محاولة حمقاء للتشبث بشيء سائر نحو الزوال الحتمي.



هؤلاء النبلاء، وإن عرفوا بالكسل الاجتماعي، كانوا داعمين بشكل مهم للموسيقى والفنون. وكل هذا زال الآن.


لقد انجذبت دائماً إلى التناقضات الاجتماعية، فهذه التناقضات تظل مستمرة ومتواصلة حتى وقتنا الحاضر. ولسنين طويلة كان الصراع بين القديم والجديد أحد الثيمات الرئيسية في أفلامي.


  • بعض النقاد في الهند شنوا هجوماً عليك لكونك لا تتعامل الآن مع القضايا الاجتماعية؟


هذا غير صحيح على الإطلاق، بل على العكس، أرى بأنني تعاملت مع الكثير من القضايا الاجتماعية في أفلامي، ربما ليس بالطريقة التي يرغب فيها هؤلاء النقاد أن أتعامل معها، فهم يطلبون مني إيجاد حلول للمشاكل في نهاية الفيلم، ولكنني لا أعرف الحلول في معظم الحالات. كل ما أريده هو أن أعرض المشاكل بوضوح شديد وأترك للمتفرج كيفية التفكير في إيجاد حلول لها.


  • أثناء حديثك تذكرتُ فيلمك "الرعد البعيد" Ashani Sanket (1973) الذي يؤكد وجهة نظرك في كيفية معالجة موضوع مثل المجاعة في البنغال.


هذا صحيح، وسأضيف إليك بعض الدلائل. فأثناء المجاعة التي حدثت في عام 1943 كنت قد حصلت لتوي على وظيفة جديدة كمصمم إعلانات، وكنت أعيش حينذاك في كلكتا، وكان المئات والألوف من الناس يتدفقون من القرى على كلكتا.


أتذكر محطة القطار المكتظة تماماً بالنازحين، فقد كان الناس على شفير الموت، ومن لم يمت كان سيقضى نحبه في غضون الأيام القليلة القادمة، كنا نخرج من البيت في طريقنا إلى العمل، ونجتاز بخطواتنا الجثث المتناثرة في الشارع.


بعد خمسة عشرة سنة قرأت رواية للأديب بيهوتي بوشان بانيرجي (2)، وهو كاتب أكنّ له الكثير من الإعجاب والتقدير، كتب عن فترة المجاعة التي عاشها في قريته. وقررتُ حينها تحويل مادة الكتاب إلى فيلم روائي. كان ذلك في عام 1958 أو 1959. ولكنني واجهت صعوبة في الحصول على ممثلين مناسبين لأداء الأدوار. ثم مرت السنوات، وانشغلت بإخراج أفلام أخرى. في عام 1972 قررت، بشكل حاسم، أن أخرج فيلماً عن المجاعة يحمل اسم "الرعد البعيد" Ashani Sanket .

تناولت موضوع المجاعة من زاوية مختلفة تماماً: فيلمي كان عن كرم القرويين السخي تجاه ضيوفهم، خاصة أولئك القادمين من المدينة. باستطاعتك أن تذهب إلى أية قرية، وإلى بيت أي شخص، وسيعرضون عليك تناول الطعام معهم، وستلاحظ أن وجبة الطعام ستصلك في حدود الساعة، رغم انهم لا يملكون الشي