اهتم بالإنسان ولا تهمني السياسة.. حوار مع المخرج السينمائي ساتياجيت راي


حوار أجراه: بيرت كارديللو*


بعد فيلمه "البيت والعالم" Ghare Baire ، الذي عرض في مهرجان كان عام 1984، لم ينجز ساتياجيت راي أي فيلم طويل، فقد كان يمرّ بفترة نقاهة، بعد إصابته بذبحتين صدريتين، وخضوعه لعملية جراحية في مدينة هيوستن بولاية تكساس الأمريكية. ورغم أن الأطباء نصحوه، بشكل صارم، تجنب العمل في السينما لفترة من الوقت، إلا أن نشاط راي لم يتوقف خلال هذه الفترة، فقد واصل الكتابة للأطفال، والمشاركة في تحرير مجلة الأطفال (سانديش) Sandesh، وترجم بنفسه إلى الإنجليزية بعض قصصه التي نشرت في المجلة وفي مجلات أخرى، وجمعها في كتاب بعنوان (حملة وحيد القرن.. وحكايات فانتازية أخرى من الهند) نشرها في عام 1987 عن دار نشر (دوتون).

انشغل راي أيضاً بكتابة السيناريوهات، وتأليف الموسيقى لعدد من الأفلام التلفزيونية، التي أخرجها ابنه (سانديب). وفي عام 1987 أنجز فيلماً وثائقياً عن حياة أبيه، الشاعر العظيم والكاتب والفنان التشكيلي (سوكومار راي) (1)، والذي رحل عن الدنيا وراي لم يتجاوز العامين والنصف من عمره.


عندما التقيته في صيف عام 1989 كنت قد سمعتُ عنه أخباراً سارة وأخرى غير سارة.. الخبر السار كان انشغاله بإخراج فيلمه الروائي الطويل السادس والعشرين "عدو الشعب" Ganashatru عن نص لعملاق المسرح النرويجي هنريك إبسن. أما الخبر السيء فكان تعرضه لمتاعب صحية جديدة في قلبه، أودت بحياته في إبريل 1992، بعد إنجازه البطولي لفيلمين روائيين أخريين: "أغصان الشجرة" Sakha Prosakha (1990)، و"الغريب" Aguntuk (1991).


التقيت راي ذات صباح حار في بيته بمدينة كلكتا بالدور الثاني في بناية قديمة بشارع (بيشوب ليفروي)، وطال الحديث بيننا لعدة ساعات، تطرق فيه لكل جوانب سيرته المهنية، كأحد أهم المخرجين السينمائيين في الهند.


  • ما هو شعورك حين لا يحقق أحد أفلامك نجاحاً جماهيرياً، ولا يحظى بنقد إيجابي؟


الكتابات النقدية حول أفلامي تثير فيّ الدهشة والبهجة.. على سبيل المثال، أحد أفضل أفلامي "الأيام والليالي في الغابة" Aranyer Dinratri (1969) رفض في الهند، فلم يحظ لا بنجاح جماهيري، ولا باستحسان النقاد، ولكن هذا الفيلم يعتبر أحد أفضل أفلامي خارج الهند. فقد عرض لعدة أسابيع في بريطانيا، وحظي بالنجاح على نطاق واسع في الولايات المتحدة. هذا هو الحال: نحن نتعلم من الناس: مايرضيهم، وما ينفرهم، وماهي ردود أفعالهم تجاه ما هو هندي وما هو غربي. وقد استفدت في هذا الأمر كثيراً من النقاد الأجانب.


أعتقد أنني، عبر السنوات الماضية، استطعت أن أخلق جمهوراً كبيراً في كلكتا. فالأفلام التي أخرجها تعرض لستة أو ثمانية أسابيع في ثلاث صالات عرض مختلفة في المدينة. هذا الجمهور يترقب دائماً أفلامي القادمة، وهم ليسوا جميعاً من الطبقة المثقفة بل أفراداً عاديين ينتمون إلى الضواحي ويزداد عددهم شيئاً فشيئاً.


  • هل تتمنى أن تنجز عملاً لم تنجزه بعد؟


هناك الكثير من الأعمال التي أرغب في إنجازها، ولكن بعضها مكلف جداً، وأخرى قد تكون معقدة جداً. أرغب، على سبيل المثال، أن أخرج فيلماً عن الملاحم الهندية. أود أن أخرج أفلاماً أخرى مستمدة من الحكايات الشعبية، ولكن بأسلوب سردي أكثر بساطة واختلافاً عن أسلوبي السابق.


لست واثقاً من ترحيب الجمهور بمثل هذه الأفلام، ولكن على المرء أن يجرب حتى يعرف. قد أتمكن من إخراج أجزاء من أحد ملاحمنا الوطنية مثل الماهابهاراتا والرامايانا. الماهابهاراتا تحديداً تدهشني: الملحمة نفسها، حوادثها، شخوصها، كلها إنسانية وسرمدية.


أود أيضاً إخراج أفلام تاريخية أخرى مستمدة من العصر المغولي، فأنا معجب جداً بشخصيات معينة من الفترة المغولية.

أود أيضاً إخراج أفلام عن الفنانين البريطانيين المغامرين، الذين قدموا إلى الهند في القرن الثامن عشر والتاسع عشر، فرسوماتهم الفنية أصبحت سجلاً للهند، خاصة في أعمال(ويليام) دانييل (1769-1837) ، أو (ستانهوب) فورتس (1857-1947) ، أو (ويليام) هودجس (1744-1797).

هؤلاء الرجال قدّموا أعمالاً عظيمة، وبدونهم لن يكون للهند تاريخ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر.


لقد جاءوا إلى هنا كمغامرين، باحثين عن الثروة، والتي حصلوا عليها بطريقة مدهشة. أتمنى أن أخرج فيلماً عن هؤلاء الفنانين.


  • هل لا يزال التأثير البريطاني مستمراً في الهند؟


كلنا نعترف بأننا مدينون بالكثير للبريطانيين، وأرى نفسي نتاجاً للشرق والغرب، وأفلامي هي انعكاس لهذا النتاج. لقد تعرفنا، بشكل واسع، على الأدب الغربي من خلال السينما، ومن خلال هيئة الإذاعة البريطانية (BBC).


ليس بإمكان أحد أن ينكر ذلك، أنا جزء، ليس من العالم وحسب، بل العالم كله.. هذا العالم الذي بدأ يتقلص شيئاً فشيئاً.


لا استطيع، كمخرج، أن أنكر تأثير الغرب على أفلامي، ولكن، في نفس الوقت، أشعر بأن جذوري ممتدة إلى وطني وإلى ثقافتي. هذا يقودنا إلى السؤال حول قابلية التفاعل مع ما تراه جيداً وما تراه مفيداً من الثقافات الأخرى. فعلى سبيل المثال، لسنوات طويلة حاولت من خلال أفلامي اكتشاف تاريخ البنغال: الفترة البريطانية/ القرن التاسع عشر/ مرحلة استقلال الهند/ نهاية الإقطاع.


ان احتضار طبقة معينة في أي بلد أمر يدهشني حقاً. فعادة ما تواجه هذه الطبقة بانتقادات حادة، ولكن على المرء أن يتخذ موقفاً متعاطفاً مع شيء ما يحتضر بعد سنوات طويلة من البقاء.

أظهرت في فيلم "صالون الموسيقى" Jalsagher 1958 تعاطفاً مع طبقة النبلاء الهنود، الذين كانوا في الواقع أناساً لا نفع منهم، ولكن على المرء ان يتخذ موقفاً متعاطفاً حين يروي سيرة أحد الشخصيات. فمن وجهة نظره، هي مأساة عظيمة، وبالنسبة لنا هي محاولة حمقاء للتشبث بشيء سائر نحو الزوال الحتمي.



هؤلاء النبلاء، وإن عرفوا بالكسل الاجتماعي، كانوا داعمين بشكل مهم للموسيقى والفنون. وكل هذا زال الآن.


لقد انجذبت دائماً إلى التناقضات الاجتماعية، فهذه التناقضات تظل مستمرة ومتواصلة حتى وقتنا الحاضر. ولسنين طويلة كان الصراع بين القديم والجديد أحد الثيمات الرئيسية في أفلامي.


  • بعض النقاد في الهند شنوا هجوماً عليك لكونك لا تتعامل الآن مع القضايا الاجتماعية؟


هذا غير صحيح على الإطلاق، بل على العكس، أرى بأنني تعاملت مع الكثير من القضايا الاجتماعية في أفلامي، ربما ليس بالطريقة التي يرغب فيها هؤلاء النقاد أن أتعامل معها، فهم يطلبون مني إيجاد حلول للمشاكل في نهاية الفيلم، ولكنني لا أعرف الحلول في معظم الحالات. كل ما أريده هو أن أعرض المشاكل بوضوح شديد وأترك للمتفرج كيفية التفكير في إيجاد حلول لها.


  • أثناء حديثك تذكرتُ فيلمك "الرعد البعيد" Ashani Sanket (1973) الذي يؤكد وجهة نظرك في كيفية معالجة موضوع مثل المجاعة في البنغال.


هذا صحيح، وسأضيف إليك بعض الدلائل. فأثناء المجاعة التي حدثت في عام 1943 كنت قد حصلت لتوي على وظيفة جديدة كمصمم إعلانات، وكنت أعيش حينذاك في كلكتا، وكان المئات والألوف من الناس يتدفقون من القرى على كلكتا.


أتذكر محطة القطار المكتظة تماماً بالنازحين، فقد كان الناس على شفير الموت، ومن لم يمت كان سيقضى نحبه في غضون الأيام القليلة القادمة، كنا نخرج من البيت في طريقنا إلى العمل، ونجتاز بخطواتنا الجثث المتناثرة في الشارع.


بعد خمسة عشرة سنة قرأت رواية للأديب بيهوتي بوشان بانيرجي (2)، وهو كاتب أكنّ له الكثير من الإعجاب والتقدير، كتب عن فترة المجاعة التي عاشها في قريته. وقررتُ حينها تحويل مادة الكتاب إلى فيلم روائي. كان ذلك في عام 1958 أو 1959. ولكنني واجهت صعوبة في الحصول على ممثلين مناسبين لأداء الأدوار. ثم مرت السنوات، وانشغلت بإخراج أفلام أخرى. في عام 1972 قررت، بشكل حاسم، أن أخرج فيلماً عن المجاعة يحمل اسم "الرعد البعيد" Ashani Sanket .

تناولت موضوع المجاعة من زاوية مختلفة تماماً: فيلمي كان عن كرم القرويين السخي تجاه ضيوفهم، خاصة أولئك القادمين من المدينة. باستطاعتك أن تذهب إلى أية قرية، وإلى بيت أي شخص، وسيعرضون عليك تناول الطعام معهم، وستلاحظ أن وجبة الطعام ستصلك في حدود الساعة، رغم انهم لا يملكون الشيء الكثير، ولكنهم يعاملون الضيف على أنه شخص مقدس، وهذا بالمناسبة ما كانت تحض عليه الكتب الهندية المقدسة.


في فيلم "الرعد البعيد"، وفي أوج فترة المجاعة، يدور حوار بين رجل عجوز وزوجته. تقول الزوجة: "لابد أن نقدم له وجبة الطعام". فيجيب الزوج الذي أظهر ذكاءً في هذه النقطة: "لن نعطيه، فهو رجل محتال، ويجب أن نكون حذرين في التعامل معه، وعلينا أن نهتم أولاً بالطعام الذي لدينا". لكن الزوجة تقول: " سأتحمل الجوع، ولكن لا بد أن نعطيه وجبة الطعام".


الزوج هو كاهن أيضاً، وناظر مدرسة، وطبيب، إنما لا يتقن أياً من هذه المهن، لكنه يحظى باحترام كبير في القرية، كونه الوحيد من أبناء طبقة البراهمة.


يبدأ الزوج في تأدية شعائره للوقاية من مرض الكوليرا، ولكن قبل ذلك يستقصى معلوماته من كتاب عن النظافة الصحية ويقول للقرويين: "لا تشربوا من ماء النهر، لا تأكلوا من طعام وقع عليه الذباب". فلقد كان يؤمن بداخله بما نطلق عليه التطور العلمي.


لقد رأينا الزوج في بداية الفيلم وهو يستغل الفلاحين الفقراء، ولكن في نهاية الأمر، حين ينتشر الموت نتيجة المجاعة، نراه يتخذ موقفاً إنسانياً مغايراً. ففي لقطة من الفيلم حيث نرى جثة امرأة من طبقة المنبوذين، ولا يجرؤ أحد على لمس جسدها، يتخذ الزوج، ابن طبقة البراهمة، قراراً بتأدية شعائر الدفن بنفسه.


  • هل تمثل الرقابة مشكلة جدية في الهند؟


سياسياً نعم، كل فيلم يتعرض لمقص الرقيب.


  • هل واجهتك أية مشاكل مع الرقابة؟


لم يحدث هذا، ربما بسبب وضعي الخاص. على سبيل المثال، هناك مشهد في فيلم "السمسار" Jana Aranya (1975) فيه نقد سياسي مباشر، من المحتمل انه كان سيتعرض لمقص الرقيب لو نفذه مخرج آخر. لقد استطعت منذ مدة أن أفلت من عين الرقيب.

  • هل شاركت فعلياً في أي نشاط سياسي، أو انخرطت في العمل الحزبي؟


كلا، رغم أن معظم أصدقائي من اليساريين. لقد أصبحت متحرراً من وهم التعامل مع السياسيين، ولم أعد أؤمن بمثل هذه الأمور الآن. لقد توقفت تماماً عن مناقشة الموضوعات السياسية، ولم أعد أقرأ حتى الصحف.


اهتمامي الآن ينصب على الكائن البشري، ولا تهمني السياسة، فإذا كان عندك وعي سياسي، لا بد أن يكون لديك بالمقابل وعي بفشل السياسيين، كما يحدث عندنا في الهند.


  • هل العمل السياسي يعوق الإبداع؟


انظر لما حدث للمخرجين في الاتحاد السوفياتي. فمتى أرادوا أن يجربوا إخراج أفلام عن الحياة المعاصرة في بلادهم فإن أفلامهم تكون مبتذلة وذات بعدين، ولكن في الوقت ذاته هم يخرجون أفلاماً جيدة إذا كانت مستوحاة من الأدب الروسي القديم.

يمكن أن ترى الضيق عند المخرجين أنفسهم. ذات مرة، أثناء مهرجان موسكو السينمائي، قال لي المخرج غريغوري تشوخاري (3) بأنه لم ينجز فيلماً منذ سبع سنوات بعد فيلمه "أغنية الجندي" Ballad of a soldier لأن الرقابة رفضت حوالي ثمانين من السيناريوهات التي قدمها لأسباب سياسية، وأختار بدلاً من ذلك الجلوس في الاستديو لمشاهدة أعمال الآخرين.

ذات مرة سألني المخرج مارك دونسكوي (4): "ما رأيك في أفلامنا؟" . وقبل أن أجيب قال: "لماذا لا تقول ببساطة انها تافهة ؟".

  • ماذا بوسع الفنان أن يطرح من آراء سياسية في المجتمع المعاصر؟


كفنان، الشيء الوحيد الذي أريده هو إيجاد بيئة أعمل فيها بحرية كما أشاء، وليست عندي وجهات نظر سياسية أخرى.

  • مع ذلك يشاع بأنك متعاطف مع اليسار، ربما لأن فيلمك الأول "أغنية الطريق" Pather Panchali (1955) كان عن حياة الفلاحين الهنود الفقراء.


في نفس الوقت قال عني النقاد بأنني أدافع عن النظام الإقطاعي. فقد اعتقدوا بأنني لم أُدن الإقطاع في فيلم "صالون الموسيقى" Jalsaghar وبالتالي لا بد أن أكون متعاطفاً مع هذا النظام.

  • ما هو الدافع الجمالي والتفاعلي وراء إخراج فيلم "أغنية الطريق" ؟


شعرت بأنني إذا أنجزت هذا الفيلم، فان تغييراً كبيراً سيطرأ على السينما البنغالية. ولم يكن عندي شك في ذلك. فقد أدركت بأنني وجدت الموضوع المثالي لفيلمي الأول. في تلك الفترة كنت واقعاً تحت تأثير الواقعية الجديدة في السينما الايطالية.

قبل أن أنفذ الفيلم، تحدثت مع عدد من الأشخاص المحترفين عن مشروع الفيلم، ولكنهم أخبروني باستحالة إخراج فيلم خارج الاستديو، واستحالة إخراج فيلم بوجوه جديدة، وقالوا انه من الصعب انجاز فيلم دون الاستعانة بالماكياج أو التحكم بالكاميرا خارج الاستديو. وهكذا نصحوني بالعدول عن محاولة إخراج فيلم "أغنية الطريق"، ولكنني أخرجت الفيلم بعيداً عن سطوة الفيلم التجاري، مما أتاح أمامي تجاهل توقعات المتفرج التقليدي، وكان عليّ أن أحافظ على تقديري الشخصي لاحتمالات تقبل المتفرج لمشاهدة الفيلم.


  • بصفتك أحد الرموز المبدعة في عالم السينما اليوم، لا بد أن ثمة أفكاراً معينة تعتمل بداخلك وأنت تعدّ لفيلمك الجديد. ما الذي يشدك: لقطة معينة، أم موقعاً محدداً، أو شخصية معينة؟


هذه الأشياء جميعاً. لكنني أستطيع القول بأن العامل المهيمن هي الشخصيات والعلاقات الإنسانية، ويأتي في المرتبة الثانية موقع التصوير، وإمكانية سرد الحكاية سينمائياً. هناك أشياء أخرى تشدني مثل: بناء الفيلم، تناقضاته الداخلية، إيقاعه الدرامي. هذه كلها عوامل مكملة لخلق الفيلم الفني.


هنا أشعر بأهمية عناصر (الراسا Rasa 5) .. كما هي محددة في علم الجمال الهندي. أن أفضل وصف (للراسا) هو تفاعل الحالات النفسية في شخصيات العمل الفني.

هناك أيضاً عنصر الأرقام: أحتاج دائماً إلى أعداد فردية من الشخصيات. وإذا حللت أفلامي بعناية سترى بأن معظم الشخصيات فيها تتكون إما من خمس أو سبع شخصيات يؤدون أدوارهم في الفيلم. على سبيل المثال، في فيلم "المرأة الوحيدة" Charulata 1964 هناك خمس شخصيات. لو استخدمت أربع شخصيات لواجهتني المصاعب، واعتقد بأن استخدامي لخمس شخصيات عزز الإمكانات الدرامية في الفيلم.



  • ذات مرة قلت بأن كل ما تعلمته كطالب في كلية الفنون طبقته في أفلامك. هل يمكن أن تحدد كيفية استفادتك من دراستك في صياغة أسلوبك البصري. على سبيل المثال، ذات مرة تحدثت عن التقاطع بين أفلامك والفن التشكيلي، وتحديداً أعمال الفنان بيير بونار (6).


نعم، تحدثت عن هذا التقاطع. ولكن يجب أن لا يؤخذ كلامي حرفياً. بالطبع أحب بونار، وأحب أسلوبه الذي يولي أهمية لكل التفاصيل في أعماله الفنية. فالكائن البشري في أعماله ليس أكثر أهمية من الموجودات الأخرى مثل الكرسي أو الطاولة أو سلة الفاكهة، أو المزهرية المليئة بالزهور. هناك تمازج واحد يتم من خلاله التعبير عن الأشياء.


لقد حاولت أن أحقق نفس التأثير في بعض أفلامي، وذلك بمزج كل العناصر معاً، حتى تكون كلها متساوية ومتصلة ببعضها. عليك أن تفهم الشخصيات في محيطها، في علاقتها بالأشياء الأخرى: الأحداث، التفاصيل الصغيرة، كلها معاً تعني شيئاً ما. لا تستطيع أن تبعد عنصراً صغيراً خارج هذا المزيج دون أن تربك المجموع، ولا تستطيع أن تفهم هذا الشيء الصغير دون أن تأخذ بالحسبان الفيلم في شكله النهائي.


لقد وجدت باستمرار هذا التناسق الأساسي في أعمال هنري كارتيه- بريسون (7) الفوتوغرافية، حتى في صوره الشخصية.


خذ على سبيل المثال صورة (جان بول) سارتر وهو في وسط اللقطة بحيث يسمح لك برؤية كل الأشياء من حوله: الجسر، عمود الإنارة، ظل البناية من خلفه. لا تستطيع أن تتجاهل كل هذه التفاصيل لأنها كلها تخلق الصورة، وتعبر عن الرجل داخل الصورة. وبشكل مشابه بورتريه الفنان ماتيس وهو جالس بين حماماته، يمكن أن تلاحظ الاندماج العضوي بين الرجل والطيور.


  • ما هو تأثير كارتيه- بريسون على أعمالك السينمائية؟


منذ البداية كان تأثير كارتيه – بريسون كبيراً على أعمالي، فهناك شكل مدهش وقوي في أعماله الفوتوغرافية، بحيث تشكل في النهاية اندماجاً عضوياً بين كل العناصر. فهو الأقدر على خلق الالتحام التام بين كل أنواع العناصر المختلفة، وفي نفس الوقت، يستطيع أن يحقق معنى محدداً من هذه العناصر.


استمتع كثيراً بموهبته وذكائه، وتأسرني إنسانيته، واهتمامه الدائم بالإنسان، وتضامنه واهتمامه بقضاياه.


  • هل هناك سبب معين لكتابتك سيناريوهات أفلامك بنفسك، سواء أكانت أصلية أم مأخوذة من نصوص أدبية، وما السبب في عدم كتابتك سيناريو لمخرج آخر؟


كتبت ذات مرة سيناريو لمساعدي الذي حظى بفرصة العمل كمخرج أول، وهذا كان بطلب شخصي منه. كانت هذه المرة الوحيدة التي عملت فيها ككاتب سيناريو مع مخرج آخر.


اعتقد أن الكاتب هو أفضل من يحوّل النص إلى فيلم سينمائي، لأنه من الممكن أن لايُفهم النص بشكل صحيح، أو لا يمكن استخلاص كل الأفكار منه. انني مؤمن بضرورة أن يكتب المخرجون بأنفسهم سيناريوهات أفلامهم.


هناك عدد من المخرجين، داخل وخارج الهند، يرون بأنهم متمكنون من كتابة السيناريو من دون كتابة الحوار، وفي هذا أختلف معهم، فهم يعتقدون بأن الحوار شكل أدبي بحت، مليء بالتعابير البلاغية والتلاعب اللفظي، وما إلى ذلك. في حين أرى بأن ما يحتاجه المرء لكتابة الحوار هو أذن صاغية، وإحساس بالإيقاع وبالمحتوى الطبيعي للحديث اليومي. فإذا كنت تعرف ماذا تريد أن تقول، من خلال السيناريو، ومن خلال الفيلم، فلماذا لا تجعل الشخصيات تقول هذا الكلام.


  • أين يكمن الخلل في السينما الهندية، ولماذا تتميز الأفلام البنغالية بأنها أكثر فنية من أفلام بومباي؟


في الواقع ليست كل الأفلام البنغالية جيدة، نحن بالكاد ننتج عشرين فيلماً في العام، في حين تنتج بومباي حوالي 150 فيلماً أو أكثر. ومن الطبيعي أن التناسب في سوء أو جودة الأفلام ستكون أعلى هنا، فمن بين العشرين فيلماً ستجد خمسة أو ستة أفلام فقط تستحق المشاهدة.


اعتقد أن العامل المهم، هنا في البنغال، هو أن المخرجين أكثر التصاقاً بجذورهم. فالبنغاليون هم الذين يصنعون الأفلام في البنغال، في حين أن الذين يصنعون الأفلام في بومباي هم أشخاص هاجروا من أماكن مختلفة، ولهذا فلا جذور لهم هناك، على الأقل ليس بالمعنى الذي نشعر به نحن هنا في البنغال.


مخرجو بومباي ينظرون إلى السينما كصناعة ترفيهية، والقصص التي يلفقونها هناك ليست لها أية صلة بالواقع على الإطلاق.


ولكن إذا أخذت صناعة السينما في محيطها الإقليمي –علي سبيل المثال اللغة الماراثية (غرب الهند)- ستجد أن لها صلة محدودة بالبنغال. وهذا هو السبب الذي يجعل الفن الراقي أكثر قبولاً: فإذا كانت الأفلام تتحدث عن الناس الذين تعرفهم..الناس الذين ينتمون إلى إقليم معين، فإنك ستحقق أفلاماً أكثر فنية وأهمية، ولكن إذا كانت الأفلام تتحدث عن أناس لا ينتمون إلى مكان محدد، ولا إلى وطن محدد، ولا يوجدون إلا في عالم سينمائي ملفق، حيث الطبقة الراقية تنتج أعرافها ومناقبها، حينئذ يمكننا فقط الحديث عن سينما الترفيه، وليس عن الفن أبداً.


دعني أؤكد ذلك. من الضروري أن تكون القصص مرتبطة بالواقع، فبالنسبة لمخرج من (إقليم) البنجاب، الواقع هو ما يحدث في البنجاب، ومع ذلك يجد نفسه مضطراً للعمل في مكان ما غير البنجاب. هناك أعداد كبيرة من المخرجين الذين يعملون في بومباي قدموا من البنجاب.


لو أتيح للمخرجين قصصاً عن أوطانهم الأصلية، لأمكنهم إخراج أفلام أكثر أهمية.. أفلام تشعر بأنها تنتمي إليهم.. أفلام تكسب كمالاً معيناً، نابعاً من شخصياتها الأصلية. ولكن لأن بومباي مدينة هجينة وكوزموبوليتيكية، فإن العالم الوحيد الذي بوسع هؤلاء المخرجين أن يرتادوه هو العالم الهجين الذي لا صلة له بنوعية وقيم العالم الحقيقي.


أستطيع تفهم وجود أفلام ساخرة تبرز من بين هذا الركام، ولكن إذا أخذت هذا العالم بجدية ستجد بأنه ليس بوسعك إلا عمل أفلام عاجزة من وجهة النظر الجمالية.


ومع ذلك فإنني لا أعلم إلى متى أستطيع مواصلة إخراج أفلامي في البنغال. أنا في وضع يسمح لي أن أخرج أفلاماً بنغالية للسوق العالمية لعدة سنوات قادمة. ولكن من وجهة نظري فإن الأفلام البنغالية لا مستقبل لها، نظراً لمتطلبات السوق، والتكاليف الباهظة التي تتطلبها هذه الأفلام.


قد يكون إخراج أفلام باللغة الهندية، أو باللغة الانجليزية الحل الأمثل. ولست أدري إن كنت قادراً على إخراج أفلام أخرى باللغة الهندية، لأنني حقاً لا أريد أخراج مثل هذه الأفلام، فأنا لا أجيد اللغة الهندية نفسها.


  • هذا يدفعني لأن أطرح عليك السؤال التالي: هل تواجهك عوائق حين تخرج أفلاماً في لغة غير لغتك؟


بالتأكيد. سأعطيك مثالاً على ذلك. فــي فيلم "لاعبا الشطرنـج" Shatranj ki khilari 1977 شعرت براحة كبيرة حين وصلت إلى الجزء الذي يتم فيه استخدام اللغة الانجليزية، لأن لغتي الهندية ليست بمستوى لغتي الانجليزية، ولأنني كتبت بنفسي الحوار الانجليزي للفيلم.