مفهوم العمل..لدى المنظرة السياسية والباحثة اليهودية حنة آرنت


استيقظت إمرأة الساعة الخامسة صباحاً ، و ذهبت الى العمل ، ها هي على مكتبها الساعة السابعة و ستبقى على هذا الحال حتى الساعة الرابعة . لا لن ترجع الى بيتها لأنها تمارس عملاً اضافياً حتى الساعة التاسعة مساءً ، فعملها الصباحي لا يكفي لتسديد رمق الجوع و الديون. من يقرأ بإمعان يوميات هذه المرأة قد تحدق عيناه الى ما قاله ألبرت قصيري ذات يوم ، ذلك الكاتب المصري الذي عاش بين الشرق و الغرب و كان يبادر الى القول بأن الشرق مرتاح أكثر من الغرب و بأن الفلاسفة أكثرهم عرب لما كان يمتلكونه من الوقت للتأمل و دراسة الناس بكامل أريحية. " في الغرب ، يعملون بلا كلل ، أما في الشرق ، يعملون قليلا و يقضون ما يتبقى من النهار في شرب الشاي و الحديث مع بعضهم البعض" . لا أعرف ان كان ألبرت سيقول ذات الكلام لو رأى مجتمعاتنا الآن ، كيف كنا و كيف أصبحنا عبيداً للعمل.

حال الإنسان في كل أنحاء الكرة الأرضية يذكرني بمفهوم العمل لدى الفيلسوفة حنة آرنت الذي أصبح مفهوماً عاماً، فأمحى الفرق بين الحياة الخاصة و العامة ، أو بالأحرى مسح الحياة الخاصة من على وجه الكرة الأرضية. في حديث شيق مع صديق حول إمكانية العمل في فرنسا ، كنت أقول بأنني لا أستطيع العمل في أوروبا لأن الأوروبي لا يمتلك حياة خاصة و كل حياته مكرسة للعمل ، إلا أنني عندما رجعت الى البحرين ، شعرت بقلق بالغ كوننا أصبحنا مثلهم ، لا نتوقف عن العمل ! لا لأننا نحب العمل و لكن لأن عملاً واحداً لم يعد يكفي لتأمين حاجاتنا اليومية.

وحدة المصير هذه لا تدعونا فعلاً الى الوحدة بل الى الصراع من أجل البقاء. تتحدث آرنت بإسهاب عن "الوحدة السلبية" و عن رغبة البشر بعالم أقل وحدة. نحن نشترك جميعاً برفضنا لأن نوسم بما يجمعنا ، لحبنا لأن نكون مميزين. تدب حركة غير عادية في هذا الكون ، تجعل الشمس تعبس و الحب يذبل بسرعة . ما حدث بعد 1945 جعل هذا العالم حديثاً الى درجة أنه بات يملك كل الوسائل التقنية لتدمير نفسه بنفسه ، و لا نصرف اذا ذواتنا عن الاعتقاد بأنه عالم مدمر ، أو على الأغلب عالم ضائع و مجنون ، تحكمه التوتاليرية و و يسيطر عليه التدمير من كل صوب. نحن لا نستطيع أن نتوحد ، لأن ذلك ليس في مصلحة الأنظمة التي تنعش اقتصادها من وراء الأسلحة ، لذلك نتفق دائماً على أن لا نتفق.

بالرغم من بعد أوروبا و أميركا ، إلا أنه تجمعنا ذات الإهتمامات . جميعنا يستعمل ذات الأجهزة و و يهتم بمعرفة آخر الصيحات . ما ينتج في أميركا اليوم ، يصبح محط هوس في كل أنحاء العالم و يرغب الجميع باغتنائه . تتقاطر الأشياء من كل مكان حتى أصبحنا نجهل هويتها ، و نهب عليها جميعاً ، نتوحد جميعاً على امتلاكها ، و لكن كل ذلك لن يمنع العالم من تدمير نفسه . نحن نعيش في عزلة تامة و سحنتنا يطبق عليها الملل . لا أحد يتفق مع أحد و حتى ان اتفقنا ، نتفق اتفاق الحشد المستهلك . لم نعد نستطع رؤية الآخر أو سماعه ، و من ناحية اخرى، لم يعد هنالك أحد يسمعنا . كلنا معزول عن الآخر و كلنا مسؤول عن عزلته. نحن سجناء تجاربنا الخاصة التي نرفض مشاركتها مع الآخرين.

في السابق ، كنا نخرج معاً و تجمعنا ذات المطالب و القدرة على الحكم . كنا شعوباً و أصبحنا غوغاء جاهلة ، لا نعرف كيف نحكم على الأمور ، و الشيء الذي يجمعنا يفرقنا في ذات الوقت، كمسألة العيش في بلد واحد في تناغم، أو الإتفاق على قاعدة معينة في تسيير الأمور.

تخلص حنة آرنت الى القول بأن علاقة الفرقة تقربنا من بعضنا بشرط أن نكون أكثر حضارة. تقبل الصراع يؤدي الى إمكانية العيش معه و دوام الفعل مهم جداً بالرغم من ضعفه و عدم القدرة على توقع عواقبه أو آثاره، لنرجع مرة أخرى الى دائرة العمل ، لا العمل في سبيل العيش و إنما العمل في سبيل دوام رحلة البحث عن الخلود . هبة المسامحة و التجديد مهمتان و الخبر السعيد يكمن دائماً في ولادة طفل جديد.

ماذا فعلنا اليوم ؟ لا شيء . لا نفعل شيء و هذا بالضبط ما نفعله. مستقبل الإنسان مهدد و مشروع البحث عن الخلود بات منسياً. ختمت حنة كتابها بالإعتراف بأن العمل لا يكفي ، فنحن نحتاج الى فكر لا ينضب لتحكريك عجلة الخلود.

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email