من نقد المعنى إلى نقد المبنى.. قراءة في كتاب "لا أحد ينامُ في المنامة" لنادر كاظم


للتمكُّن من فهم كيمياء المدينة، عن طريق قراءة العلامات النصية في بنيتها المعماريّة والثقافيّة. يقترح الكاتب والناقد الفرنسي "رولان بارت" الإلمامَ بعدد من العلوم وهي: "الجغرافيا، وعلم الاجتماع، والتاريخ، والهندسة المعمارية، وربما، التحليل النفسي أيضًا “. وأستطيع أن أُضيف علي هذهِ القائمةِ أيضًا،أننا نحتاج للإلمام بعلومٍ أخرى من مثل: "علم النفس البيئي، الثقافة الشعبية، الاقتصاد، اللغات، الفنون التشكيلية، بل ربما نحتاج إلى قائمة لا تنتهي من شتّى العلوم بِمُجمل تخصّصاتها الفرعيّة".

لطالما تساءلتُ عن سبب قلّة تناول العمران بالنقد الثقافي عربيًّا، بمثل تلك الجديَّة التي يتمُّ فيها تناول النصوص الأدبية تشريحًا وتحليلًا، رغم أن العمران من أكثر الأشياء وضوحًا للعيان، إذ أن هذا العمران، وهذهِ المدن بصروحها، وأزقتها، وشوارعها، لا تتولد إلا من أنساقٍ ثقافيَّة تقْبع في الَّلاوعي والتاريخ والثقافة والعلاقات الاقتصاديّة/ السياسيّة. فكما يقول ونستون تشرتشل: "إننا نشكِّل مبانينا، وهي تشكّلنا أيضًا".

وقد تكون أسباب قلة الاهتمام بالنقد الثقافي للعمران وآليات اشتغاله فينا لعوامل عدة، منها: الاعتياد، العمارة فن النخبة، صعوبة العمل، النرجسيّة الوطنية، خشية الدخول في حقل ألغام سياسي.

فالاعتياد على العيش في مدينة، قد يكيّف أذهاننا لاعتبارِ تخطيط المدينة كما لو أنّه جزءٌ من الظَّواهر الطبيعيّة والمناخيّة، ولهذا نحتاج لما أستطيع أن أسميه "عين الغريب" كما في الدراسات الانثربولوجية، أي تمثُّل الدّهشة الأولى في التلقي، ومن ثم محاولة قراءتها ضمن سياقها التاريخي.

إنّ من يملك رأس المال والسلطة السياسية هو من يتحكم في عملية بناء المدن، ولذا كان العمرانُ غالبًا فنّ النخبة. وكلّما كان المجتمع ديموقراطياً كلّما كان للأفراد دورٌ في صياغةِ بيئتهم وفقًا لاحتياجاتهم. وأمّا ابتعادهم عن التأثير في عمليّة التخطيط، فقد يجعلهم هذا غير قادرين على النّظر للمدينة ككيان حيويٍّ متغيِّر.

قلما يتم تناول العمران بالنقد الثقافي في البحرين، سوى في الجرائد اليومية، حيث لا نجد نقداً حقيقيّا إلّا فيما يخصُّ المطالبة ببناء مرافق جديدة، أو الكتابة السياحيّة عن جماليّات المكان، ونجده أيضًا بوفرةٍ في الكتب المطبوعة مؤخرَا ذات الحنين النوستاليجي أو التوثيقي لبعض القرى والمناطق.

من نقد المعنى إلى نقد المبنى

ويأتي عمل د. نادر كاظم الأخير "لا أحد ينام في المنامة" كإضافةٍ نوعيّة ومهمّة في المكتبة البحرينية والعربيّة. إذ أنَّه ومنذُ انتقالهِ لتحليل الواقع البحريني عبر كتاب "طبائع الاستملاك" عام 2007م وصولًا إلى كتابه " كراهيات منفلتة: قراءة في مصير الكراهيّات المنفلتة" 2010م.

نجدُ في مشروعهِ الثقافيّ تحليلًا للخطابات وبحثّا عن محرّكات الواقع من خلال النصوص، الدينيّة أو السياسية. بينما في هذا الكتاب الأخير "لا أحد ينامُ في المنامة"، سنجدُ انتقالًا، ليسَ تامًا، أو لم يكن هو مبتغى الكتاب. من نقد المعنى إلى نقد المبنى ـ إِنْ صحَّ التعبيرـ.

فكما يقول في مقدّمة الكتاب (ص23) : "هذا ليس كتابًا عن تاريخ المدينة وحسب، ولا عن سوسيولوجيا المدينة، ولا عن تاريخ أفكار سكّان المدينة وآيديولوجياتهم وأمزجتهم، ولا هو عن جغرافيّا المدينة وطوبوغرافيتها وتخطيطها، ولا عن خصوصيةِ المدينة الكولونياليّة (الاستعماريّة) أو ما بعد الكولونياليّة، ولا عن حياة المدينة وهي تتشكّل في تفاعلٍ معقد بين الإنسان وحاجاته والبيئة الماديّة وأشيائها ومعطياتها، ولا هو عن سوسيولوجيا الخليج وما آلت إليه المدينة الخليجية الحديثة بعد الطفرة النفطيّة، ولا عن أخلاقيّات التعايش وفن العيش مع الغرباء في المدينة المعولمة، بل هو عن كل ذلك مجتمعًا في توليفةٍ خاصّة، وبمقاربة متعدِّدة المداخل وعصيّة على التصنيف".

ويبدو أنّ الكاتب سيجعل مهمتنا عصيّة في تقديم ورقة مختزلةٍ تتناول كتابه، إلا أننا سنحاول، مثله، أن نذهب في هذهِ المغامرة. متكئين على كتابه، للذهاب في قراءةٍ أخرى للمنامة.

فكل قارئ للكتاب لا بدّ وأن تتوالد في ذهنهِ أسئلة مما عرفه من خلال معايشته وقراءاته. ليقدّمها للكاتب، عن سبب التركيز على هذا الموضوع تحديدًا، أو إغفال ذاك الموضوع. وهو بهذا لن يجد تعليلًا كافيًا، سوى المتعة التي يجنيها من خلال رحلته الشائقة في قراءة هذا الكتاب الممتع. فموضوعٌ بهذا الحجم وهذهِ الاهتمامات المتنوعة، لن يكون إلا "عربون محبّة" لمدينة المنامة، وأيضًا كعملٍ أدبي تتنوع فيه الأفكار، وبمعالجة متعدّدة المقاربات، يزيدهُ بهاءً أسلوب الكاتب الرشيق وسرده الممتع لسيرة المنامة وهي تتشكّل، عمرانيّا، وإنسانيّا. منذ القرن الرابع عشر الميلادي وحتى أيّامنا الحاضرة.

إلا أننا سنلجأ إلى التركيز على محور واحد، نراه يخترق الكتاب ويمسك بدفته؟ لنناقشه، ونحاوره، كما ينبغي لأي كتابٍ جديرٍ بالقراءة، كتابٍ يضع أسسًا للنقاش المجتمعي السليم.


صناعة الهوية القائمة على

الانفتاح والتعايش في المدينة الكوزموبوليتانية:

إن كلّ هويّة لا تتشكّل إلا اعتمادًا على سرديّة قصصيّة، تشمل من ضمنِ ما تشمل، التاريخَ وذاكرة المكان، وهي بذلك صناعة، إلّا أنها صناعةٌ ضروريَّة ولا يتحقّق العيش من دونها، هي صناعة تنبثق من مخاوف وطموحات الحاضر في النظر للماضي، فما هي هذهِ السَّرديّة التي يقترحُها علينا كتاب "لا أحد ينام في المنامة"؟.

سنجدُ أن الكتاب يقترب أحيانًا من النوستالجيه في استذكاره للمنامة قبل النفط، حيث المدينة/ الميناء المرتكز اقتصادها على تجارة اللؤلؤ، والتي جعلت أناس هذا المكان منفتحين، "وبعيدين عن الجدل الديني" كما ينقل الكاتب في وصف رجال المنامة عن أحد الرّحالة الغربييّن ، مدينةٌ تضمُّ بشرًا متنوعين في مذاهبهم وأعراقهم وانتماءاتهم. وهذا ما يجعلها، بالإضافة للامتداد الجغرافي، مدينة ـ حسب تعبير الكاتب ـ، كما ينقل الكاتب عن أرسطو بأن المدينة "تتشكل من اناسٍ يختلفون في مشاربهم، ولا يستطيعُ بشرٌ متماثلون تكوين مدينة". علمًا بأن التنوع الذي نرى أن أرسطو كان يقصده، هو التنوع في طبقات الشعب نظرًا لمهنتهم وموقعهم الطبقي "من فلاحين، ومحاربين، وصنّاع، وتجّار. إلخ إلخ" ولم يكن يعني التنوع الاثني والمذهبي. وهو ما يصدق عمومًا على المنامة أواخر القرن التاسع عشر.

يعود بنا د.نادر كاظم في هذا الكتاب إلى ماضٍ يرى فيهِ أنّ السِّمة الغالبة هي التعايش والتسامح، وذلك نظرًا لوجود التجارة، ووجود إثنيّات متنوعة. ورغم أنه لا يغفل عن بعض حوادث الشقاق، إلا أنه يجعلها محدودة، زمنيّا، أو بأعداد المشاركين فيها، أي أنها حوادث مضخّمة في مجتمع صغير، حوادث لا تعكّر صفو تعايشه وتسامحه.

واستمرّ هذا الانفتاح إلى أن تمّ اكتشاف النفط، الذي جعله انفتاحًا في جانبه الاستهلاكي في الغالب للسلع المتنوعة والمستوردة من مختلف دول العالم. إلّا أنه انفتاحٌ أصبح يضيق على الجاليات الأجنبيّة مع تنامي المدِّ القومي. وحسب وجهة نظر الكاتب فإن الخمسينات من القرن المنصرم، هي المرحلة التي بدأت فيها مدينة المنامة تنقطع عن إرثها الكوزموبوليتاني مع صعود "هيئة الاتحاد الوطني" كقوّة سياسيّة، والتي بلغَ تأثيرها حدِّ الممارسة العنصريّة تجاه الأجانب، وأن تتحوّل إلى بيئة طاردة لهم، كما حدث مع هجرة بعض العوائل اليهوديّة نتيجة أعمال الشغب. وهي بذلك تشبه مدينة الاسكندرية التي انقطعت عن إرثها الكوزموبوليتاني مع صعود عبد الناصر للسلطة، مما أدى إلى هجرة كثيرٍ من الإثنيات فيها، تزامنًا مع عمليّات التأميم والمصادرة. إلا أن السؤال الذي يحقُّ لنا أن نسأله، هو أنّ المنامة لم تكن فيها مثل تلك الإجراءات، فهل تكفي بضعة حوادث شغب لتقنع جاليّة بالهجرة؟. فالمنامة وإن كانت تشبه الاسكندريّة كمدينة بحريّة تعتمد على الميناء، ومدينة كوزموبوليتانية كذلك، إلى حد أن عنوان كتابهِ جاء بالتناص مع رواية " لا أحد ينام في الاسكندرية "للروائي إبراهيم عبدالمجيد. إلا أنها تختلف عنها في سبب خلخلتها سكانيّا.

فسبب ضمور المنامة القديمة هو النظام الاقتصادي الرأسمالي، وليس الاشتراكي كما في الاسكندريّة. هذا النظام الاقتصادي، هو الذي حوّلها بادئ الأمر من قريةٍ صغيرة إلى مدينة التجّار بفضل الميناء وتجارة اللؤلؤ والتحديثات الإدارية. وهذا النظام الاقتصادي هو خلخلها سكّانيّا، وهو الذي يحوّلها الآن إلى سلعة معلّبة للسياحة. أي أنّ سبب كسادها أو خلخلتها سكانيّا، هو الذي كان سبب ازدهارها أوّل مرة. أمّا تأثيرات "الهيئة، هيئة الاتحاد الوطني" فلم يتعدّ سوى ترحيل فئة صغيرة من الجالية اليهوديّة. ولكنّها لم تكن بأي شكلّ من الأشكال، السببَ في ضمور مدينة المنامة الكوزموبوليتانية.

فهل كانت المنامة قبل الهيئة مدينة التسامح والتعايش في ظلّ الإدارة الاستعمارية؟ ـ كما يقترح الكتاب ـ وكيف يمكننا أن نفهم معنى "الكوزموبوليتانيّة" في هذا السياق؟ وهل أصبحت المنامة بعد الهيئة مدينة قوميّة وتخلّت عن إرثها التعدّدي؟.

الكوزموبوليتانيّة، وهي كلمة مكونة من شقيّن، "كوزموس" وتعني الكون باليونانيّة، و"بوليتيك" وتعني السياسة بالإنجليزية، وقد استعملها كارل ماركس وإنجلز أوّل مرةٍ وكانا يقصدان بها الشركات العابرة للقومية أو المتعدّدة الجنسية، بينما كثيرًا ما تُستعمل حاليّا لوصف مجتمع متعدد الأعراق والإثنيات والمذاهب أو المجتمع المعولم، بل وربما تطلق على أفراد ويشار بذلك لكونهم متعدّدي الثقافة والاهتمامات، فبأي المعاني كانت منامة ما قبل الهيئة الوطنية في الخمسينات؟

لا يمكن أن نفهم معنى "التعايش" و "التسامح" دون أن نفهم سياق المدينة الكولونياليّة، حيث كانت توجد آنذاك فئتان، وهما "الأجانب" التابعين قضائيّا للسلطة البريطانيّة، والفئة الثانية هي "الأهالي" سنة وشيعة والذين كانوا رعايا حاكم البحرين.

ولم تكن تلك الجماعات تنظر لنفسها إلا من خلال جماعتها الإثنية والمذهبيّة، ولم تكن السلطة تنظر لتلك الجماعات إلا من خلال انتمائها الهوياتي أيضًا. فالعرائض تقدّم باسم الجماعة المذهبيّة، الأحياء مقسمة طبقيّا ومذهبيّا، والتسامح الديني لم يكن قبولاً بالآخر، أو كما نفهمه حاليّا، بقدرما كان سلوك مداراة اجتماعيّة تفرضها طبيعة السوق وعلاقات القوة، وأيضًا لعلّها نزعة أصولية محافظة ولكن من غير أدلجة، أي لا تكترث بالآخر ومصيره الأخروي أو الدنيويّ طالما كان بعيدًا عن مجالي الخاص. تورد شريفة الأمريكانية مثلاً بأن بعض من بدّل دينه للمسيحية، وهم قلّة، كانوا يتسترون خوفاً من القتل. إلا أن الأجانب كان يتم التغاضي عن ديانتهم شريطة أن لا يثيروا هذا الموضوع أو يعلنوا مجاهرة عدم انتمائهم للدين الاسلامي. كما أن طاقم الارسالية كان يشعر بصعوبة مهمّة التبشير التي تكاد تقترب من الصفر في شهرين اثنين وهما: شهر محرّم وشهر رمضان. (مذكرات شريفة الأمريكانية ص 109)