الأمير تركي الفيصل..إن الصراع من طبيعة الوجود الانساني؛ لكنه ليس قدراً محتوماً


كلمة الأمير تركي الفيصل رئيس مجلس إدارة مركز الملك فيصل للبحوث الدراسات الإسلامية، من منشورات كتاب صدر عن مؤتمر حوار الحضارات والثقافات «الحضارات في خدمة الإنسانية»(5 مايو/ أيار 2014) بمشاركة 500 شخصية من مفكرين وباحثين ورجال دين وعلماء، 150 منهم من خارج مملكة البحرين. ننشرها لإيماننا بما تضمنته من قيمة فكرية و ثقافية.

------------------------------------------------------------------------------------------------


اشكر صاحب هذه المبادرة الطيبة والمهمة وراعي هذا المؤتمر جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، والشكر موصول لمعالي الشيخ خالد بن علي بن عبدالله آل خليفة وزير العدل والشؤون الإسلامية والأوقاف لدعوته الكريمة لي للحديث أمام هذا الجمع الكريم في هذا اللقاء المميز.

ولا يفوتني ايضاً الاشادة بهذه المبادرة وبشعارها المعبر «الحضارات في خدمة الإنسانية». وهي مبادرة لا تُستغرب من مثل جلالة الملك حمد أحد رواد الدعوة إلى الحوار على كل مستوياته، ولا يستغرب صدورها من مملكة البحرين، جزيرة التسامح والتعايش والانفتاح الحضاري. وأدعو الله ان تتكلل اعمال هذا المؤتمر بالنجاح لتكون رافداً نوعياً لكل مبادرات حوار الحضارات.



ان من الطبيعي القول بأن الصراع من طبيعة الوجود الانساني؛ لكنه ليس قدراً محتوماً، وما انفكت البشرية – منذ بدء الخليقة إلى عصرنا هذا تواجه حالات من الصراع والحروب. ولم يتوقف العنف قط؛ الا ان اسباب الصراع ووسائله كانت تختلف باختلاف العصور والأزمان. ولم يتوقف البحث ايضاً عن وسائل منع تحول الصراع إلى عنفٍ وحروبٍ بين حضاراتٍ وثقافاتٍ مختلفةٍ، أو بين شعوبٍ ودولٍ داخل الحضارة والثقافة نفسها، أو بين جماعاتٍ اثنيةٍ، وعرقيةٍ، ودينيةٍ داخل الدولة نفسها. لقد دفعت البشرية – ولا تزال تدفع حتى اليوم – ارواحاً غالية ثمناً لهذه الصراعات والنزاعات بكل أنواعها. واخالني لا أخالف الحقيقة إذا قلت: ان كل الأديان والفلسفات والأفكار العظمى التي توالت في الظهور عبر الأزمان كانت تهدفُ إلى تحقيق السلم العالميِّ للبشرية من خلال ترسيخ مبادئ العدل والمساواة وعمران الكون؛ ولكن ذلك السلم لم يتحقق بصورته المنشودة حتى الآن.


لقد اختلفت الأسبابُ وراء كل صراعٍ سواءٌ أكان ذلك على مستوى المجتمع الدولي، أم على مستوى المجتمعات الوطنية والقومية والدينية. فكل صراعٍ وجدت له عند كل طرفٍ من الاطراف مبررات يعتقد بعدالتها. وكانت أخطر التبريرات تلك التي تصطبغ بصبغةٍ دينيةٍ أو توضعُ في سياقاتٍ مقدسةٍ يصعبُ دحضها. ويعد هذا النوع من الصراعات التي تضعُ الدين مبرراً لها ولاستمرارها هو أخطر الصراعات؛ لانه إن كان محلياً أو اقليمياً أو عالمياً فإنه يتطور ليصبح صراعاتً عابراً للحدود والحضارات بسبب انتشار الأديان في كل أرجاء المعمورة.

لقد شهد التاريخ صراعاتٍ كثيرة بررت بأسبابٍ دينيةٍ، ولكن التجربة التاريخية ودراسة تاريخ هذه الصراعات والحروب المترتبة عليها يُجردها من قدسيتها ويظهر أنها في النهاية لم تكن إلا وسيلة لتحقيق مصالح ذاتية ومصالح دنيويةٍ تتعلق بالسلطة والثروة والأرض. وفي هذا السياق، هل يستطيع عاقل عرف كيف جرت الحروب الصليبية وكيف انتهت ان يتهم دين المسيحية بالمجازر التي ارتكبها محارب يحمل صليباً على صدره مسلحاً بفتوى دينية تبرر له حربه؟! ألم يذكر احد مؤرخي الحملة الصليبية؛ راؤل دي كين: «كانت جماعتنا في المعرة يغلون وثنيين بالغين في القدور ويشكون الأولاد في سفافيد ويلتهمونهم مشويين»؟! أو لم يذكر مؤرخ آخر ان الفرنج عندما دخلوا القدس قاموا «بجمع اليهود في الكنيس وأحرقوه عليهم»؟! وهل يستطيع عاقل ان يتهم الإسلام بارتكاب جرائم الحادث عشر من سبتمبر 2001م وتفجيرات مدريد ولندن وغيرها من الأماكن؛ بما فيها اوطاننا العربية والإسلامية؛ لمجرد ان جماعة تقول: «الله أكبر» تظللت بفتاوى دينية قامت بها؟!.



خلاصة القول: ان الأديان براءٌ من كل الأعمال التي ترتكب باسمها، ولكن لتخليصها مما ألصق بها علينا جميعاً – سياسيين ورجال دين وناشطين من شتى اصقاع الأرض – مراجعة هذا الإرث المتراكم من سوء الفهم وسوء التصرف، ووضع الصراعات في سياقها الحقيقي، وهو السياق السياسي. وهذا لن يتحقق الا باستمرار الحوار بين الجميع كل من موقعه سياسياً كان أم دينيا، والمبادرة السريعة من كل طرفٍ للوقوف أمام أي عملٍ أو قولٍ يسيء إلى الأديان، ويتسبب في وضع العراقيل أمام استمرار هذا الحوار ليصل إلى نتائجه المنطقية، وهي بناء الثقة وتجسير الهوة بين الناس.


2

إننا نعيش في عالمٍ واحدٍ، عالمٍ متنوعٍ في أديانه وثقافاته ولغاته وفي واقعٍ تطلعاته، لذا فإن أردنا النجاح في التقدم نحو مستقبلٍ أفضل للجميع فان التواصل الثقافي واللغوي والديني هو الأساس للتفاهم والتعاون.

وفي هذا السياق ينبغي النظر إلى اننا جميعاً ابناء حضارة واحدةٍ، وان ما نسميه اليوم حضارات ما هي إلا تعبير عن مراحل ضمن تطورٍ تاريخي لحضارة واحدةٍ هي الحضارة الإنسانية.

فالحضارة هي مثل ساق شجرة تغوص جذورها في تربة التاريخ البشرية فيبزغ منها فرعٌ يخضر ورقه، ثم تنبت فيه براعم الزهر التي تثمر ثمراً جنيا، وبعد قطف الثمر تتساقط الأوراق وبذبل الغصن ويجف ليبزغ من الساق غصن يانعٌ آخر فوقه ليخضر، وهلم جراً. وهذه الأغصان وما أنبت من ثمارٍ تذبل وتموت؛ فتتلوها أغصانٌ أخرى هي ثقافات الإنسان عبر العصور التي تستمر في بزوغها، ثم انبات ثمرها، ثم تموت وينبت غيرها، وتنمو الساق وتقوى شاهدة على تطور الثقافات واحدة تلو الأخرى في اخضرارٍ مستمر وازدهار واثمارٍ إلى ان تقوم القيامة. والنظر إلى الحضارة من خلال هذا المفهوم يسهل علينا جميعاً التفكير والإبداع في ايجاد سبلٍ جديدةٍ لتحسين الحوار وتعزيز التعاون بين الأمم والشعوب. فإذا اعتبرنا اننا ننتمي إلى حضارةٍ انسانيةٍ واحدةٍ؛ فمن الطبيعي ان يشعر كل منا بمسؤوليته تجاهها وتجاه الآخرين الذين يعملون على تعزيز قيمها ومثلها. ولن ينظر كل منا إلى الآخر وكأنه وصي على ما يعتبره قيماً ومثلاً تخصه، أو أنه في مكانةٍ أسمى من الآخر. فالقيم والمثل الإنسانية ملك للجميع تلتقي حولها جميع الشرائع والأديان والثقافات؛ ما يعني ان الخطوة الأولى لتبني مبادراتٍ وسياسياتٍ تسهم في ايجاد مناخٍ للحوار والتعاون تكمن في الانطلاق من هذا الفهم؛ بغض النظر عما نراه من اخفاقٍ في الممارسات في نطاق بعض الثقافات. فالمطلوب هو العمل على ترسيخ القيم والمثل الإنسانية.


3

وهنا من المناسب ذكرُ موقف المملكة العربية السعودية من قضية الحوار بين الثقافات والأديان. ان المملكة تؤمن ايماناً عميقاً بأهمية الحوار بين الثقافات والأديان والشعوب، وما فتئت تدعو وتؤيد جميع الجهود الرامية إلى حوارٍ حقيقي حول القضايا التي تواجه البشرية؛ لأنها تؤمن انه الطريق الأصوب للتفاهم حول أنجع الحلول لمعالجة مشكلات عالمنا السياسية والاقتصادية والدينية والثقافية. ولقد قامت المملكة منذ نحو خمسين عاماً بجهودٍ محمودةٍ في هذا الشأن، إذ تخاطب الملك فيصل – يرحمه الله – مع بابا الفاتيكان بولس السادس، وبعث سنة 1385هـ - 1965م وفداً من علماء المملكة إلى الفاتيكان للتحاور حول قضايا حقوق الإنسان، كما استقبل وفداً من الفاتيكان لنفس الغرض.

واستمرت هذه الحوارات حتى عام 1398هـ - 1978م، ثم استؤنفت خلال العقد الثاني من القرن الهجري الحالي أي تسعينيات القرن الميلادي الماضي.

ولقد توجت هذه اللقاءات بلقاء خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز مع البابا بنديكتوس السادس عشر في الفاتيكان عام 1428هـ - 2007م، وتمحورت محادثاتهما حول الدفاع عن القيم الدينية والأخلاقية، وإنهاء النزاع في الشرق الأوسط، وأهمية الحوار بين الثقافات والأديان، ومشاركة اتباع الديانات المختلفة في النهوض بالتفاهم بين البشر.

وقد أطلق الملك عبدالله بعد هذا اللقاء مبادرة للحوار بين الأديان؛ إذ دعا علماء المسلمين إلى مكة المكرمة للتباحث في جوانب هذه المبادرة، وقد باركوها جميعاً. ومضى الملك والعلماء بعد ذلك إلى اسبانيا، ثم إلى الأمم المتحدة وجنيف لبلورة هذه المبادرة. وجرت حوارات عالمية حولها انتهت عام 2012م بتأسيس مركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين اتباع الأديان والثقافات في فينا ليكون منبراً للحوار الإنساني العالمي حول سبل تعزيز التعايش والتفاهم واشاعة القيم الإنسانية مستنداً إلى القواسم المشتركة بين بني البشر. وكذلك عمل خادم الحرمين الشريفين على جسر الهوة التي تفرق بين الشيعة والسنة حين دعا منذُ عامين إلى قمة إسلامية في مكة المكرمة وفي شهر رمضان المبارك لمعالجة هذا الأمر فصدر قرار القمة لإنشاء مركزاً للحوار بين المذهبين في طيبة الطيبة لإزالة ما يشوب العلاقة بين من يشهدون ان لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.


4

ان العالم مشبع اليوم بدعوات الحوار، ففي الأعوام الخمسة عشر الأخيرة دخل الجميع في حواراتٍ كثيرة لإدراك الجميع أهميته؛ والمطلوب اليوم هو الانتقال من مرحلة الحوار الذي ينبغي ان يبقى متواصلاً إلى التعامل مع القضايا التي ستبقى معوقة للتقدم نحو تفاهمٍ عالمي لمواجهة التحديات الكبرى التي تشغل العالم. ان منطقتنا؛ منطقة الشرق الأوسط، هي بؤرة لصراعٍ ممتد تتداخل فيه كل الأبعاد الدينية والسياسية والإنسانية والأخلاقية والاقتصادية والثقافية، وقد يتسبب – ما لم تُبذل جهودٌ حقيقية من اتباع جميع الأديان والثقافات لايجاد تسويةٍ عادلةٍ له تضمن للشعب الفلسطيني حقوقه الشرعية – في منع تسويةٍ تاريخيةٍ بين كل الأديان السماوية، بل قد يتحول هذا الصراع إلى صراعٍ ديني بحتٍ يهدد كل الجهود المبذولة لحوارٍ حقيقي بين البشر. كما ولابد من قيام العالم بوقف النزيف الدامي في سوريا الحبيبة. فكيف لنا ان نتحدث عن الحوار والشيعي يقتل السني والعكس صحيح، ولا يزال سفاح القرداحة يقتل ويحرق ويهدم في بلدٍ كان يوماً عنواناً للحوار والوئام؟


إنني متأكد من ان تسوية عادلة تقوم على مبادئ العدل والحرية والمساواة ستضمن تحقيق أهداف مشروع الحوار بين الناس، وتعزل المتطرفين الذين يستخدمون الدين ذريعة لاستمرار الصراع بين الأديان والشعوب. ولعل مؤتمرنا هذا يضع مدماكاً راسخاً في عملية إيجاد هذا التفاهم المطلوب.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email