خطيئة القراءة في سرديات الجنس الأدبية

 

"الجهل خطيئة" هي عبارة لميلان كونديرا، كما إنه قبلها تحدث بأنه لو إن المرأ ليس مسؤلا إلا عن تلك الأمور التي يعيها، لكانت الحماقات التي يرتكبها مبرأة سلفا عن كل إثم، لهذا يرى كونديرا بأن الإنسان ملزم بالمعرفة، الإنسان مسؤول عن جهله.

فهل القراءة خطيئة ؟!! هل المعرفة خطيئة ؟!! أعتقد كما كثيرون بأن كل موضوعات هذا العالم ممكنة القراءة، كل شيء يمكن أن يؤخذ وكل شيء يمكن أيضاً أن يرد، لكن معرفته ضرورية لتبديد مساحة الجهل بالأشياء، التي هي جزء من العالم الذي نعيش.

" الشباب... بين الجنس و ارتكاب خطيئة القراءة" هكذا يتأسس فكر الشباب اتجاه فكرة التعاطي مع مفردات الجنس، في مجتمعاتنا العربية، كما المجتمعات الغربية المحافظة، يكاد لا شيء مختلف.

فمنذ السن المبكرة كما يرى الكاتب الإنجليزي كولن ولسون في كتابه «أصول الدفاع الجنسي» "يرتبط الجنس عند الانسان بفكرة انتهاك نقاء الإنسان، وبرغبته في أن لا"يُلمس" وباشمئزازه من القذارة ومن الجسد الغريب، وكلما إزداد طهر الإنسان، إزداد معه احتمال ربط الجنس بالخطيئة"  .

القراءة أيضاً، لدى كثيرين قد تكون كفيلة بأن تنتهك نقاء الإنسان، ليكون السؤال الآن، ما الذي سينهار فينا والعالم، لو أننا ارتكبنا لذة القراءة، لكتاب هنا أو لرواية جنسية هناك ؟  وما الفرق بين ما يكتبه عالم الدين من سرد وتفاصيل في الجنس وبين ما يكتبه آخرين ؟! ما الفرق بين ما كتبه المحدث الجليل والحبر النبيل – كما يصفه رجال الدين - السيد نعمة الله الجزائري في «زهر الربيع» وبين ما كتبه غابرييل خوسيه ماركيز و باولو كويلو مثلا ؟!! أيهما أعنف، وما الفرق بين ممكن القراءة و مستهجن القراءة وأخرى قد تطالها الحرمة ؟

قريبا من تلك الأسئلة، سنبتعد عبر هذه المحاورة و على طريقة عالم الإجتماع الفرنسي بيار بورديو، في ترك الشباب يتحدثون عن تجربة التلقي أو المصافحة الأولى لهم في قراءة السرد أو الرواية الجنسية، مراقبين حالة الإختلاف، التي ستشكل الفارق، في مسألة التعاطي مع موضوعات الجنس، بحسب الخلفيات و المرجعيات الثقافية.

 

لم أقصد يومًا قراءة رواية معينة لاحتوائها على سرد جنسي، هكذا فضلت الأكاديمية جنات محمد أن تبدأ حديثها، كنت اختار الروايات وفق شهرة كتابها أو بناء على نصيحة أحد الأصدقاء. وأنا هنا حينما أنفي ذلك ليس بقصد تبرئة نفسي من اقتحام هذا العالم الذي فرض علينا الانزواء عنه بحكم ثقافتنا وديننا..  وإنما أصف الواقع كما هو.

أول رواية أذهلتني بسردها الجنسي رواية بعنوان "كائن لا تحتمل خفته" لميلان كونديرا، كانت تحوي سردًا جنسيًا لم أعتد عليه، فقد أمعن الكاتب في سرد تفاصيل جنسية ذهلت حينما قرأتها اعترتني الدهشة ولم أكن حينها على وعي بأن سرد مثل هذه التفاصيل كان ضروريًا اقتضته مجريات الرواية، بل تعاملت معه كقطعة منبتّة ومنفصلة عن العالم الروائي وصرت أكرر القراءة وأحاول تخيل ما يصفه وأنا متقززة ومشمئزة، وما كان مني إلا أن جعلت بعض صديقاتي يشاركنني في هذه الدهشة فأريتهن العبارات ولم يكنَّ أقل دهشة مني وتعاملنا مع الوضع،  وكأنه شيء من المحرمات والوقاحات للكاتب.. ولم أستطع أن أربط بين هذا السرد الجنسي ومجريات أحداث الرواية التي كان يعتريها التعقيد كثيرًا .

 

 

لكن الشاعر السعودي زكي الصدير، تحدث عن ذلك المجتمع المحافظ، الذي يحكم جبروته وسيطرته على حرية الإطلاع والقراءة، نحن نعيش في مجتمع محافظ جداً – يقول زكي _  يرتكز على مرجعيات دينية وثقافية مغلقة، لهذا سيكون التعاطي الأولي مع أي ممنوع –سراً- هو تعاطٍ فيه ما فيه من المغامرة والترقب والخوف والتوجّس، وأتذكر إن أول اكتشافاتي الجنسية على مستوى القراءة لم تكن رواية أدبية، بل كانت كتاب  «ألف ليلة وليلة »،  بطبعته المصرية الغير منقحة.

ثم بعض القصص والمرويات العربية المكتنزة بالحالة الإيروتيكية ككتاب «عودة الشيخ إلى صباه» وكتاب «زهر الربيع». كنت أسرق هذه الكتب من مكتبة العائلة سراً لأضعها تحت وسادتي وأقرأها حين تحين الفرصة بمزيد من الدهشة الغير متوّقعة وكأنني كنت أعيد صناعة ملامح العالم الجديد علي.

 

الرواية الثانية التي احتوت على سرد جنسي فاضح لم أعتده – تكمل جنات حديثها – هي رواية  "عشيق الليندي تشاترلي" كانت مليئة بالسرد الجنسي؛ لأنها تروي قصة عاشقين، ولكنني استطعت أن أستوعب هذا السرد الجنسي الكثير، لأنه كان يغذي طبيعة العلاقة بين العاشقين، لكنني أيضًا ذهلت لأني صرت أمام وصف جنسي دقيق لم أعتد عليه، وحبلت الرواية بممارسات جنسية غريبة. وبعدها تتالت قراءتي للكثير من الروايات التي اختلفت نسب احتوائها على الجنس السردي وصرت معتادة على الأمر لأن ما يوجّه قراءاتي هو شهرة الكاتب والرواية وليس كونها محتوية على سرد جنسي.

 

أما القاصة السعودية زينب البحراني فقد بدأت حديثها في هذا السياق، بالإعتراف، " أعترف أنّ حالة التّلقّي في حينها بالنّسبة لفتاةٍ وُلِدت في بيئة مُتزمّتة دينيًا ومُجتمعيًا، وترعرعت في قوقعة تفرض رقابةً صارمة على الأنفاس، كانت صدمةً نفسيّةً حادّة منعتني من تناول الطّعام والشّراب لفترة. إذ لم يكُن من السّهل اكتشاف سرٍ هائلٍ بهذا الحجم في العالم بعد سنين طويلة من النّمو في عالمٍ كرتونيٍ حوصِر بإتقان بحيث يبدو أنّ لا شيء آخر وراءه".

فبعد تاريخٍ من مُطالعة قصص الأطفال أثناء مرحلة الطّفولة، كان لا بُدّ وأن تكون مُصافحتي الرّوائيّة الأولى لكلاسيكيّات الأدب الرّوائي العالمي لـ "تشارلز ديكنز" و "جين أوستن" وغيرهما.

 

لكنّ أوّل رواية ذات إيحاءات جنسيّة صادفها بصري كانت لمؤلّفة أذكر اسمها حتّى الآن رُغم نسياني اسم الرّواية بكُلّ أسف؛ وهي "سميرة بنت الجزيرة العربيّة"، ثمّ صادفتني بعد ذلك رواية لمؤلّف أجنبي نسيت اسمه هذه المرّة وإن كُنتُ لم أنس أنّ عنوان الرّواية هو "رفقًا بالنّساء"، ومن المؤسف أنّني تخلّصتُ من هذه الرّواية قبل إتمام قراءتها بسبب بنائها الرّوائي المُفكّك، ولو كانت وقعت بين يديّ اليوم لاحتفظتُ بها بغضّ النّظر عن تقييمي لمدى الجودة والرّداءة، فالكتابُ كنزٌ لا يتكرّر ولا يُعوّض مهما كان مضمونه. بعد سنوات صادفتني أوّل رواية قائمة على هذا المضمون بنسبة مائة بالمائة قادمةً من عالم الإنترنت، وهو عالمٌ صريحٌ إلى حدّ الفجاجة، ويصعُبُ على المنظومات التّربويّة منعه، أو تشفيره، أو فرض رقابة باتِرة عليه.

كنت شغوفاً بالشعر فبدأت بمؤلفات والدي «بالمناسبة هو رجل دين» – هنا الحديث للشاعر والفنان محسن المبارك - والذي كان يجعلني ألامس الأجساد حقيقة بأطراف خيالية، حين يصور ويستحضر المرأة بكامل تفاصيلها في قصيدة كلاسيكية طويلة ثم يستدرك في آخر الأبيات فتكتشف أنه يقصد بتلك المرأة الجميلة (الدنيا الفانية) فكيف نبرر ذلك؟ وهل الغاية هنا تبرر الوسيلة؟! 

نعم، قرأت روايات سلوى النعيمي، وهنري ملر ومحمد شكري وباولو كويلهو وإستمتعت أيضاً، كما يستمتع بها البعض خفية. 

 

 

للموسوي، عزيز، حديث آخر، فقد تحدث عن اتجاهات الكتابة في الجنس، متفادياً الحديث عن التجربة ربما، ليذهب إلى أن ثمّة اتجاهات في الكتابة الجنسية، الأولى هي التي تعتمد على إثارة القارئ غرائزياً ومحاكاته جنسية في قالب حكائي مفتعل لهذا الهدف.

 

الاتجاه الآخر يكون الجنس جزء من كل، بمعنى أنك لا تستطيع اغفاله ضمن متطلبات الشخصية المحورية أو حتى الهامشية في الرواية، مثلا رواية "أحد عشر دقيقة " لـ كويلو كانت تعالج مسألة الجنس بحد ذاته، كيف يمكن أن تتمثل بفكر وهواجس "غانية" إذا لم تحط بكل ما تفعله وتبين ذلك بشكل متزن.

بالنسبة لي أجد أن رواية كـ " القِران المقدس"لـ طيف الحلاج و " ذاكرة غانياتي الحزينات" لـ ماركيز، و " الخبز الحافي" لـ محمد شكري كلها روايات تناولت الجنس بتفاوت لكنها احتفظت بالتوازن بحيث لا تخرج الرواية عن سياقها العام، وردّات فعل القارئ أيضاً تتفاوت كل حسب بيئته وثقافته لا يمكن حصر رأي واحد في عمل أياً كان صنفه.

 

 

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد