"خارج الجماعة".. وأهمية الانتصار لحُرية الاختيار

 

 

قد يُعتبر الشعور بـ"الانتماء" لشيء ما، مكان ما، جماعة ما، احتياجًا أساسيًا من احتياجات النفس البشرية، وملاذًا لكيان الإنسان من التيه في عالمٍ بلا ملامح واضحة ولا مرفأ ترسو مشاعره ومُعتقداته على شواطئه بما يكفي من الثقة والأمان، لكن ذاك الانتماء لـ"الجماعة" والتمتع بما تُقدمه من امتيازات - كالشعور بالطمأنينة والاستقرار- قد يتطلب دفع الثمن غاليًا من حُرية الإنسان وخصوصيته الفردية، لا سيما إن لم يكُن انتمائه لتلك الجماعة نتيجة "اختياره" الحُر، وتتجلى تلك الحقيقة بوجه خاص إذا اعتنق رأيًا أو فِكرًا أو مُعتقدًا لا يتفق مع رؤى أو أفكار أو مُعتقدات تلك الجماعة، ما يؤدي إلى طرده منها في "منفى" معنوي داخل وطنه، ورُبما تعرُّضه إلى عواقب أكثر بطشًا وقسوة.

 

أزمة الفرد بين الانتماء إلى الجماعة وما يُقدمه ذلك من مزايا "غير مجانية" والخروج عنها بما قد يؤدي إليه ذلك من غُربة معنوية ومخاطر أخرى، وحُرية الفرد في الانشقاق عن الجماعة والعيش خارجها لـ "التحرر من ذل المديونية" تجاهها دون التعرض لعقابها؛ من المسائل التي يدور حولها كتاب المؤلف البحريني الدكتور/ نادر كاظم بعنوان: "خارج الجماعة: عن الفرد والدولة والتعددية الثقافية"، مُسلِطًا الضوء على أهمية حُرية الفرد في الاختيار، سواءً كانت حُرية اختيار الانتماء إلى جماعةٍ من الجماعات، أو اختيار عدم الانتماء إلى جماعة، أو اختيار تغيير جماعة ينتمي إليها بجماعةٍ أخرى، وحُرية "التعددية الثقافية" بالنسبة للجماعات وفي شخصية الفرد الواحد.

يذكر الكتاب أن تغيُّر الوضع في العصر الحديث بنشوء الدولة قلل كثيرًا من حاجة الفرد إلى الجماعة من أجل أن يتمتع بمزاياها الضرورية التي اضطلعت الدولة بمُعظمها كحماية الأفراد والسعي لتأمين السلم العام في المُجتمع، لكن انتصار الدولة لم يُلحِق الهزيمة المُنكرة بالجماعات والطوائف والقبائل والبنى التقليدية بالصورة المُتوقعة، بل ظلَّت تلك الجماعات مُحتفظة بجزء لا يُستهان به من وظائفها القديمة، وبدل أن تنقرض المديونية تجاه الجماعة؛ صار على الفرد أن يخضع لمديونية مُزدوجة تجاه الدولة والجماعة معًا، وهو ما أكده بقوله: "خلفت هذه المديونية المُزدوجة مُعضِلةً جديدة أمام الفرد، وخاصة حين تتعارض مصالح الجماعة مع مصالح الدولة... صـ18". كما يُشير إلى أنه ليس من المهم أن يكون المرء مُنتميًا إلى جماعةٍ أو غير مُنتمٍ، بل المُهم أن يكون للمرء حُرية الاختيار بين "الانتماء" والـ "لا انتماء"، لأن تلك الحُرية هي التي تسمح لنا "باكتشاف ذلك المجال التعددي الذي ينطوي على تلك الكثرة الكاثرة من الهويات والانتماءات في هوية كل واحد منا، بل إنها تتيح أمامنا فرصة ثمينة لإدراك أن الإنسان ليس مُضطرًا لأن يختزل وجوده وحياته في أي من هذه الانتماءات والهويات والقوالب... صـ22".

 

تعدُدية أم مُحافظة؟

 

لا شك أن "التعدُدية الثقافية" بما تُقدمه من بيئة تسمح للجماعات بالظهور ومُمارسة نشاطاتها في إطارٍ معقول من الحُرية مطلبٌ يوفر فُرصةً مميزة للتعايُش والتنوع الإنساني في الدولة الواحدة، لكن حين تكون قيم الجماعة وعاداتها  ومُعتقداتها ثابتة ضد مُحاولات التعديل مهما كان نوعها، ومُصانة ضد أي شكل من أشكال النقد الذي قد يطالها، عندها تغدو تلك "التعددية الثقافية" قرينة لـ "الأحادية الثقافية"، ولا نكون أمام "تنوع ثقافي" بقدر ما نكون أمام "تعدد للثقافات الأُحادية" حيث "كل ثقافة تعيش في مدارها الخاص وضمن حدودها – الرمزية والجغرافية- التي تؤمِّن لها العُزلة عن الآخرين وعدم التفاعُل معهم... صـ50".

 

وللتعددية مساوئها أيضًا!

 

الدفاع عن إيجابيات "التعددية الثقافية" في الكتاب لم يكُن جانبًا أُحاديًا مُتحيزًا لصالحها دون الالتفات لمساوئها، بل كان موضوعيًا في الالتفات لسلبياتها والنظر لها بعين التحليل والنقد، فقيمها الإيجابية التي ترفض الظلم أو التمييز الذي يقع على أناس لا لسبب غير أنهم ابناء هذه الجماعة أو تلك، لا تنفي ما تُمارسه على أفرادها من مظاهر القمع والإكراه باسم احترام قيم الجماعة وتقاليدها ومُعتقداتها، وهنا ينتهي المؤلف إلى أننا " بحاجة إلى تطوير صيغة أكثر عدالة وإنسانية من التعددية الثقافية، صيغة تنهض على الحُرية، وتحفظ للفرد حقه في أن ينتمي إلى الجماعة التي يختارها، كما تحفظ حقه في عدم الانتماء إلى أية جماعة إذا ما هو أراد ذلك، سواء كانت هذه الجماعة دينية أو ثقافية أو إثنية أو جنسية أو طبقية أو مناطقية أو مدنية. ولا يهم ماذا تُسمى هذه التعددية الثقافية، تعددية ثقافية ليبرالية أم تعددية ثقافية مرنة، لكن المُهم هو تجاوز هذه النسخة القمعية والجماعية من التعددية الثقافية... صـ51".

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد