داريوش شايغان الحداثة والحضارات التقليدية: من المواجهة إلى الحوار



"مجمع البحرين" هو تعبير قرآني اختاره الأمير المغولي دارا شكوه (1615-1659) من سورة الكهف (الآية 60) ليضعه عنواناً لكتابه الذي كرّسه لاستكشاف الصلات والتشابهات العميقة القائمة بين التصوف الإسلامي والفيدا الهندوسية. ودارا شكوه هو الابن الأكبر وولي عهد الأمبراطور المغولي الشهير شاه جهان قبل أن تتم إزاحته ثم يقتل لاحقاً على يد أخيه الأمبراطور أورنجزيب الذي عُرف، في التاريخ الهندي المغولي، بتعصبه الديني المتزمت كما تجلى في سياساته التي كانت تقع على النقيض تماماً من إرث التسامح الديني الذي تجسّد في أسلافه المغوليين من جلال الدين محمد أكبر إلى جهانكير إلى شاه جهان إلى دارا شكوه.


لقد كان دارا شكوه موضع إعجاب واهتمام خاصين من قبل المفكر الإيراني الراحل داريوش شايغان (1935-2018). وقد وجد شايغان في دارا شكوه تجسيداً حقيقيّاً لـ"مجمع البحرين"، وحلقة الوصل الجامعة التي يلتقي فيها التصوف بالهندوسية، وذروة إسهام "توفيقي كبير بين ديانتي الهند: الهندوسية والإسلام". ويعود اهتمام شايغان بدارا شكوه إلى الستينات من القرن العشرين، وتجلى، بشكل خاص، في أطروحته للدكتوراه التي أعدها في العام 1968 تحت إشراف هنري كوربان، وكانت بعنوان "العلاقة بين الهندوسية والتصوف بحسب رواية "مجمع البحرين" لدارا شكوه"؛ ليتحوّل شايغان نفسه، فيما بعد، إلى مثال حيّ آخر على غرار دارا شكوه، وذلك بعد توسيع نطاق "مجمع البحرين"، وتعظيم مجراه ليتحول إلى "تجمع روحي واحد" مشترك، يحتضن بداخله كل الديانات الشرقية االكبرى في حضارات الإسلام والهندوسية اوالصينية واليابانية وحتى الأفريقية. وهذه فكرة استمدها داريوش شايغان من دارا شكوه في محاولته الرائدة في القرن السابع عشر للكشف عن التماثلات العميقة ذات الطابع الروحي والفلسفي بين الهندوسية والتصوف الإسلامي، وذلك قبل أن يقتل دارا، بصورة مأسأوية، على يد شقيقه الأصغر المتعصّب الديني أورنجزيب؛ لينهي، بموته، "حلم التوفيق والمصالحة بين الجماعتين الدينيتين".

وهي النهاية التي كانت حلقة أولى في سلسلة من الاختلالات التي بدأت تظهر في جسد ذلك "التجمع الروحي الواحد" والمشترك بين الديانات الكبرى في الحضارات التقليدية. لقد تجمّد هذه الحضارات، وتوقفت عن التجدد والإبداع، وأخذت في التدهور والانسحاب من التاريخ منذ القرن السابع عشر. وهو القرن الذي قُتل فيه دارا وانتهى مشروعه الجامع بين "البحرين"، وهو، كذلك، القرن الذي تعرّضت فيه هذه الحضارات التقليدية و"ذاكراتها الأزلية" دائمة الاستعادة والتذكر إلى التفكك والانحلال على أثر المواجهة غير المتكافئة بين هذه الحضارات التقليدية والحداثة الغربية بتكنولوجياتها المتطورة، وعلمها التجريبي الحديث، وقيمها القائمة على العقلانية والمادية والعلمنة والفردانية والحرية والتقدم إلى الأمام باستمرار. لقد كشفت هذه المواجهة الكبرى عن عالمين منفصلين، وعن بحرين كبيرين يفصل بينهما برزخ لا يقل عنهما ضخامة.


نحن، في الحقيقة، أمام برزخين كبيرين وبحاجة إلى جهد جبّار لتجاوزهما معاً: الأول برزخ ينتصب كحاجز بين الحضارات والديانات الشرقية الكبرى. والثاني برزخ أعظم ويقف كحاجز بين هذه الحضارات التقليدية التي صيّرها اصطدامها بالحداثة الغربية بمثابة "النفس المبتور" التي تعاني من فصام ثقافي ووجودي واختلالات بنيوية عميقة و"تشوهات في الفكر والروح" من جهة، وبين الحداثة الغربية الصاعدة منذ القرن الخامس عشر لتتوّج نفسها كحضارة عالمية غالبة ومتسيّدة في نهاية المطاف. وقد حدّد هذان البرزخان الطريق الذي سيكون على داريوش شايغان أن يسير عليه، والمهمة الملقاة على عاتقه ليكون جسراً حضارياً، وحلقة وصل بين الحضارات التقليدية فيما بينها من جهة، وبينها وبين الحداثة الغربية من جهة أخرى.


وُلد درايوش شايغان في تبريز (شمال غرب إيران) في وسط ثقافي متنوع دينياً وإثنياً ولغوياً، فأسرته كانت تستخدم "اللغة الروسية، والفارسية، والقوقازية والجورجية، كما كانت تعتنق أشكالاً مختلفة من الاعتقادات: الإسلام والمسيحية والزرادشتية". وقد طبع هذا التنوع اللغوي والديني والإثني شخصية شايغان واهتماماته بطابع لا يمحى. الأمر الذي جعل شخصيته متعددة كما لو كانت مسكونة بأربعين هوية، هكذا كما لو أن جماعة من الناس قرروا أن يقيموا داخل شخصيته. وهذا ما يجعل من شايغان واحداً من أكثر المثقفين المعاصرين تأهيلاً للاضطلاع بهاتين المهمتين الكبيرتين: وصل الحضارات التقليدية فيما بينها من جهة، ووصلها بالحداثة من جهة أخرى.


لقد كان شايغان يكافح، منذ الستينات ومنذ إعداد أطروحته عن الهندوسية والتصوف وتعيينه أستاذاً لدراسات الهند والفلسفة المقارنة في جامعة طهران (1962-1980)، لإقامة "حلقة الوصل" لتجاوز البرزخ الأول المنتصب بين الديانات الشرقية الكبرى، بين التصوف الإسلامي والتصوف الهندوسي والصيني والياباني. وذلك قبل أن يشرع في مهمته الثانية مكافحاً، منذ الثمانينات وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979 ومغادرته طهران إلى باريس ونشر كتابه الأشهر "ما الثورة الدينية؟" (1982)، لإقامة "حلقة الوصل" الثانية لتجاوز البرزخ الثاني والأكبر القائم بين الحداثة الغربية والحضارات التقليدية الكبرى. شدّد شايغان، في كتاب "ما الثورة الدينية؟" و"هوية بأربعين وجهاً" على فكرة أن الغرب والشرق يمران بمأزق حقيقي، حيث يفتقر الغرب إلى الثراء الروحي في الحضارات التقليدية الشرقية، ويعاني من "الفراغ الهائل في المعنى"، كما أن عقله التنويري الذي "نزع السحر عن العالم" تحول إلى "عقل أداتي" تقني تتحكم فيها المصالح الرأسمالية بالدرجة الأولى، ومقياس قيمته الوحيد "هو قيمته الإجرائية ودوره في السيطرة على البشر وعلى الطبيعة" كما ينقل عن ماكس هوركهايمر ومدرسة فرانكفورت. وفي المقابل لا يمكن للشرق بحضاراتها التقليدية أن يفلت من مجال الجذب الهائل الذي خلقه الغرب كحضارة عالمية. وما يطمح إليه شايغان هو أن يكون "مجمع" هذين البحرين والعالمين المتواجهين. وفي هذا السياق أسس شايغان "المركز الإيراني لدراسة الحضارات" في العام 1976، وإليه يرجع الفضل في صياغة مصطلح "حوار الحضارات" في مؤتمر دولي نظمه المركز في العام 1977، كما استحق في العام 2009 الفوز بجائزة "الحوار العالمي" الدولية تقديراً لإسهاماته في مجال حوار الحضارات والثقافات. وتقف محاولة شايغان على النقيض من تلك الاستجابات الاختزالية التي فرضت نفسها في العصر الحديث، والتي يسميها شايغان بـ"الأدلجة". وتستوي في ذلك أدلجة الغرب والتراث معاً، فالأولى قادت إلى التغرّب (التفرنج)، فيما انتهت الثانية إلى التأسلم. تمثل الأدلجة حالة من "التغرّب اللاواعي" الذي يتحول إلى "وعي زائف" يسعى إلى "وصل عالمين متباعدين لدمجهما" على نحو ترقيعي ومجزّأ واختزالي.



لا ينبغي أن يتبادر إلى الذهن أن أفكار داريوش شايغان كانت منسجمة ومترابطة بهذا الشكل. أقول هذا حتى لا يلتبس الأمر على بعض قراء شايغان الذي امتاز فكره بالحيوية والتجديد إلى درجة الانتقال من النقيض إلى النقيض من كتاب إلى آخر. فمن قرأ، على سبيل المثال، كتابيه "الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية" (1976) و"آسيا مقابل الغرب" (1977) سيفاجأ بالتأكيد حين يقرأ نقيضهما في كتابيه الآخرين: "ما الثورة الدينية؟" (1982) و"النفس المبتورة" (1991)، ثم لن يستقرّ الحال مع هذا القارئ حتى يفاجأ، مرة أخرى، بطرح مغاير في آخر كتب شايغان وهو "هوية بأربعين وجهاً". والحقيقة أنه يمكن فهم هذا التحول في أفكار شايغان المتغايرة من خلال قراءتها في ضوء مسيرته الفكرية بأكملها. وهي مسيرة تتوزّع على ثلاثة مراحل أساسية، حيث تمتد المرحلة الأولى على كامل الستينات والسبعينات من القرن العشرين. وفي هذه المرحلة كان شايغان يدافع عن فكرة محورية لديه وهي وجود تباين أنطولوجي بين المجتمعات الشرقية والغرب، وكان، في هذه المرحلة، أكثر ميلاً لتبجيل الحضارات الشرقية وميراثها الروحي كما في كتابيه "الأصنام الذهنية والذاكرة الأزلية" و"آسيا مقابل الغرب". وفي المرحلة الثانية يكتشف شايغان أن "الذاكرة الأزلية" للحضارات الشرقية لم تكن إلا انعكاساً لحالة الجمود والعجز عن التجديد والتجدد وانطفاء الحيوية في هذه الحضارات منذ القرن السابع عشر. وهو القرن الذي شهد تربع الغرب وحداثته العقلانية على قمة الحضارات الإنسانية. وهو الأمر الذي سيفرض على شايغان تركيز الدراسة على المواجهة المحتومة بين هذه الحداثة التي أصبحت هي موضع التبجيل، وبين الحضارات التقليدية التي تركز عليها نقد شايغان الجذري. وأبرز كتاب يعبّر عن فكر شايغان، في هذه المرحلة، هو كتاب "ما الثورة الدينية؟" الذي صدر بعد الثورة الإسلامية في إيران، وكأنه رد مباشر عليها وعلى توجهاتها الإسلاموية. وفي المرحلة الثالثة يتمكن شايغان من تجاوز مرجعياته القديمة جنباً إلى جنب مع تجاوز النقد الأحادي للغرب وللحضارات التقليدية سواء بسواء. وينتصب كتابه "هوية بأربعين وجهاً" كأوضح مثال على هذا التحول الأخير في مسيرة شايغان الفكرية. ففي هذه المرحلة يشدد شايغان على ضرورة "توجيه الفكر نحو وظيفة نقدية مزدوجة" بالكشف عن الأدلجة المزدوجة التي طالت الحضارات التقليدية والحداثة معاً. كما أنه ينتهي إلى أن الهوية الأحادية النقية والخالصة، سواء للغرب أو الشرق، لست سوى وهم كبير. وهو ووهم يتأسس على اختزال عقيم للتنوعات البشرية الهائلة في ثنائية زائفة: (نحن والآخرون).


وفي هذه المرحلة الأخيرة يلتقي درايوش شايغان الأخير بداريوش شايغان الأول الذي بدأ كباحث مشدود إلى "مجمع البحرين"، إلى تلك النقطة التي تلتقي فيها الحكمتان العظيمتان: حكمة التصوف الشرقية والتسامح السخي والإيمان بالتنوع وبأن هناك طـرائـق بـعـدد أنـفــاس الخـلائـق وهويات بأربعين وجهاً، وحكمة الحداثة الغربية التي أرسى دعائمها عصر التنوير وقيمه الكونية العظيمة (التسامح، الكونية الإنسانية، حقوق الإنسان الطبيعية...). ويبدو أن مستقبلنا سيتوقف على مدى قدرتنا على الجمع بين هاتين الحكمتين، وعلى التكامل الإنساني، والتواصل الحقيقي عبر الحضارات، والحوار بين الثقافات، والتسامح الذي يعني، كما قال شايغان، "قبول الآخر وترويض ذواتنا" المتضخمة، وأخيراً ربما يتوقف مستقبلنا على الحب حيث "إن أحد الشروط الأساسية في كل حوار ربما يكون الحب". هذا إذا أردنا أن نكون على موعدنا مع التاريخ بدل أن نستفيق، يوماً، لنجد أنفسنا "خارج التاريخ"، وأثراً من آثار الماضي.


-----------------------

د. نادر كاظم ... كاتب بحريني وأستاذ الدراسات الثقافية بجامعة البحرين

2 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email