أي مستقبل للقصة القصيرة في زمن العولمة؟


بدأ فنّ القصّة القصيرة في الظّهور والانتشار في معظم البلدان العربيّة في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، وذلك بفضل التطوّر العلمي والصناعي وانتشار التعليم، ودخول المطبعة الحديثة، وظهور الصحيفة، التي خلقت جمهوراً جديداً من القراء ذا احتياجاتٍ ثقافية جديدة.

كانت القصّة القصيرة نوعاً أدبياً جديداً يتناسب مع الحالة الإجتماعيّة التي أفرزتها تلك المرحلة التاريخيّة المهمّة.

لقد كانت القصّة القصيرة فنّ القرن العشرين، بكل ما صاحبَ هذا القرن من أحداثٍ عظيمة، وتحوّلات إجتماعيّة واقتصادية وسياسية كبيرة، انعكست في ملامح القلق الوجودي، والانكسار النفسي، والإحباط، ومرارة الهزيمة، والضياع، والاستلاب.

فالقصّة القصيرة كانت الوسيلة الأفضل للتعبير عن تحوّلات القرن العشرين، بما تمّيز به هذا الفنّ من إيقاعٍ سريع، ومتجدّد، وإمكانات لا محدودة في تفتيت الحدث، وتثوير اللغة، وتفكيك البناء القصصي، واختفاء الحكاية، واقترابه من عوالم الشّعر المدهشة، وتلاعبه بعنصر الزمن، وتسلسل الأحداث، وكسره كلّ المعايير الفاصلة بين الشكل والمضمون، واستفادته من تقنيات اللغة السينمائية، والمسرح، والفن التشكيلي.

القصّة القصيرة تتعامل مع (الانكسار والهزيمة والإشفاق والكبت والضياع، ولا تتعامل مع الانتصار) كما يقول "فرانك أوكونور" في كتابه (الصوت المنفرد).

مع نهاية القرن العشرين شهد العالم العربي انكسار المشروع القومي، وانهيار المنظومة الاشتراكية، وسقوط الاتحاد السوفياتي، وما تبع ذلك من فقدان التوازن الدولي، وسيادة القطب الواحد الأمريكي، الذي مارسَ الهيمنة على دول العالم بشكل عام، وعلى دول العالم الثالث بشكل خاص، عبر مفاهيم النظام العالمي الجديد، والعولمة الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة، وفرض القوّة العسكريّة.

بدتْ هذه العولمة طوفاناً يكتسحُ كلّ ما في طريقه، معلنة موت الجغرافيا، والحدود، والهويّات القوميّة والثقافيّة، والكيانات السياسيّة، وأصبحت تقتحم حياتنا اليومية بكلّ تفاصيلها، مثلما اقتحمت الموسيقى والسينما والأدب، ولم يعد بوسع أحدٍ أن يغلقَ الباب في وجه الطّوفان الكاسح.

وشهدت بداية الألفيّة الجديدة ازدهاراً واضحاً في الكتابة الروائيّة على حساب القصّة القصيرة والشّعر، ووصل الأمر إلى إطلاق التحذيرات على مستوى العالم من أنّ فنّ القصّة القصيرة في طريقه إلى الانقراض، مثل إدراج جريدة (لوموند) في ملحقها الثقافي الأوّل سنة 1982 ثمانين قصّة قصيرة، وعقد مؤتمر عالمي بإنجلترا في 2005 يدعو لإنقاذ القصّة، وكان آخرها مطالبة المجتمعين في ملتقى عمّان الثالث للقصّة القصيرة، في يوليو من هذا العام، بضرورة وجود صحوّة لإعادة فكرة القصّة القصيرة وفق تقنيات جديدة لم يلتفت إليها المبدع، وأشارت إلى انحسار الضّوء عن القصّة القصيرة بسبب ما أسمّتهُ طغيان الرواية، وأنّها استنفدت كلّ أغراضها الفنية، وبدأت تذوب في خضمّ السيل الجارف للرواية.

لكن لماذا هذا الإقبال المتزايد على كتابة الرواية في العالم، وفي عموم الوطن العربي، ففي ألمانيا تحصل الرّوايات التي تُطبع بحجم كبير على مبيعات أعلى، وصدرت في المملكة العربيّة السعوديّة لوحدها 54 رواية في عام واحد (2006).

في عصر العولمة أصبحت الرّواية الفنّ الأكثر حضوراً بين القراء، والأكثر إغراءا لتأليفها وترجمتها إلى اللغات العالمية، التي غالباً ما تكون اللغة الانجليزية، وتحويلها إلى أفلام ومسلسلات تلفزيونية.

الكتابُ أصبح سلعة اقتصادية، ومنتوجاً للتصدير، عليه أن يدرَّ الكثير من المال، وسوق الكتاب يتطلّع إلى الكتب الأكثر رواجاً، والتي تباع ما بين خمسة إلى عشرة ملايين نسخة في العالم، والتي تتحوّل إلى أفلام سينمائية تدرّ أرباحاً إضافية، وبالمقابل صار الكتّاب يطالبون الناشرين بهامشٍ للربح بين 12 و 15 بالمائة بدلاً من 4 أو 5 بالمائة في السابق.

سوق النشر هذا هو الذي يحدد الآن أيّ التيارات أو الأجناس الادبيّة مطلوبة، والتي ستهيّمن على صناعة النشر بشكل عام في العالم، فيما العولمة تقذف ببقيّة الأجناس الأدبية، التي لا تحقق الربح الحقيقي إلى متاحف التاريخ.

وتلبيةً لشروط النشر الجديدة توقّفَ الكثيرون عن كتابة القصّة القصيرة مع نشر أوّل مجموعة قصصية لهم، واتجهوا مباشرة إلى كتابة الرواية، لأن كتابة القصّة أشبه بتمرين لكتابة الرواية، التي ستأخذهم إلى عالم الشهرة الحقيقيّة.

وسهّلتْ دور النشر العربيّة أمام الكتاب نشر نتاجاتهم، فبإمكان أيّ كاتبٍ أن يدفع ألف دولار لأيّ ناشرٍ في بيروت أو دمشق أو القاهرة لطباعة كتابه.

في عام 2000 نشر (بيل غيتس) كتابه (الأعمال بسرعة الخاطرة)، ترجمهُ إلى العربية الدكتور فتحي حمد بن شتوان، وفيه يشير (غيتس) إلى توقعاته عن الزّمن القادم، وإنسان الزّمن القادم، متوجهاً بحديثه إلى رجال الأعمال، وقطاع المديرين التنفيذيين للشركات، ولم يكن يعنيه أن تستنبط من كلماته هذه نظريّات أدبيّة في فنّ الرّواية.

يقول (غيتس) أنّه في خلال عقد من الزمان سيستعمل معظم الناس الكومبيوترات الشخصيّة بانتظام في العمل والبيت، وسيستخدمون البريد الإلكتروني بصورة روتينية، ويرتبطون بالانترنت، ويحملون أجهزة رقمية تحوي معلومات عنهم وعن أعمالهم. ستظهر أجهزة استهلاكيّة جديدة تتناول، في شكل رقمي، كلّ أنواع البيانات تقريباً: النصّ والأرقام والصوت البشري والصور المتحركة. أنا أستخدمُ عبارتيّ (أسلوب عمل الانترنت) و (أسلوب حياة الانترنت) للتأكيد على تأثير العاملين والمستهلكين المستفيدين من هذه التوصيلات الرقمية. اننا اليوم لا نتصل عادة بالمعلومات إلا عندما نكون على مكاتبنا موصلين إلى الانترنت بسلك مادي، أما في المستقبل فثمة أجهزة رقميّة نقّالة ستجعلنا على اتصال دائم مع نظم أخرى وناس آخرين، كما أن أجهزتنا المستخدمة يومياً مثل عدّادات الماء، والكهرباء، والأنظمة الأمنية، والسيارات، ستكون موصولة لتقوم بإبلاغنا عن أدائها وحالتها. إنّ كلّ تطبيق من تطبيقات المعلومات الرقميّة هذه يقترب الآن من نقطة انعطاف اللحظة، التي عندها يصبح التّغيير في ما يستعمله المستهلكون مفاجئاً وهائلاً، وهي معاً ستحوّلُ أساليب حياتنا وعالم الأعمال تحويلاً جذرياً.

أنّ الأدب العربيّ يعاني من عزوف الجمهور والمتلقي عنه، وذلك لأسباب كثيرة متلازمة مع أزمة الثقافة والتعليم، ولقناعة المتلقي بأنّ الكِتاب أو الصحيفة أو المجلة ليست المصدر الوحيد للمعرفة، فهناك القنوات الفضائية، والانترنت، ووسائل الاتصال الحديثة، التي تتيحُ انتقال المعلومات بسهولة ويسر. إضافة إلى أن ما يُقدمُ له من منتج أدبي لا يتواكب مع العصر، ولا يزال يتوسّلُ الطرق التقليدية في الوصول إلى الجمهور.

وهذا دفع بالكثير من المبدعين إلى محاولة ردم الفجوة الحاصلة بينهم وبين المتلقي، الذي يحتاج إلى توافر الكثير من عناصر الجذب في النصّ الأدبي كي يُقبل عليه، فكان توظيف التكنولوجيا أفضل طريقة لجذب المتلقّي المعاصر.

لقد ظهر إلى الوجود مفهوم الحياة الرقميّة، والمجتمع الرقمي، والواقع التخيّلي، والمدارس الافتراضيّة، والتجارة الإلكترونيّة، فهلّ يعني هذا ظهور نموذج جديد من الكتابة الروائيّة تعتمد على التقنيات المذهلة للمعلوماتية، في محاولة للابتعاد عن الأطر التقليدية، وبحثاً عن آفاق أوسع للمغامرة الروائية.

لقد أتاحتْ التكنولوجيا الحديثة للمثقّف ما لم تُتحْ له من فرصٍ للبحث، أو التواصل مع الآخر، أو الحصول على المعلومات والمعارف، فالانترنت والبريد الالكتروني، وصفحات التواصل الاجتماعي (التويتر، والفيسبوك وغيرها)، ووجود العدد الكبير من المنتديات والمواقع الالكترونيّة، التي أعطت مساحة كبيرة لأي كاتب، أتاحت إمكانيّة التواصل والتفاعل السريع مع المتلقين، والاستماع إلى آرائهم في ما يكتبون.

منذ أن أصبح الكومبيوتر الأداة الأساسية للكتابة بالنسبة لأغلب الكتّاب، ازدادت التنبوءات بمستقبل جديد للأدب، وبأشكال جديدة للكتابة، فَبَرزَ الأدب التفاعليّ والأدب الرّقمين حيث يحتار القارئ، أو المشاهد، أو المتصفح، في تصنيف الجنس الأدبي الجديد.

يقول الكاتب الأردني محمد سناجلة عن تجربة (صقيع): أنّه نصٌ من الصعب جداً تصنيفه، انه يمزج ما بين السّرد والشّعر والموسيقى والغناء والسينما الرقميّة المنتجة بالكامل باستخدام التقنيات الرقميّة، وبالذات برامج فلاش ماكروميديا، وفنّ الجرافيك، وبرامج المونتاج السينمائي المختلفة.

التّغيير أساس الحضارة، حسب قول ابن خلدون في مقدّمته، وأنّ الأجناس الأدبيّة لها دورة حياة مثل الكائنات الحيّة، تولد وفق سياقات إجتماعيّة، وضرورات فنيّة، تلبي حاجات المجتمع ثم تموت، كما يشيرُ إلى ذلك الباحث الجزائري الدكتور عبدالرشيد بوشعير، فالملحمة التي عبّرتْ عن الفترة الإقطاعية ماتت واندثرت مع بروز الطبقة البرجوازية، التي أفرزت ملحمتها الخاصة وهو الرّواية.

وصف الأديب الكبير يحيي حقّي القصّة على أنّها (النّظرُ إلى الحجرة الكبيرة من ثُقب الباب) ولكن يبدو أنّ القصّة الآن هي النظر إلى فضاءٍ شاسعٍ لا تعرف حدوده، لا تعرف من أين يبدأ وأين ينتهي.

هل سنشهدُ بداية نهاية الأجناس الأدبيّة التقليدية، هل ستصبحُ القصّة القصيرة مثلها مثل المقامة والأساطير والحكايات الشعبية والملاحم شيئاً من الماضي؟ لا أستطيعُ أن أجُزمَ بذلك، ولكنني أجزمُ أنّ هذا العالم لن يتوقّف عن التغيير والبحث عن الجديد.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email