تطارد النحلَ فتطرد العسل


الوقتُ هو المسافة الرحيمة التي تصقل الفن على مهلٍ. مثل حجر المنجم مصقولاً نحو الجواهر.

(هل فكرتَ في السهر تعدّ النجوم؟ إنها المهنة التي يتوجب عليك احترافها وأنت نحو الكتابة).

ففي القلب من رصانة الزمن، يمكن أن تنشأ التجربة زاخرة بمكتشفات الجمال. تتقدمُ في الزمن وتطعنُ في الكتابة، فتتاح لك فسحة كريمة لتأمل فضاء الحياة، وتقرأ نفسكَ كما لا يقرأها الآخرون.

على ألا تثق كثيراً في صنيعك الأدبي، فليس في ما تنجزه سوى أصداء ما نويتَ من أحلام. إنه صنيعٌ يفتنُ غروركَ، وليس بالضرورة يقنع ضميرك.


2

هذا ما يطمح إليه المبدعُ وهو يسعى بتجربته، في سبيل وعي الحياة، والمزيد من تأمل المشاغل في ورشة الشغل. الأمل في العمل، (أحب تجربة أن نقول عكسَ ذلك أيضاً).


3

في التجارب الأدبية الفنية الجديدة، مزيجٌ من مراحل مختلفة، وانتخابٌ من سياقات فنية، يحاول فيها المبدع الإصغاء لمعطيات متغايرة في تجربة تتماثلُ، في مزيدٍ من القلق (لئلا أقول عدم الثقة) في فضاء الزمن والعمل.


4

علينا ترك الأشكال تتحول ... على مهلها.

(لا تطارد النحل، مستعجلاً ، فتطرد العسل.

ففي الوقت ما يكفي من النار لكي تصقل الأكباد والأوردة). فالنار الهادئة صديقة المستقبل.

أرى إلى الإيقاع المتسارع الذي تفرضه وسائط الاتصال الحديثة على شباب الكتابة الراهنة، فأضع يدي على قلبي، خشيةً من تسرّعٍ يفسد ذخيرة إبداعهم.

كل سهلٍ لا يمتنع، يأخذنا إلى إخفاقٍ سهل.

(أوسكار وايلد قال: أكثر الشعر الرديء كُتبَ بمشاعر صادقة)، غير أنني أحبُ عنفوان الشباب واندفاعاته الفاتنة. لقد خبرت ذلك، وكان إخفاقي الكثير زيت القناديل.


5

كنت أنتظر الشتاء لكي أكتب، فيغمرني الصيف بزمهريره الفتيّ، لكي أنجز النص. فما أن أبدأ حتى أعرف أن الصيف يضيق عليّ، وسرعان ما أتأكد بأن الوقت برمته لا يكفي. (ذلك كان اقتراح الطبيعة، غير أن من حقك الآن ابتكار فصولٍ أخرى للسنة).

ربما لأن حاجتي إلى مسافة أكبر من التأمل والقراءة تزاحم اندفاعاتي المتهورة للكتابة، غير أن القراءة هي أيضاً ضربٌ جديرٌ من العمل.


6

(يصح لك العمل عندما يبدأ، لكن ليس عندما تبدأ).

آلة الشغل لديك ترتاح في فضاء القراءة، وليس مثل القراءة فسحة كريمة للتأمل. الكتابة المتواصلة محمودةٌ فقط عندما تكون مرصودةً بقدرٍ كافٍ من مراجعة الذات ونقدها. الآلة، حتى الآلة، تظل بحاجة إلى الصيانة والزيت بشكل دائم، لكي تؤدي عملها بشكل جيد.

أما الإنسان، وهو المبدع بعاطفته ومعرفته، فيستدعي استعادة الأنفاس، بين وقت وآخر، لكي يقوى على التطور وبلورة صنيعه الإنساني.

(ترى ما هذه الصدفة اللغوية الفذّة، التي جعلت الأملَ اشتقاقاً جميلاً من التأمل؟ هذا ما يحتاج إليه الإنسان فيما يفكر ويشتغل ويسعى إلى الأجمل).

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email