زواج الكتابة بالرسم


عندما حاولتُ الرسمَ، في مرحلة البحث الباكرة، كان ذلك في أوائل الابتدائية، وكنتُ أيامها أسارع في التحاقي بجمعية الرسم، متوهماً أن مجرد الانتماء لتلك الجمعية من شأنه أن يجعلني رساماً.

كان الأستاذ «خالد زنتوت»، مدرس الرسم في «مدرسة الهداية بالمحرق»، هو من لقنني (هل أقول جرّعني) حقيقة عدم صلاحيتي للرسم، فالرسم فنّ، والفن يتطلب موهبة فنية، وهذه الموهبة ليست متاحة لمن يتمناها فحسب. لقد كنتُ لا أكاد أحسن رسم سمكة. في حين معظم زملاء الجمعية يرسمون الأشخاص والطبيعة والحيوان والطير. وأذكر أن أحدهم يبزّ الجميع فيرسم الحدأة، التي كنتُ تعرفتُ عليها، لأول مرة، في كتاب المطالعة. أخفقتُ في كل مرة في تخطيط الشكل الفني، الذي يعتمدونه في دروس الرسم منذ أوائل القرن الماضي. فعندما لاحظ رئيس الجمعية إمعاني في الفشل، رأفَ بروحي المعنوية، وأقدمَ على وضع حدّ للتدهور المعنوي الذي أتعرض له، فبطريقته الفذّة لخلع بردته على من يُحب، أقنعني بالبحث عن موهبتي في مكان آخر.

2

الأستاذ «خالد زنتوت»، اتبع أسلوباً بارداً لتوصيل تلك الحقيقة لي، تفادياً لجَرحي، أو فقدي الثقة في نفسي. وأذكر أنه أخذ يكلفني بمهام عملية كثيرة مختلفة في الجمعية، ليس من بينها الرسم، لمساعدتي على أمرين: التخفيف من ولعي بمسألة أن أكون رساماً، ودفعي للبحث عن طريقٍ جديدةٍ للتعبير عن نفسي.

أذكر خصوصاً أنه طارَ فرحاً عندما سمع من الأستاذ «عبدالحميد المحادين» أنني من الطلبة الذين يمتلكون قدراً لا بأس به من التعبير في درس اللغة العربية.

وقد افترّ ثغر الأستاذ «زنتوت» عن ابتسامة كبيرة، وهو يستقبلني الأسبوع التالي في غرفة الرسم بالغرفة العلوية لمبنى المدرسة القديم، رأيتُ ابتسامته الكبيرة تفرج عن أسنانه المزينة بالسنّ الذهبية التي كانت تموّه أثر التدخين الذي لم يكن يتوقف عنه.

(هناك ألوان ليست في اللوحة، تفتح الدفتر فتراكَ النوافذُ مكتنزاً بالهواء، فتعرف كم أن اللون يعطش مثلك، والماءُ شحيح).

استقبلني الأستاذ «زنتوت» يسألني، مشجعاً، عن حب اللغة العربية وإمكانية الجمال في التعبير الأدبي. والحق أنني لم أتوقف عند تلك المبادرة من أستاذ الرسم، لأن الأستاذ المحادين قد قطعَ شوطاً لابأس به في وضع الخيار الأدبي أمام خطواتي.

3

وعندما بدأتُ أنسحب، تدريجياً، من جمعية الرسم، وأطوي أوهامي المتعلقة بالرسم، رحتُ أتلفت لسبلٍ مختلفة من أجل ممارسة هوايتي.

كما لو أنني قد قررت أن أكون فناناً رغماً عن فشل مدرس الرسم في اكتشاف موهبتي. (تلك كانت مكابرة تليق بفنانٍ مستحيل).

4

حتى أنني عندما التحقتُ بجمعية الأشغال اليدوية، في السنة التالية، كانت محاولة مرتبكة لاستعادة الثقة في النفس، غير أن صرامة (لكي لا أقول قسوة) الأستاذ «ربحي» مدرس الاجتماعيات، ساعدتني على مغادرة تلك المحاولات (الفنية) إلى الأبد. ثم اكتفيتُ ببعض المحاولات في البيت، حيث كنتُ أقتني بعض الألوان وأمارس شخبطة الهاوي المتهور، وأذكر أيضاً، أنني فعلتُ ما كان رائجاً وقتها: مزجُ عدة ألوان زيتية في منتصف الورقة، ثم ثنيها، وبسطها، لتبدو تلك الفراشة، فأتوهم أنني نجحتُ في الرسم، رسم تلك الفراشة على الأقل.

كل ذلك لم يكن يفلح.

(كنتُ أفكر في اقناع التراب من أجل أن يكفَّ عن الاستسلام لحظيظه. غير أن الحوار بيننا لا يستمر).

5

فإذا وضعنا تلك المحاولات الباكرة لمقاربة الرسم والفنون في سياقها المستقبلي، وتحولات المشاغل التي انهمكتُ فيها لاحقاً، سأرى إلى نزوعي العارم نحو الفنون التشكيلية في مستقبل التجربة، بمثابة إعادة الاعتبار لإخفاق الولع المبكر بالرسم، ذلك الولع الذي كان يَقْصُرُ عن الموهبة.

فلما صار لي الزعمُ بتحققي في الكتابة، بعد سنوات طويلة من المحاولات، تيسر لي اكتشاف الأفق الجديد أمام البحث المنبثق في تجربتي الشعرية. فقد تفجرتْ الالتفاتة الإبداعية لجماليات الفنون البصرية، بوصفها الجناح، بل الأجنحة الكثيرة للتعبير الشعري الذي استغرقني طوال العمر. وطفقتُ أَجِدُ نفسي في عديد من التجارب المشتركة مع فنانين في الرسم والتصوير، ممتثلاً لعنفوان الطاقة التعبيرية في هذه الفنون، وهي طاقة سبق أن تميزتُ بالفشل فيها، تلك الأيام.

6

أكثر من هذا، أعتقدُ، الآن، أن إعجابي بالرسام الهولندي «فنسنت فان جوخ» وولعي بحياته ورسمه، هو نوعٌ من التعويض اللاشعوري عن فقدي القديم لهذا الفن. وما تحيتي الخاصة له بكتاب (أيها الفحم يا سيدي) إلا الدليل العميق على رغبة مكبوتة للتعبير بالتشكيل.

وربما أنني لم أفقد الأمل كلياً، في أن أكون رساماً، فقد وجدتُ نفسي، في تجربتي مع «طرفة بن الوردة»، أشتغل، أثناء ورشة خطّ النص الذي عملتُه بالأحبار، على أنواع مختلفة من الورق الفني، وأرسمُ بعض الأعمال الفنية الممزوجة بالخطوط والألوان. حتى أن الأمر وصل بي لحدّ عرض بعض هذه الأعمال الفنية، بتشجيعٍ من بعض الأصدقاء وصاحبة غاليري «الرواق»، في حفل تدشين كتاب (طرفة بن الوردة). لكي أمعن في المغامرة، وأتشجع بتكرار التجربة الفنية ثانية في حفل توقيع كتاب (أيها الفحم ياسيدي).

7

(الجسارة ليست في الحب، الجسارة أن تعلنه)

الآن، أستطيع الزعم أن ثمة انتقاماً متأخراً لنفسي من نفسي. فشهوة أن أكون رساماً، لم تكن عابرة، وورشة البحث عن طريقة للتعبير عن النفس، عندما تعرضتُ للمنعطفات المحتدمة، تكللت أخيراً بما يشبه تتويج (أحبُ استخدام تعبير/ تزويج) الكتابة بالرسم.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email