شرط القطيعة

 

يصادفني كثيراً الشرط الذي كان متداولاً بيننا، منذ منتصف القرن الماضي، عندما يتعلق الأمر بالحداثة، وأظن أنني تحدثتُ عن ذلك غير مرة، في مناسبات مختلفة، في معرض الكلام عن متعثرات حداثتنا العربية. وما يقلقني في هذا السياق أن قدراً كبيراً من حوارات الثقافة العربية، هو التداول الحماسي لعديد من المصطلحات الثقافية دون التوفر على وضوحٍ لازمٍ يتطلبه مثل هذا الحوار وهكذا مصطلحات. 

 

٢ 

في الثقافة العربية، مثلاً، ورثنا عادة الحوار، بوصفه كلاماً متراكماً لا ينطوي على معرفة. ثمة توافق غير معلن على موهبة الإنشاء، والإنشاء تقليد عربي نتلقاه منذ سنوات الدراسة المبكرة، يتم تدريب قدرتنا على القول الكثير بلا أهمية للمعلومة فيه، الأمر الذي يجعل المعرفة فعلاً مؤجلاً، يتأخر عنه الكاتب، ولا يكترث به القارئ. 

 

٣ 

ومن المصطلحات الجديدة التي يجري تداولها، منذ بداية الكلام العربي عن التغيير في الثقافة والأدب العربيين، هو مصطلح (الحداثة). وبما أنه مصطلح مستحدث في سياق التجربة العربية، حدث الانفصال البنيوي في وعينا للمصطلح ودلالاته المختلفة. وربما أدى هذا إلى التفاوت الفجّ بين الحداثة في الأدب والثقافة، والحداثة في الحياة والمجتمع العربيين. ذلك أن مفهوم الحداثة في المجتمعات الغربية، قد يجد سياقاته الموضوعية المتصلة بحداثة تتمثل في حياتهم اليومية، فكراً وممارسة، لكننا، في الواقع، سنقع ضحية الفجوة الحضارية التي تعاني منها مجتمعاتنا، دون أن تكترث مؤسسات التعليم والثقافة عندنا بمسألة معالجتها وتجاوزها. 

 

 

٤ 

والذي فاقم هذا الانفصال عندنا، أن هناك من اقترح علينا شرطاً يقضي بالقطيعة مع الماضي، كي نكون مؤهلين لتحقيق (الحداثة). بالطبع سنتفهم دوافع مثل هذا الاقتراح، غير أن تخلفنا ليس ناشئاً، فحسب، من تحكم تاريخ الأموات في الأحياء، بل ربما نشأ أيضاً من خللٍ في معرفتنا باللحظة الحضارية التي نتعثر بتسارعها، فيما نتخبط في براثن أنظمة ومؤسسات تقصر عن وعي المعرفة أو تفاديها. 

 

٥ 

فإذن، جاء اقتراح القطيعة مع التراث، وأخذه مأخذ القانون، ليوقع تجربتنا مع الحداثة في ارتباك لا نحسد عليه. أكثر من هذا، فقد حرم أكثرنا مما يفترض أن يكون واحداً من مصادر معارفنا الثقافية، وهو التراث، خصوصاً وأن شرط القطيعة قد خصّ التراث على وجه التحديد، كي يأتي الكاتب الجديد، جديداً خالصاً نقياً، وبريئاً من الماضي. 

 

٦ 

بهذا الشكل، سنصدر عن خللٍ فادح في مواجهة الكتابة، فليس من المتوقع أن يكون ذهابنا إلى مستقبل الكتابة، عراة من المعرفة الكافية لتاريخ الكتابة. وظني أن خسارتنا كانت كبيرة، ففي التراث العربي ما يغني ذخيرة الموهبة الجديدة، ليس معرفياً فقط، ولكن خصوصا لغوياً، مما يجعل استعدادنا في تقنية الكتابة جديراً بالمزاعم التي لم نتوقف عن طرح الصوت بها. حتى أننا كنا، في ذلك السجال السبعيني، نكابر بالقول إن الحداثة تعني، في ما تعني، من أجل التحليق في فضاء الإبداع، ألا نبدأ تجربة الطيران بمرحلة البالون. 

 

 

٧ 

القطيعة مع التراث واحدة من الأخطاء الفظيعة التي، يجب أن نعترف، أن جيلنا قد تبناها بصورة أخلَّت بالاستعداد المعرفي لعديد من المواهب المهمة في جيلنا. وسوف نحتاج زمناً من التجارب المرتبكة، من أجل اكتشاف ما نتعثر به. وربما تلقينا مصطلحات الحداثة من شرفة الثقة المبالغ فيها، غافلين عن الموقف النقدي والقلق الذي تميز به «يورغين هابرماس»، وهو الفيلسوف الألماني الذي جاء متأخراً عن ديكارت وهيغل وماركس، رسل فلاسفة الحداثة المبكرين. 

وعندما قلت، منذ سنوات، (أن تعرف القاعدة جيداً، كي تكسرها بشكل ممتاز)، إنما كنت أعبر  عن قلقٍ يسعى إلى الوعي المستعاد، بما ينبغي علينا معرفة التراث، وتلك رغبة في مواصلة كشف المعرفة التاريخية لتجربتنا الحديثة، تفادياً لمواصلة الفقد الفادح.

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد