أي دور للمثقف العربيّ في عالم اليوم؟


"حتى الشيطان يخجل من الحقيقة"

- نيتشه-


هذا سؤالٌ لا تتمنى أن يُطرح عليك، لأن الإجابة ستكون: لا أعرف أي دور بقى للمثقف العربيّ، في عالمٍ لا نعرفُ فيه أين صرنا، وكيف، ولماذا؟.

وهو سؤالٌ تستتبعه أسئلة أخرى: من هو المثقف الحقيقي؟ هل حقاً نحتاجُ إلى المثقف في يومنا هذا؟ هل ما زال ضرورياً لمواجهة التحديات والمتغيرات العالمية الجديدة، والتحوّلات في صميم المجتمعات الإنسانية، التي بدأت تتسم بالشمولية والخطورة، وطالت بنياته الذهنية والسلوكية والاجتماعية؟

هل المثقف قادرٌ على استيعاب هذه التحديات، والتعامل معها بوعي وإدراك؟، هل بوسعه أن يقف أمام تيار جارف من التحوّلات والتقلبات الجذرية، في وقتٍ تتعالى في الغرب صيحات مثل: "نهاية المثقف"، و"موت المثقف"، و"الكائن التبريري الذي لا لزوم له" ؟.(1)

لم يعدّ للمثقف دور في تحديد مصير أمته، التي تمرّ بأسوأ مراحلها التاريخية، حيث الفوضى السياسية، والحروب الأهلية، والتهديد بالتقسيم الطائفي والمذهبي والقبلي.

انها مرحلة اختلال الأنومي أو اللامعيارية حسب تعريف عالم الاجتماع الفرنسي (إميل دوركايم) حيث في انتشارها تُصاب القيم والأعراف والقوانين في المجتمع بالضعف والوهن، وتفتقد بذلك القاعدة التي تعتمد عليها، بسبب عدم القبول أو عدم جدواها، والقناعة بها، وبالتالي يحدث قلق وتوتر لدى الفرد، ويعاني من الارتباك أو العزلة عن المجتمع.

لم يعد للمثقف العربيّ أي دور اجتماعي تغييري، فهو مسلوب الإرادة السياسية والثقافية، والحرية الفكرية، كي يخترق الواقع، ويسهم في تغييره.

وخلال العقود الخمسة الماضية من معاداة الثقافة والمثقفين، التي شهدنا فيها الكثير من المآسى، أظهر المثقف عجزاً واضحاً عن فعل أي شيء، فهو اختار: إما أن يستقيل من دوره الطليعي إزاء مجتمعه وشعبه وأمته، ويلتزم الصمت الثقيل، والسعي لتحقيق لقمة عيشه، وعيش أفراد أسرته، وتأمين مستقبلهم المجهول، أو أن يكون جزءاً من قطيع النخب المثقفة والدينية والإعلامية الانتهازية، التي انبرت للدفاع عن وجود أنظمة بوليسية قمعية مستبدّة، اسبغت عليها تسميات التقدمية والوطنية والشعبية، فأطلقت تسمية ثورات على انقلابات عسكرية لم تشارك الجماهير في حدوثها، ومجالس قيادات الثورات على المجالس العسكرية، والحركات التصحيحية على الحركات الانقلابية، وروّجت للمشاريع القومية الوهمية، ومجدّت القائد الأوحد والملهم والضرورة إلى حد التأليه، وألّفت له البطولات والمدائح لزعامته وعبقريته وتفرده، وبرّرت فرض الأحكام العرفية، وإعلان حالات الطواريء، والتوريث، والعبث بالدساتير، والتزوير في الانتخابات.

يُذكر أنّ الامبراطور الروماني (كاليغولا) دخل قاعة مجلس الشيوخ ممتطياً صهوة حصانه (تانتوس)، ولما اعترض أحد الأعضاء على هذا السلوك المشين، قال له (كاليغولا): أنا لا أدري لم يعترض العضو المحترم على دخول حصاني المحترم، برغم أنه أكثر أهمية منه، فيكفي أنه يحملني. فهتف نواب مجلس الشيوخ، وهللوا لحكمة الامبراطور، وأيدوه في قراره بتعيين حصانه العزيز عضواً في المجلس بدلاً من العضو المطرود.

في موازاة ذلك لا بد أن نذكر كيف أسبغ المثقفون العرب مكاييل المدح والثناء والاعجاب على المجموعة القصصية التي كتبها معمر القذافي في عام 1993 بعنوان (القرية القرية.. الأرض الأرض.. وانتحار رائد فضاء مع قصص أخرى)، فقد جُمعت الدراسات والمقاربات النقدية حول هذه المجموعة ووصلت إلى 878 صفحة من القطع الكبير، كلها تُشيد بالقذافي كاتباً وأديباً.

أحد النقاد العرب كتب حول هذه المجموعة:

( يستشعر القاريء أنه أمام أديب كوني، تأخرت عليه "نوبل"، وظلمته سدّة الحكم، وأتوجه بالدعوة إلى صاحبها كي يعكف بقدر ما يتاح له من الوقت والصفاء لمنحنا قصصاً جديدة ومتعاً جديدة، وما أحوجنا إلى مثل هذه القصص التي يمكن أن تكون المسحراتي الذي يوقظنا من سبات عميق ما زلنا نغطّ فيه) (2)

رغم أن هذه المجموعة عرضتها مجلة فرنسية على طبيب نفساني فقال: (إنّ هذا الكتاب يصلح تدريسه لطلاب الطب النفسي، كونه يجمع كل عناصر الهستيريا وجنون العظمة، وصاحبه يعاني من إحباط جنوني) (3)

في ما مضى كان المثقف العربي الحقيقي، أو "المثقف العضوي" الذي تحدث عنه (غرامشي)، يُبشر بالخلاص من الاستعمار والحرية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحداثة والتنمية، كان "لسان حال" الأحزاب والمؤسسات والقوى الوطنية والتقدمية، يُروّج للأفكار الجديدة، ويدافع عنها، كان يجد في فضاءات الحوامل الاجتماعية والفكرية من حركات وقوى تقدمية ووطنية مجالاً للنشاط والابداع، اختفى بتراجع واضمحلال هذه الحوامل الاجتماعية والفكرية في الوطن العربي.

كان يجسّد جرأة وشجاعة المثقفين في كل مكان، حين علت أصواتهم ضد الاستبداد السياسي والفكري والديني.. إنها صيحة (فولتير) المدوية من منفاه "اسحقوا هذا العار"، أو كتابات (روسو) النيّرة التي كانت مهاداً مشعّاً للثورة الفرنسية، أو مقالة (أميل زولا) القوية المعنّونة بـ "إني أتهم"، أو دفاع (فيكتور هوغو) عن الجمهورية، أو دعوة (رومان رولان) لتكوين جبهة ثقافية عالمية ومستقلة، تضمّ الفنانين والعلماء والمفكرين، أو كتاب (سارتر) الجريء "عارنا في الجزائر"، أو (ديستويفسكي) الذي كتب "ذكريات من بيوت الموتى" فأبكى قيصر روسيا وأمر بإيقاف الجلد في السجون الروسية، وكلكم يعلم بالمواقف المشرّفة لرواد النهضة العربية: الكواكبي، الطهطاوي، عبدالله النديم، محمد عبده، طه حسين، فرح أنطوان، سلامة موسى، اسماعيل مظهر، والطاهر الحداد.. وغيرهم.

في ظل الأنظمة الشمولية التي سادت المنطقة العربية رزح المثقف طويلاً تحت تهديد هذه الأنظمة، التي سعت إلى عزله عن شعبه، وعانى من الامتهان والاذلال والتهميش والاقصاء والقمع، ووطأة الاحساس بالاحباط والعزلة، هذه الأنظمة أعطته خياراً وحيداً: إما مع السلطة أو ضدها.

منذ منتصف ستينيات القرن الماضي واجه المثقف الهزائم والنكسات والصدمات السياسية والايديولوجية المتكررة، التي أحدثت في داخله جرحاً غائراً لا يندمل، تبخّرت معه كل أوهامه، وبدا عاجزاً عن مواجهة الحاضر بأزماته السياسية والاجتماعية والفكرية.

مع التحوّلات الهائلة في نهاية الألفية الثانية، التي أدت إلى تحوّلات جذرية في شتى مجالات الحياة، وسيادة التكنولوجيا الرقمية والافتراضية المذهلة، ونشوء السوق الكونية، كما يسميها عالم السياسة الأمريكي (بنجامين باربر).. هذه السوق التي حوّلت الإنسان إلى قيمة استهلاكية، وامتداد الثورة التكنولوجية، بتقنياتها وبرمجياتها واتصالاتها، لظهور مجتمع المعرفة، حيث الزخم المعلوماتي والتراكم المعرفي، والتدفق الهائل من البيانات والحقائق والوقائع بمختلف أشكالها، التي تنتقل بين البشر بفائق السرعة.

كل هذه التحوّلات أكدت على حقيقة واحدة هي أنّ المثقف لم يعدّ الشخص الوحيد الذي يمتلك المعرفة، وهذا الدور انتهى في العصر الرقمي.

وهذا ما أمكن تلمسه بوضوح في حركات الاحتجاجات العربية، التي انطلقت شرارتها في العام 2011، وسميت بثورات الفيسبوك والتويتر.

اشتهر موقع الفيسبوك في الوطن العربي، وانتشر بصورة مذهلة، لاعباً دوراً هاماً في تشكيل الرأي العام وتحريك الشعوب: ظهر كبطل إعلامي في كل مشاهد الاحتجاجات العربية، فغدا وسيلة التواصل الاجتماعي الأساسية، الأكثر انتشاراً، والأسرع في تحقيق التعبئة الجماهيرية لإحداث التغيير، حيث بلغ مستخدمي الفيسبوك بالعالم العربي مطلع 2010 حوالي 26 مليون مستخدم، وارتفع هذا العدد مع اندلاع الاحتجاجات إلى 36 مليون مستخدم. (4)

أما (تويتر) فهو، كما يصفه الكاتب البحريني الدكتور حسن مدن في عموده اليومي بجريدة الخليج الإماراتية، ميكرفون مجاني يمكن لمئة وأربعين كلمة أن تحدث من الأثر في الرأي العام ما لا تحدثه خطبة مجلجلة مزلزلة.

هذا في الوقت الذي فشلت فيه الوسائط السياسية والإعلامية التقليدية (النخب الثقافية، الأحزاب، النقابات، تنظيمات المجتمع المدني، والقنوات الإعلامية الرسمية وغير الرسمية) من فهم وتدبير ديناميات التغيير، وفقدت مصداقيتها.

الثورة المعلوماتية ساهمت في موت المثقف بخلق عالم افتراضي جديد غير مسبوق في التاريخ الحضاري الإنساني، تخلخلت فيه الوسائل التقليدية بالطفرة التقنية الهائلة في مجال انتقال المعلومات، والتقدم المذهل في وسائل الاتصال، والانفتاح المعلوماتي، والقدرة المنظمة على حصول المعلومات من أي مكان وتخزينها وإعادة إرسالها دون أي قيود.

في العام 2011 حين انتشرت وتصاعدت حركات الاحتجاج في العالم العربي، التي باتت تعرف بـ "الربيع العربي"، وهو التعبير الذي أطلقته صحيفة الاندبندنت البريطانية على تلك الحركات الشعبية الاحتجاجية، فقد المثقف العربي بوصلة التفكير، ووقف في آخر الصف متفرجاً، عاجزاً، خائفاً، محبطاً، لأحداث لم ينتبه لها، ولم يفهم كيف حدثت، ومن صنعها، وكيف تجاوزته الجماهير الشابة واستغنت عن وجوده، واستعانت بأدوات معرفية جديدة للتحشيد والتعبئة والضغط.

في مقالة مهمة تحت عنوان "المثقفون العرب الذين لم يزأروا" نُشرت في صحيفة (نيويورك تايمز) يتناول الصحافي الأمريكي (روبرت ورث) حالة التيه التي انتابت المثقفين العرب خلال "الربيع العربي" حيث لا توجد في تلك الانتفاضات الشعبية ملامح لحركة فكرية جديدة، أو لقيم بارزة، أو حتى لرموز ثقافية تقود المسيرات، أو تعتلي المنصات، كما حدث في أوروبا الشرقية عشية العام 1989، بل على العكس من ذلك، هناك شباب ثائرون في الشوارع يصطدمون بالقوات الأمنية أو الجيش في تحدٍ واضح للنظام. وفي مقابل ذلك، هناك أنظمة عسكرية مذعورة تحاول التمترس خلف قواتها المسلحة، كطوق نجاة أخير قبل غرق السفينة. أمام هذا المشهد يقف المثقف العلماني/الليبرالي محاصراً، فهو لا يسعه الوقوف مع النظام العسكري بعد سقوط كل تلك الدماء، ولا يستطيع الركون إلى الشارع الذي ينطلق من المساجد، ويعجّ بعشرات الهتافات الدينية. (5)

إن سرعة الاحداث التي انطلقت من العام 2011 وإلى الآن، جعلت المثقف يقف حائراً: فهو يرى كيف تمكنت الولايات المتحدة وحلفاؤها من احتواء حركات الاحتجاج العربية بشكل كامل، وعملت على إفشالها من الداخل، مثلما لعبت الدور نفسه من قبل في الثورات الملوّنة، التي شهدتها دول أوروبا الشرقية، من أجل الحفاظ على مصالحها في المنطقة، رغم ادعاءاتها بدعم رياح التغيير والديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن مع ذلك يطالب المثقف العربي أمريكا وحلف الناتو بسرعة التدخل العسكري لوقف زحف الغزاة الجدد من أتباع داعش والقاعدة.

أمريكا التي رأت في الربيع العربي "فرصة تاريخية للولايات المتحدة" كما قال رئيسها (أوباما)، أنفقت بسخاء تسعة مليار دولار، ووظفت كل امكانيات مواقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) و(تويتر) و(غوغل) من أجل تدريب وتمويل النشطاء السياسيين سواء في تونس أو في مصر أو في بقية الدول العربية، عبر مؤسسات مشبوهة مثل: الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، الصندوق الوطني للديمقراطية، ومؤسسة فريدوم هاوس.

وجدت أمريكا أنّ الوقت مناسب ٌ لتنفيذ مخططها لتكوين الشرق الأوسط الجديد، تحت غطاء نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات، تطبيقاً لما ورد في وثيقة المؤرخ والمستشرق البريطاني (برنارد هنري لويس) الداعية لتفتيت الشرق الأوسط إلى أكثر من ثلاثين دولة إثنية ومذهبية، والتي أقرها الكونجرس الأمريكي في عام 1983 في إطار ما بات يُعرف اصطلاحاً بـنظرية "الفوضى الخلاقة".

يذكر (برنارد لويس) في مخططه (أن العرب والمسلمين قوم فاسدون مفسدون فوضويون لا يمكن تحضيرهم.. وإذا تُركوا لأنفسهم فسوف يفاجئون العالم المتحضر بموجات بشرية إرهابية تدمّر الحضارات وتقوّض المجتمعات، ولذلك فإن الحل السليم للتعامل معهم هو إعادة احتلالهم واستعمارهم، ولا مانع عند إعادة احتلالهم أن تكون مهمتنا المعلنة هي تدريب شعوب المنطقة على الحياة الديمقراطية).

المثقف العربيّ فضّل أن يصمّ أذنيه ويغلق عينيه، ويحاول التعامي عما يحدث أمامه، فهو يعلم في قرارة نفسه أنه من قبيل الخداع الحديث عن تحوّلات ديمقراطية كبرى في مجتمعات تفتقر لشروط الديمقراطية بمعناها الكامل، بل هي مجتمعات تفتقر إلى الشروط البنيوية للديمقراطية الحقيقية، إذ لا قيمة للتحرر السياسي إذا لم يفرز تحرراً اقتصادياً، بل لا معنى للتحرر السياسي إلا أن يكون تحرراً اقتصادياً، وإذا كانت غاية الرأسمالية هو مزيد من بسط الهيمنة على الموارد الطبيعية والبشرية للمجتمعات العربية فكيف ستسمح بأن تكون لدينا ديمقراطية تملك تقرير مصيرها الاقتصادي؟. (6)

صمت المثقف العربي، والاكتفاء بمتابعة مجريات الأحداث المتسارعة، جعل الفجوة تتسع بينه وبين الواقع الذي لا يفهمه، وهذا ما جعله يتردد في تحديد مواقفه من مفهوم "الربيع العربي" هل هي ثورة شاملة، أم انقلاب على السلطة، أم حركة احتجاج، أم انتفاضة شعبية، أم مؤامرة إمبريالية كبرى.

أنه الآن أمام خيارين لا ثالث بينهما:

إما الإنحياز للنظام، أو الوقوف مع المطالبين بإسقاطه.

وخير مثال على ذلك موقف المثقفين العرب من الأحداث الدامية في سوريا: هل هي ثورة شعبية، أم هي مؤامرة لاسقاط الأنظمة العربية، التي تشكل سوريا رأس حربة في محور الصمود والمقاومة في وجه إسرائيل؟

المثقفون أنفسهم الذين طالبوا منذ عقود برحيل الأنظمة القمعية الفاسدة، صاروا الآن يتقنون ثقافة التبرير، وصاروا يستخدمون عبارات مثل: ماذا يمكن أن يحدث في حال رحيل النظام/ الديكتاتورية أفضل من الفوضى وهي أهون الشرين/ الاستبداد خير من الفوضى والارهاب/ مرددين، بصوت موازٍ، ما كان يقوله حسني مبارك قبل سقوط نظامه (أنا أو الفوضى)، أو بشار الأسد الذي صرح (أن المنطقة ستتعرض إلى زلزال إذا ما تعرضت دمشق إلى غزو أجنبي)، ومستذكرين ما قاله القديس الكاثوليكي أوغسطين في اعترافاته: (ان الانظمة مهما اشتدت في ظلمها تكون أهون بكثير من الفوضى).

خير مثال على الإرباك الذي أصاب المثقف العربي هو في تحليله المشوّش لتنظيم داعش (الدولة الإسلامية في العراق والشام)، فداعش تارة صناعة استخباراتية أمريكية، وتارة إيرانية، أو بقايا فلول فدائيي صدام، أو انها صناعة إسرائيلية، أو تركية. يقابل ذلك أسئلة مبهمة مثل: أيهما أخطر: داعش أم جبهة النصرة؟. كيف استطاع مقاتلو داعش الذين لا يتجاوز عددهم الألفي مقاتل السيطرة على نحو ثلث مساحة العراق؟ أو هل تمت تصفية بن لادن أم لا، هل ألقوا بجثته في مياه المحيط الهندي؟، من مع من، ومن ضد من؟.

في هذا السياق أصبح الإعلام يؤدي دوراً بالغ الخطورة في تشكيل وتوجيه الرأي العام، وفي حشد الجماعات حول أفكار وآراء واتجاهات معينة، وفي التعبئة والتأطير والتنظيم وفق سياسات وخطط وأجندات مدروسة.

المثقف ما عاد اليوم بحسب (مواري بوكين) سوى سلعة، هيئة مثقفين تقوم بوظيفة مدفوعة الأجر، يفكر ضمن أيديولوجية النظام، وعندما يكون خارجها، يفكر بأيديولوجية الضد، وفي إطار تمركز على الذات يصبح فيه الآخر مجرد استكمال لحجج القبول أو الرفض.

وفي ظل هذه الحقيقة، يقول سام سميث مؤلف كتاب "سقوط الانتلجنسيا الأمريكية": (أن الانحطاط والتدهور في فكر المثقفين بات مشكلة عالمية، كما يكشف عن ذلك البيان المتعدد الجنسيات الذي أصدره أشخاص مثل غابرييل غارسيا ماركيز، ديزموند توتو، لورين بيكال، جاك دريدا، صوفيا لورين، فينيسيا ريدغريف، وليام ستايرون عام 1998 حول علاقة الرئيس الأمريكي كلينتون بعشيقته مونيكا لونيسكي ليعلنوا "أن رجل الدولة غير مسؤول أمام الرأي العام والقانون إلا عن أعماله العامة). (7)

إشكالية المثقف العربي تبقى من الإشكاليات الهامة والرئيسية التي تعانيها مجتمعاتنا، والتي تكشف عن أزمة الفكر والثقافة والعقل العربي. المثقف العربي هو على المحك الآن، لقد فقد مصداقيته وتأثيره وفاعليته، وأصبح معزولاً عن الجماهير، التي كان يضللها في ما مضى بأوهام "الحلم العربي الكبير" العبثية ويعدها بتحقيقه.

لا نريد للمثقف العربيّ أن يموت، لأنّ موته يعني موت المجتمع، لا يمكن أن نتخيّل مجتمعاً من دون مثقفيه ومفكريه، لكن بالمقابل لا نريده أن يكون أداة سلطوية لتشويه الوعي وتزييفه، وتجميل الوجه القبيح للاستبداد والفساد، وتبرير القهر والظلم، ونهب ثروات الشعوب، لا نريده أن يكتفي بدور المتفرّج الخائف، اللامكترث، بل أن يخرج من عزلته المجتمعية حراً ليكون أداة حركية، ويكون صوت الأمة وضميرها الحر، ولسان شعبها، والمعبّر عن تطلعاتها ومستقبلها.

إنّ هناك صورة وظيفية تقليدية للمثقف العربي، وهو في حاجة ليتحرر من إرث (ثقافة الوهم)، وهدم الوعي القديم الذي أوحى له بأنه المحتكر الوحيد للحقيقة والمعرفة والوصي عليهما، وعليه أن يعيد تشكيل نفسه وفقاً للمتغيرات الجديدة التي طالت كل شؤون حياتنا، فالعالم تغير، ولن يعود كما كان أبداً، وإلا سنظل نردد في هذا المشهد العربي البائس مقولة رولان بارت (المثقفون لا يصلحون لشيء).

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email