رُوح المكان


أراها هناك، الروح المتغيرة، المتنافرة، المتجاذبة، للأماكن المختلفة التي تطأها قدماي في تجوالي المنظم ضمن برنامج سياحي جميع المشاركين فيه من الأجانب من جنسيات مختلفة. أكون فيه المرأة الوحيدة ذات الشعر الداكن والبشرة الأقحوانية الآتية من الشرق الأوسط.

في أحيان تبدو الطرقات متشابهة ونحن نعبرها بخطى حثيثة، أو نخترقها بعجلات الباص الذي يقلنا و تتوالى مشاهد البيوت على الجانبين كشريط سينمائي يدور بحركة سريعة. يبدو شبيها بشريط آخر في الذاكرة لصور ومشاهد تعود لأزمان مختلفة وتتوالى في عبورها السريع أمام العين الداخلية، نرى انعكاسها وكأنه حقيقة، فتتقد أرواحنا أو تضمر قلوبنا أو تشتعل للحظة تاركة بصمتها لأيام.

  • من أي بلد أنت؟

يسألني البعض حين تقترب خطواتنا من بعضها وتحتم الكياسة الحديث. يكون كل شيء في حالته الطبيعية الإنسيابية قبل هذا، ويكفي أن أتمتم اسم بلدي، لأشهد الأرتباك في الوجه الآخر. يتلعثم اللسان في بحثه عن موضوع مشترك، يتلكأ، ثم يخفض الشخص المقابل عينيه وينشغل بالطريق المعبد بحصى مصقولة لامعة كانت الشكل الأمثل لحوافر الأحصنة والعربات التي كانت تجرها في وقت يبدو بعيدا كرواية تاريخية ندخل مشهدها ونغادره في طرفة عين. بعد قليل يهمس ذات الشخص الى الماشي بقربه، "انها عربية". وأرقب نظرة تتشكل في الوجوه على مدى الأيام التالية، لأدرك حينها أن الوجوه لم تعد تراني، بل تتكتل خلف قناعات حفرت وجودها في وعيهم وهم يشهدون الصور المتكررة المنقولة أو المفبركة عبر شاشات مختلفة الحجم يضعها الإنسان في بيته أو يحملها معه في جيب معطفه أو في حقيبة كتف تتأرجح بجانبه.

في السنوات الأخيرة، حين تداخلت المشاهد لأماكن وأحداث مختلفة، وصار المرء على علم بما يحدث من حوله على مدار الساعة، وتلونت التحاليل الإخبارية حتى فقدت دلالاتها الحقيقية، صار تراشق الصور والمعايير الجاهزة عن الآخرين منتشرا كالطاعون. نحمل عبئه فوق أعبائنا الأخرى. كل حركة تدان جزافا بالإتهامات، كلمات يتم اقتلاعها من الجُمل التابعة لها وتوسم بالريبة بعد أن تُطوى في خطاب آخر لا شأن له بها.

امرأة عربية، تسافر المسافات ضمن جماعات لا تمت لها بصلة، تسبح في محيط الوقت وشراكه التي تطل من كل مكان. أنظر الى نفسي والى الآخرين، والى الجسور العديدة المُنهدّة وركامها، وغبار كثيف يعمي الأبصار.

أفكر، كيف تستدعي فكرة مجانية ركيكة عن الآخر وهويته، فضاء تنتشر فيه كالمرض. أعبر المسافات دون عزاء، أجابه بمشهد يختلف ولا يختلف في آن. هل أتجاهل؟



في حالات مماثلة حين يعتريني التوتر عادة ما يقول مُعان "هل تذكرين تلك الكلمة التي تبدأ بالتاء؟" ثم ترتسم ابتسامة عابثة على وجهه لا تلبث أن تتحول الى ضحكة خافتة أسمع صداها في داخلي فيهدأ كل شيء. "تجاهلي" يقول لي. غالبا ما أداعب شعره بأصابع يدي وأهمس "لهذا أخترتك، تجمع شتاتي في كفك وتبسطها في كمال تام"!. ولكن ها أنا الآن أبعثر الفجوات بيننا دون هدف. ويظل هو ساكنٌ على مبعدة في المكان الذي اخترناه سويا في ضواحي مدينة هادئة ليكون مستقرا لعائلتنا، في هدوء ينتظر، فيما تأخذني المسافة من مكان الى آخر. "ثم ماذا؟" يقول لي "ماذا بعد السفر؟".

  • "تجاهَل".

أقول للشاعر السنغالي أحمد حين استوقفه موظف قطار الأنفاق متمعنا في هويته بعد أن ابتلع جهاز الباب الإلكتروني بطاقة الدخول دون أن ينفتح. نقف في الجهة المقابلة، أنا ومُعان وعدد من الشعراء بعد عودتنا من أمسية شعرية كان أحمد عريفها في لندن، سهرنا بعدها حتى الساعات الأولى من الصباح. أحمد بجلده الذي بلون القهوة، يقف في وسط الحدقة ونحن ننظر الى لون جلودنا الذي تدرج من لون القهوة الى الأقحواني ليكون هذا سببا في تجاهل الموظف لنا. "هل رأيتِ؟" تخرج من فم أحمد بغضب، حين يتم الزامه شراء تذكرة جديدة "كيف أتجاهل؟". مُعان ينظر في عيني مباشرة، وأفهم إنه علي إحتضان الغضب في صمت لبضع دقائق قبل المباشرة بالحديث مرة أخرى.

بعد سنوات، حين تضيع خطواتنا في طرق مختلفة، وننشغل عن التواصل والتذكر، يحطم أحمد للمرة الثالثة أثاث الشقة التي كان يسكنها ويترك المرأة التي أحبها بعنف مع طفلة في الرابعة من العمر تعيشان مع شريك آخر. يخلف وراءه حفنة من الأصدقاء أختلف معهم كثيرا، "لا أستطيع أن أهادن" يكتب، "لا أعتقد بأن الوقت هو غير الوقت"، يحفر في الورق. يحثُّ خطاه ليجلس على الكرسي الخشبي المنقوش بحرفة الصانع في مقهى مُغبر في حي صغير متواري في مدينته "داكار". أرض السنغال التي تركها سنوات شبابه اليافعة، يعود اليها ليتآكله المرض وتخرج أنفاسه في هدوء في ظهيرة حارة وهو يتذكر رذاذ المطر في مدينة أخرى بعيدة، أحتوته ورأفت به لفترة وأضاعته في اللحظة الحاسمة. حين يجتمع الأصدقاء ستنحني رؤوسهم بحزن وصوته يأتي في الذاكرة يغني ويتلو الشعر بصوته الأجش العميق في أمسيات وحفلات شعرية ل "أفريكان دوون"، الفرقة التي ظهرت لفترة وخبت وتبعثر أعضاؤها بعد ذلك وبقيت كصورة حالمة عن وقت حالم.

  • "ماذا بعد السفر؟"

يسألني مُعان.

كان ذهني قد توهج وقتها بفكرة خلق ذكريات أخرى غير المؤرق منها. فإنخرطت في العديد من الأنشطة، جمعيات ورحلات ولقاءات، عدا الحفلات الصاخبة التي لم أحتمل ضجيجها. التقيت بعدد لا بأس به من الوجوه الجديدة، أستمعت وحاولت أن أنصت الى بعض المناظرات التي بدت بعد تمعن عشوائية وسطحية، ودفعت نفسي دفعا لأجلس وسط زحام شديد لأشهد عرضا موسيقيا لافتا، كما قيل عنه، فيما كان صوت الجمهور يعلو على الموسيقى في أحيان، مختلطا برنين الهواتف النقالة والتصفيق العشوائي. أصطحبت عائلتي معي في أوقات، وحضرت لوحدي في أوقات أخرى. عمدت أن أصور الأحداث كما عشتها، ووضعت ألبوم صور رقمي في صالة المعيشة بالقرب من الكرسي الذي أجلس عليه دائما، تتحرك الصور متتابعة على شاشته، وأنا أنظر اليها بغرابة وأفكر "كيف أجد صلة مع كل هذا؟". ثم جاءت فكرة السفر، وكأن ممر غير مرئي تبدى أمامي أرى فيه خطواتي واضحة. أتبع الأثر، دون أن يتضح المسار، والصوت في داخلي يغرغر "لا تستكيني..ليس بعد."

اللحظة ذاتها، هي لك وليست لك. تتشابك الأزمنة، وتنصهر وعليّ أن أجلس بهدوء نهاية كل يوم بعد أن ينهكنا برنامج سياحي لمعالم ومواقع أثرية تركت صداها في التاريخ الإنساني. نعاود زيارتها لنتذكر فعل ما، كوارث طبيعية خارج ارادتنا، قيم إنسانية اعتلاها الغبار، إزدهار وشتات.

أسند ظهري بالمخدات، أسدل عيني عن ضجيج الذاكرة، عن صور وأمنيات وتوق عميق جدا، وأستريح في نقطة الضوء في قلبي وأشهد أحداث اليوم تتفتت، منشطرة تتأرجح كسراب، يكتسي الضوء كل شيء، باهر أستكين فيه، باهر يأخذ أنفاسي في جذوة تشعل كياني كله.


0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email