فِتْنَةُ اللُّغَةِ وَالدُّخُولُ في الدَّائِرَةِ "نِهائِي"



يَبْنِي أَمِينُ صالِحُ رِواياتِهِ في حَرَكَةٍ سَرْدِيَّةٍ عَفْوِيَّةٍ مُتَحَرِّرَةٍ تَماماً مِنْ أَيِّ تَخْطِيطٍ مُسْبَقٍ. فَأَمِينُ صالِحُ لا يُحِبُّ القُيُودَ، أَو السَّيْرَ ضِمْنَ أُطُرٍ مُعَيَّنَةٍ. إِنَّهُ يَتْرُكُ النَّصَّ يَأْخُذُهُ إلى حَيْثُ يُرِيدُ، مُعْتَمِداً الدِّقَّةَ، وَمُطَرِّزاً عَمَلَهُ الرِّوائِيَّ بِجَمالٍ يَتَسَرَّبُ ضِمْنَ لُغَةٍ فاتِنَةٍ لِعَقْلِ المُتَلَقِّي، تَسَرُّباً لَذِيذاً يَعْبِثُ بِمُخَيِّلَتِهِ، وَيَلْعَبُ أَيْضاً عَلَى وَتَرِ الصَّبْرِ لَدَى القارِئِ، لاسْتِكْشافِ مَفاتِيحِ العَمَلِ الرِّوائِيِّ، أَوْ الإِمْساكِ بِخَيْطٍ يُوصِلُكَ إلى هَذا العالَمِ الفاتِنِ، العِمِيقِ حَدَّ اكْتِشافِ مَجاهِلَ وَعَوالِمَ ساحِرَةٍ.


مُنْذُ بِدايَةِ الرِّوايَةِ وَنَحْنُ مَعَ شَكْلٍ طَلِيقٍ، طَيْرٍ مَفْتُونٍ بِالتَّحْلِيقِ بِقُوَّةِ الوَعْيِ، وَبِأَناقَةٍ باذِخَةٍ وَمُدْهِشَةٍ، مَعَ لُغَةٍ تَتَمَيَّزُ بِالطَّراوَةِ، وَتُشِعُّ بِالقُوَّةِ وَالمَتانَةِ، حَيْثُ يَأْتي الكَلامُ في سِياقٍ جَمالِيٍّ، يَتَجَلَّى الشِّعْرُ في عُمْقِ السَّرْدِ بِفَضْلِ غَزارَةِ الفِكْرِ النَّاضِجِ. فَاللُّغَةُ -كَما يُقالُ- هِيَ عَقْلُ صاحِبِها وَقَلْبُهُ. في هَذِهِ الرِّوايَةِ يَبْتَعِدُ أَمين صالِح كَعادَتِهِ عَنْ تِلْكَ الأَسالِيبِ المَعْرُوفَةِ لِكِتابَةِ الرِّوايَةِ، إذْ يَتَمَيَّزُ العَمَلُ الرِّوائِيُّ لِأمين صالح بِمُقَوِّماتٍ جَمالِيَّةٍ وَخُصُوصِيَّةٍ فَنِّيَّةٍ في البِناءِ وَالشَّكْلِ وَاللُّغَةِ، حَيْثُ يَتَفَرَّدُ في تَرْكِيبِ العِبارَةِ. فَلُغَتُهُ حافِلَةٌ، وَغَنِيَّةٌ، وَذاتُ بِناءٍ سَلِسٍ إيقاعِيّاً وَصَوْتِيّاً. فِتِكْرارُ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ بِنَبْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ ما هُوُ إلا إيقاعٌ (شاعِرِيٌّ) يَصْعَدُ بِنا لِلدَّلالَةِ الطَّاغِيَةِ لِلْكَلِمَةِ. فَالشِّعْرِيَّةُ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِالشِّعْرِ؛ إنَّها تُلامِسُ كُلَّ الفُنُونِ، وَتَبْدُو ظَواهِرُها واضِحَةً في كِتاباتِ أمين صالح الرِّوائِيَّةِ:


رِيحٌ وَرِيح/ مَوْجَةٌ مَوْجَة / خَرِيفاُ بَعْدَ خَرِيفٍ/ حَرْباً بَعْدَ حَرْبٍ / جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ/ فَوْجاً بَعْدَ فَوْجٍ/ مَنْزِلاً مَنْزِلاً/ قَطِيعاً قَطِيعاً/ دَرَجَةً دَرَجَةً/ فَرْداً فَرْداً/ خِرْقَةً خِرْقَةً/ فَراغٍ فَراغٍ/ خَلِيَّةً خَلِيَّةً/ بُرْعُماً بُرْعُماً/ شَظِيَّةً شَظِيَّةً/ قَطْرَةً قَطْرَةً/ ضاحِيَةً ضاحِيَةً / شِلْواً شِلْواً.


إنَّ اخْتِلافَ نَمَطِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَمَّا تَعَوَّدْناهُ لا يُجَرِّدُها مِنْ صِفَةِ الرِّوايَةِ، بَلْ إنَّ تَمَيُّزَها يَكْمُنُ في تَفَوُّقِها في الجَمْعِ بَيْنَ أُسْلُوبٍ لُغَوِيٍّ مُتَمَيِّزٍ، وَسَرْدٍ مُتَفَرِّدٍ في بِناءٍ فِكْرِيٍّ يُدْرِكُ الكاتِبُ بِدِقَّةٍ أَهَمِّيَّةَ وُجُودِ عِدَّةِ عَوامِلَ لِإنْجاحِ العَمَلِ الرِّوائِيِّ؛ كَبِناءِ الفِكْرَةِ وَالصُّورَةِ وَالشُّعُورِ.


نَحْنُ أَمامَ رِوايَةٍ حَقِيقِيَّةٍ كُتِبَتْ بِجُهْدٍ وَدِقَّةِ فِكْرٍ، رِوايَةٍ تَجِيشُ بِالإنْسانِ وَعَذاباتِهِ، أَنانِيَّتِهِ، اسْتِغْراقِهِ المَجْنُونِ في الأَحْلامِ، عِقْلِهِ القَلِقِ، الدَّمارِ الَّذِي يُخَلِّفُهُ حَوْلَهُ، تَناقُضاتِهِ، جُنُونِهِ الصَّارِخِ في وَجْهِ الحُبِّ، بُؤْسِهِ وَطُغْيانِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ، أَمَلِهِ وَانْكِسارِهِ، سِجْنِهِ القَبِيحِ، سَعْيِهِ الحَثِيثِ إلى الحُرِّيَّةِ، خِياناتِهِ وَخَيْبَتِهِ.


في المِياهِ وَظِلالِها؛ تَجْسِيداً لِمَرْحَلَةٍ كامِلَةٍ، وَإدْراكاً تامّاً بِمَشاكِلِ هَذا العَصْرِ، يَضْرِبُ الكاتِبُ عَلَى وَتَرٍ حَسَّاسٍ يَعْزِفُ بِرُعُونَةٍ في كُلِّ البِلادِ. إنَّهُ عَمَلٌ مُفَصَّلٌ -بِقِياسٍ ما- عَلَى وَضْعِنا الرَّاهِنِ، يَغُوصُ في عُمْقِ السُّلُوكِ الإِنْسانِيِّ، يَتَلَمَّسُ جُذُورَ البِنْيَةِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ، قَضايا العَلاقاتِ العائِلِيَّةِ/ الصَّداقَةِ/ الحُبِّ وَالطَّبَقِيَّةِ، ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلى وَصْفِ حالَةِ الشَّعْبِ مِنْ خِلالِ رَصْدِ وَتَتَبُّعِ حَرَكَةِ الفَرْدِ وَمَصِيرِهِ، ضِمْنَ رَمْزِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ تَكادُ تَنْطِقُ، لَكِنَّها تَتَوارَى في الوَقْتِ نَفْسِهِ.

النُّزُوحُ، تِلْكَ الفِكْرَةُ المُرْعِبَةُ، حِينَ تُباغِتُنا المُدُنُ بِالمِحَنِ وَالرُّعْبِ، وَيُحاصِرُنا الشَّتاتُ، يَرْتَبِطُ عُنْوانُ الرِّوايَةِ (المِياهُ وَظِلالُها) بِرَمْزِيَّةٍ عالِيَةٍ، تَخْدِمُ فِكْرَةَ الرِّوايَةِ، وَتُلْقِي بِالضَّوْءِ عَلَى هَواجِسِ الكاتِبِ وَرُؤْيَتِهِ الواضِحَةِ لِلْواقِعِ الاجْتِماعِيِّ وَالسِّياسِيِّ، وَانْشِغالِهِ بِضُغُوطِ هَذا العَصْرِ وَتَوَتُّراتِهِ، ضِمْنَ ما نَمُرُّ بِهِ مِنْ أَحْداثٍ وَصِراعاتٍ تَناوَلَ أمينُ النُّزُوحَ كَقَدَرٍ وَمَصِيرٍ لِبَعْضِ الشُّعُوبِ، وَرَصَدَ لَحَظاتِ هَذا الحَدَثِ مُبَيِّناً خَرائِطَ النُّزُوحِ، وَتَضارِيسَ الغُرْبَةِ، تِلْكَ التي تَنْخُرُ في جَسَدِ النَّازِحِ أَثْناءَ بَحْثِهِ المُسْتَمِيتِ عَنْ شاطِئِ أَمانٍ. فَالمِياهُ هِيَ حَرَكَةُ النُّزُوحِ، وَالظِّلالُ هِيَ كُلُّ ما صاحَبَ هَذِهِ المِياهَ. وَلِأَنَّ المِياهَ لا ظِلَّ لَها، فَإنَّنا قَدْ لا نَرَى ما يُخَلِّفُهُ هَذا النُّزُوحُ مِنْ أَبْعادٍ نَفْسِيَّةٍ وَاجْتِماعِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ. هَذا التَّوَهانُ يَخْتَصِرُهُ أمينُ –هُنا- بِكَلِماتٍ دَلالِيَّةٍ تَصِفُ واقِعَ الحالِ:


(ثَمَّةَ كَراكِي جائِعَةٌ تَنْقَضُّ مِنَ السَّماءِ لِتَرْتَطِمَ مَناقِيرُها الرَّهِيفَةُ بِالمِياهِ.

ثَمَّةَ نَوارِسُ أَنْهَكَتْها الهِجْراتُ، فَاصْطَفَت النُّتُوءاتِ الصَّخْرِيَّةَ لِتَرتاحَ عَلَيْها بُرْهَةً.

ثَمَّةَ رِياحٌ تَهُبُّ مِنَ الشَّرْقِ لِتَضِيعَ في المَدَى.

ثَمَّةَ حِيتانٌ صَغِيرَةٌ تَبْحَثُ عَنْ شاطِئٍ مَهْجُورٍ تَنْتَحِرُ فيهِ بِلا ضَجِيجٍ.

ثَمَّةَ هُبُوبٌ لِصَهيلٍ غامِضٍ يَتْبَعُهُ دَوِيٌّ غامِضٌ يُنْذِرُ بِعَدَدٍ مِنَ البَلايا التي لا هَوِيَّةَ لَها بَعْد).


الحُلْمُ ذَلِكَ الشُّبَّاكُ المَفْتُوحُ عَلَى الأَمَلِ

فَالحُلْمُ في اللُّغَةِ، وَجَمْعُهُ أحْلامٌ، هُوَ ما يَراهُ النَّائِمُ في نَوْمِهِ، وَأَضْغاثُ الأَحْلامِ، وَيُعَرَّفُ حُلْمُ اليَقَظَةِ في عِلْمِ النَّفْسِ بِأنَّهُ: (تَأَمُّلٌ خَيالِيٌّ وَاسْتِرْسالٌ في رُؤًى أَثْناءَ اليَقَظَةِ، يُعَدُّ وَسِيلَةً نَفْسِيَّةً لِتَحْقِيقِ الأمانِي وَالرَّغَباتِ غَيْرِ المُشْبَعَةِ وَكَأنَّها قَدْ تَحَقَّقَت).

تَكَرَّرَتْ مُفْرَدَةُ الحُلْمِ بِتَصْرِيفاتِها المُخْتَلِفَةِ في رِوايَةِ (المِياهُ وَظِلالُها) بِشَكْلٍ كَبِيرٍ جاوَزَ المائَةَ (حُلْم 82 مَرَّةً، يَحْلُمُ 5 مَرَّاتٍ، أَحْلام 33 مَرَّةً، الحُلْم 13 مَرَّةً، يَحْلُمُونَ مَرَّةً واحِدَةً، أَحْلُمُ 4 مَرَّاتٍ، حُلْماً 4 مَرَّاتٍ). يَأْتي الحُلْمُ الإبْداعِيُّ عِنْدَ أمين وَسَطَ كُلِّ هَذِهِ الكَآبَةِ وَالأَلَمِ. فَكُلَّما زادَ الأَلَمُ كَثُرَ الحُلْمُ، وَكَأَنَّ أمين يَهْرُبُ مِنْ مُواجَهَةِ كُلِّ هَذِهِ الخَيْباتِ وَانْحِسارِ الأَمَلِ وَاليَأْسِ بِالأَحْلامِ. فَهُوَ أَمامَ كُلِّ هَذِهِ الرَّغَباتِ المَقْمُوعَةِ، وَالخُضُوعِ لِإرادَةِ السُّلْطَةِ السِّياسِيَّةِ وَالمُجْتَمَعِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَأمامَ مَوْجاتِ الأفْكارِ وَالمَشاعِرِ وَالرَّغَباتِ، يَدْخُلُ مِنْ حُلْمٍ لِحُلْمٍ لِيُشْبِعَ رَغَباتِ أَبْطالِهِ وَيَأْخُذَها مِنَ الحُلْمِ بِأَشْكالِهِ المُخْتَلِفَةِ وَرُمُوزِهِ (مَنام/ يَقَظَة/ رُؤْيا/ تَأَمُّلات/ هَذَيان/ هَواجِس وَغَيْرها) إلى فُسْحَةِ أَمَلٍ تُنْعِشُ أَرْواحَهُم، وَتُبْهِجُ فُؤادَهُمْ. مُنْذُ فِكْرَةِ النُّزُوحِ، والتي هِيَ الحُلْمُ الأَكْبَرُ في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وَنَحْنُ نَلْتَقِي بِمُفْرَدَةِ الحُلْمِ في كُلِّ طُرُقِ هَذا العَمَلِ الإبْداعِيِّ، بِلْ نَكادُ نَتَعَثَّرُ بِهِ في كُلِّ خُطْوَةٍ، كَحُلْمٍ ضَلَّ سَبِيلَهُ وَهُوُ يُسْرِعُ إلى مَشارِفِ المُدُنِ البَعِيدَةِ، المُدُنِ الحُلْمِ (اليُوتُوبْيا) الأَمَلِ المَفْقُودِ، لِيُحْكِمُوا قَبْضَتَهُمْ عَلَى الحُلْمِ المُشْتَرَكِ، كَسادَةٍ لِلْمَهَبِّ، لَكِنِّهُمْ لا يَصِلُونَ إلى هَذا الحُلْمِ؛ يَفْتَحُونَ بابَ الحُلْمِ عَلَى مَنْظرٍ أَجْرَدَ وَنَفَقٍ طَوِيلٍ يِكادُ لا يَنْتَهِي.

"أَشْتَهِي أنْ أَحْلُمَ هَذا الحُلْم"

"شَبابِيكُ لا تَنْفَتِحُ إلا في حُضُورِ حُلْمٍ يُبارِكُ لِقاءَ الحَبِيبِ وَالحَبِيبَةِ بَعِيداً عَنْ عَيْنِ رَقِيبٍ. خارِجَ إقْلِيمِ الحُلْمِ"

"وَيَجِدُ الأبُوَّةَ المُسِنَّةَ مُعْتَكِفَةً مَعَ نَوْمٍ رَزِينٍ يَهَبُهُ الحُلْمَ تِلْوَ الحُلْمِ."

"إلى العَرّافَةِ ذَهَبَتْ المَرْأَةُ لِتُفَسِّرَ لَها الحُلْمَ"

"لَكِنْ كَيْفَ يَأْتِيهِ الحُلْمُ رائِقاً وَصافِياً وَهَذا السَّرِيرُ الهَرِمُ، الذي لا رَحْمَةَ فِيهِ وَلا حَنانَ، يَطْعَنُهُ بِما يُشْبِهُ الشَّوْكَ النَّابِتَ في أَطْرافِهِ وَفي مُنْتَصَفِهِ"

"وَالرَّكْضُ وَراءَ كَلْبٍ يُطارِدُ أَشْباحاً لا مَرْئِيِّينَ عَبْرَ أَزِقَّةٍ ضَيِّقَةٍ وَمُتَعَرِّجَةٍ تُفْضِي إلى مَسالِكَ لا نَراها إلا في الحُلْمِ"

"يُونُسُ واقِفٌ عَلَى سَجَّادَةِ النَّوْمِ، مُنْتظراً بِصَبْرٍ نافِدٍ. ثانِيَةً يَطْرُقُ بابَ الحُلْمِ طَرَقاتٍ مُتَتابِعَةً لَحُوحَةً. بَعْدَ وَقْتٍ، يَنْفَتِحُ البابُ عَلَى مَنْظَرٍ في الحُلْمِ أَجْرَدَ، عارٍ مِنْ كُلِّ ما يَمْنَحُ حَياةً لِلْمَنْظَرِ السَّاكِنِ، حَيْثُ تَنْعَدِمُ الحَرَكَةُ وَيَغِيبُ الصَّوْتُ"


هُوَ اللَّيْلُ.

بَعْدَ قَلِيلٍ، يَدانِ تَجْمَعانِ الحَطَبَ.

يَدٌ تُوقِدُ ناراً.

يَدانِ تَحْمِلانِ قِدْرَ الحَساءِ.

مِيلادُ الحَرَكَةِ.

في انْتِظارِ يَقَظَةِ الصَّوْتِ.

الحُلْمُ في أَوَّلِهِ.

الضَّوْءُ يَنْتَشِرُ تَدْرِيجِيّاً وَعَلَى اسْتِحْياءٍ.

يُونُسُ يَلِجُ الحُلْمَ، تارِكاً البابِ مَفْتُوحاً خَلْفَهُ. أَصْداءُ جَلَبَةٍ مِنْ بَعِيدٍ. خُطُواتُهُ عَلَى العُشْبِ تَمْتَحِنُ مَواطِئَ الغِوايَةِ، وَلَها وَقْعُ الأَنْداءِ عَلَى مَساءٍ طَرِيٍّ. شَيْئاً فَشَيْئاً تَبْدَأُ كائِناتُ الحُلْمِ في الظُّهُورِ، وَمَعَها يَبْدَأُ الهَرْجُ،

"حَلُمْتُ البارِحَةَ أَنَّني مُتُّ،


بِناءُ المَكانِ السَّرْدِيّ

اشْتَغَلَ الكاتِبُ عَلَى المَكانِ اشْتِغالاً كَبِيراً. فَالمَكانُ عِنْدَهُ مُتَعَدِّدٌ وَواسِعٌ، وَلِكُلِّ مَكانٍ غَرَضٌ وَدَلالَةٌ.

1. السَّفِينَةُ: هِيَ المَكانُ الذي تَبْدَأُ بِهِ الرِّوايَةُ حَرَكَتَها السَّرْدِيَّةَ. فَمِنْ خِلالِ هَذا المَكانِ المُتَحَرِّكِ الثَّابِتِ نَدْخُلُ الحِكايَةَ مَعَ أمين صالح، عَنْ طَرِيقِ "الفلاش باك"، ثُمَّ نَعُودُ مَعَهُ في بِنائِهِ السَّرْدِيِّ لِلرِّوايَةِ لِنَفْسِ الدَّائِرَةِ، بَعْدَ أنْ تَعَرَّضَت السَّفِينَةُ لِخُذْلانِ كُلِّ الجِهاتِ، تَعُودُ تارِكَةً نَفْسَها لِمُصادَفاتِ القَدَرِ.



2. البَحْرُ: سَيِّدُ الماءِ، البَحْرُ الهادِئُ، الجَمِيلُ، الأَزْرَقُ الغَمِيقُ، العَمِيقُ، السَّرُّ، القاعُ، الأَمَلُ، الشَّرَكُ الذي يَسْتَدْرِجُنا إلى فَرادِيسِهِ حِيناً، وَإلى كَمائِنِهِ حِيناً آخَرَ، وَالمَوْجُ ذاكَ الثَّائِرُ المُنْفَلِتُ، المَكانُ الذي أَخَذَنا لِلْأَمَلِ وَأَعادَنا لِنَفْسِ المَكانِ.


3. السِّجْنُ: كَلِمَةٌ مُقابِلَ الحُرِّيَّةِ وَالفَضاءِ، لا يَكْتَفِي فِيها الكاتِبُ بِوَصْفِ المَكانِ، بَلْ يَتَعَدَّاهُ لِوَصْفٍ مُذْهِلٍ لِهَذا الإحْساسِ الثَّقِيلِ، حَتَّى تَخالَ أَنَّكَ مَسْجُونٌ، فَتَرْكُضَ مَعَ الكَلِماتِ طَلَباً لِلْحُرِّيَّةِ.


4. المُنْتَزَهُ: مُصادَرَةُ الحُبِّ

تَتَجَلَّى الدِّقَّةُ في تَصْوِيرِ المُتّنَزَهِ كَمَكانٍ لِلْحُلْمِ وَلِلْحُبِّ وَالأَمَلِ.


إنَّ مُصادَرَةَ الحُبِّ وَنَقاوَةَ الحَياةِ الرُّوحِيَّةِ مِنْ قِبَلِ مِيلِيشْيا الظَّلامِ، وَذَلِكَ التَّحُوُّلُ الذي طَرَأَ عَلَى الحَياةِ بِمَنْعِ الحُبِّ ضِمْنَ قَوانِينَ مَفْرُوضَةٍ تَخْدِمُ الجِهَةَ السُّلْطَوِيَّةَ المُسَيْطِرَةَ، هَذا الصِّراعُ الأَزَلِيُّ بِيْنَ الخَيْرِ وَالشَّرِّ، بَيْنَ الحُبِّ وَالكَراهِيَةِ، وَهَذا الصِّراعُ الفِكْرِيُّ وَالاجْتِماعِيُّ بَيْنَ المِيلِيشْياتِ القامِعَةِ وَالشَّعْبِ الذي يَتُوقُ لِمُمارَسَةِ الحَياةِ الطَّبِيعِيَّةِ، ضِمْنَ تَحَدٍّ صارِخٍ لِلْعُشَّاقِ الذينَ فاضَ بِهِمُ الوَلَعُ وَغَلَبَتْهُمُ العاطِفَةُ، دُونَ الالْتِفاتِ لِنَوايا وَخِطَطِ وَمَكائِدِ مِيلِيشْيا العُنْفِ وَالكَراهِيَةِ، هَذا الصِّراعُ الذي قُدِّرَ عَليْنا، والذي يَعْجَزُ الخَيِّرُونَ عَنْ مُواجَهَتِهِ، لِأنَّهُمْ -كما يقولُ أمين:


(لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّيْلَ هَشٌّ، لا يَقْدِرُ أَنْ يَصُدَّ طَعْنَةً مِنْ ضَوْءٍ نَحِيلٍ، أَوْ يَمْنَعَ المَصابِيحَ مِنْ اخْتِراقِ أَضْلاعِهِ، وَأَنَّ اللَّيْلَ تَوْأَمُ النَّهارِ، كِلاهُما يَشِفَّانِ عَنْ قَدَرٍ ماكِرٍ يَعْرِفُ كَيْفَ يَسْتَغِلُّ هَشاشَةَ المَصائِرِ، وَيَتَلاعَبُ بِها).


مِنْ هُنا، وَمْنْ هُنا، بَيْنَ الرَّاوِي والكاتِبِ، يَقُولُ فُولْتير (بأنَّ الرَّاوِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ في عَمَلِهِ كاللهِ في الكَوْنِ؛ حاضِراً غائِباً).


مِنْ عَلٍ

مِنْ شاهِقِ المَسافَةِ وَالوَقْتِ

هَكَذا بَدَأَ أمين صالح رِوايَتَهُ، وَحَدَّدَ شَكْلَها بِراوٍ يَنْقُلُ لَنا الصُّورَةَ مِنَ الأَعْلَى؛ فَلا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحَدِّدَ شَخْصِيَّةَ الرَّاوِي؛ مَنْ هُوَ هَذا الذي يَنْظُرُ مِنْ شاهِقِ المَسافَةِ وَالوَقْتِ، السَّاكِنُ شُرْفَتَهُ المُعَلَّقَةَ، المُتَأَرْجِحَةَ، هَذا المُراقِبُ الجَيِّدُ لِكُلِ ما يَحْدُثُ لِلْعالَمِ، وَالعالِمُ بِخَفايا الأُمُورِ، المُتَسَيِّدُ كاللهِ، وَهُوَ يُخْبِرُنا عَنْ عِراكِ المَوْجِ مَعَ المَوْجِ، هَذا الرَّاوِي الذي وَصَفَهُ فُولْتير، وَاخْتارَهُ أمين هُنا كَراوٍ، كَشَخْصٍ مُحايِدٍ، يَنْظُرُ إلى الأُمُورِ دُونَ أَنْ يُشارِكَ فِيها؛ يَصِفُها، وَيَنْقُلُها لَنا بِأَمانَةٍ خالِصَةٍ، يُصَوِّرُ الأَحْداثَ وَالأَبْطالَ، وَيَنْقُلُ لَنا خُطُواتِهِمْ دُونَ أَنْ يَتَدَخَّلَ أوْ يُغَيِّرَ مِنْها، لَكِنَّ الكاتِبَ وَهُوَ في صِراعِهِ مَعَ هَذا الرَّاوِي المُتَعالِي، يَشْتَبِكُ مَعَهُ وَيَنْتَقِدُهُ.


"وَأَنْتَ أَيُّها الطَّاعِنُ في العُزْلَةِ، يا المُتَوَحِّدُ، يا كُلِّيَّ الوُجُودِ، ماذا تَرَى وَأَنْتَ جالِسٌ هُناكَ، في حَقْلِكَ الأَثِيرِ، بِيْنَ نَعِيمٍ تَسْتَوْطِنُهُ اليَنابِيعُ، وَجَحِيمٍ تَحْتَدِمُ فِيهِ رِئاتُ الطَّرائِدِ".

يَأْخُذُنا في هُجُومِهِ عَلَى الرَّاوِي، وَفي تَعاطُفِهِ الشَّدِيدِ مَعَ أَبْطالِ هَذِهِ الرِّوايَةِ، مُتَحَدِّثاً عَنْهُمْ، وَمُدافِعاً عَنْ قَضاياهُمْ، واصِفاً عَذابَهُمُ الأَزَلِيَّ وَهُمْ يُساقُونَ كَالنِّعاجِ إلى هَذا المَسْلَخِ الكَوْنِيِّ لِيُلْقِيَ عَلَى كاهِلِنا -نَحْنُ الذينَ نَقْرَأُ هَذِهِ المَلْهاةَ- بِهذا الهَمِّ وَالمَوْتِ وَالدَّمارِ، وَعَلى قُلُوبِنا أَنْ تَسْمَعَ آهاتِ المُعَذَّبِينَ وَالجائِعِينَ، المُضْطَهَدِينَ المَسْحُوقِينَ، الفارِّينَ لِلشَّمالِ.


لِماذا الشَّمالُ؟

(لَكِنَّ هَذِهِ السَّفِينَةَ، المُبْحِرَةَ نَحْوَ الشَّمالِ، الغاصَّةَ بِالنَّازِحِينَ، سَوْفَ يَخْذُلُها الشَّمالُ، وَرُبَّما تَخْذُلُها كُلُّ الجِهاتِ، وَلا تَعُودُ تَعْرِفُ إِنْ كانَ عَلَيْها أَنْ تَعُودَ أَدْراجَها، أَوْ تَهَبَ نَفْسَها لِلْمُصادَفاتِ).


لِماذا كُلَّما طارَدْنا الأَمَلَ نَتَّجِهُ لِلشَّمالِ؟ يَقُولُ قانُونُ حَرَكَةِ الرِّياحِ بِأَنَّها تَتَأَثَّرُ بِالضَّغْطِ الجَوِّيِّ. فَالرِّياحُ تَتَحَرَّكُ بِحَرَكَةٍ تَسارُعِيَّةٍ مِنْ مَناطِقِ الضَّغْطِ المُرْتَفِعِ إلى مَناطِقِ الضَّغْطِ المُنْخَفِضِ. هَلْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُسْقِطَ هَذِهِ القاعِدَةَ عَلَى نُزُوحِ سُكَّانِ المَدِينَةِ نَحْوَ الشَّمالِ؟


الشَّمالُ في رِوايَةِ أمين صالح هُوَ الوَطَنُ البَدِيلُ الذي يُلْهِبُ مُخَيِّلَةَ الباحِثِينَ عَنِ السَّعادَةِ وَالحُرِّيَّةِ، الحالِمِينَ بِالطُّمَأْنِينَةِ، المُدَجَّجِينَ بِالأَمَلِ، هُوَ "يوتوبيا" تِلْكَ المَدِينَةُ الفاضِلَةُ العامِرَةُ بِالعَدْلِ وَالسَّلامِ.


شَخْصِيَّاتُ الرِّوايَةِ

تِلْكَ الشَّخْصِيَّاتُ المَحْرُومَةُ مِنْ حَقِّها الكامِلِ في الحَياةِ، الشَّعْبُ الكادِحُ الضَّائِعُ في هَذِهِ اللُّعْبَةِ، مُجْبَرُونَ عَلَى خَوْضِ قَواعِدِها، سَواءً أَحَبُّوا ذَلِكَ أَمْ كَرِهُوا تِلْكَ اللُّعْبَةَ التي يَقُودُها السِّياسِيُّونَ وَالمُتاجِرُونَ بِدِماءِ الشُّعُوبِ، وَالمُفْسِدُونَ في الأَرْضِ، تِلْكَ الأَرْضُ التي يَصِفُها أمين بِأَنَّها:


(أَرْضٌ مَهْتُوكَةٌ، مَغْلُولَةٌ، عاثَتْ فِيها الانْشِقاقاتُ حَتَّى تَشَوَّهَ وَجْهُها وَأَضْحَى دَمِيماً. وَمِنْ كُلِّ حَدْبٍ جاءَتْها الطَّعَناتُ، وَلَمْ تَسْلَمْ عاصِمَةٌ مِنْ نَهْبٍ وَتَهْجِيرٍ. أَرْضٌ تَبْتَهِلُ لِلْقِيامَةِ أَنْ تَحِلَّ قَبْلَ أَنْ تَحِينَ السَّاعَةُ).


تَبْرُزُ شَخْصِيَّاتُ أمين صالح المَقْهُورَةُ في شَخْصِيَّةِ يُونُس.

يَدُورُ يُونُس في فَلَكِ الضَّياعِ. فَشَخْصِيَّةُ يُونُس، الباحِثُ عَنِ الحُبِّ، المُدَجَّجُ بِالأَحْلامِ، يُحاوِلُ العُبُورَ إلى حَواجِزِ هَذِهِ المَتاهَةِ المُعَقَّدَةِ وَالمَأْساوِيَّةِ، المَغْمُورَةِ بِالواقِعِ المُرِّ، الحافِلَةِ بِالتَّناقُضاتِ، لَكِنَّهُ يَصْطَدِمُ بِصِراعاتٍ تَكْسِرُ مُقاوَمَتَهُ الدَّاخِلِيَّةَ. حِينَها يَعْتَنِقُ اللا جَدْوَى، وَيَسْتَسْلِمُ أَمامَ طُغْيانِ القُوَّةِ السُّلْطَوِيَّةِ.


"أيُّ يَأْسٍ هَذا الذي يَحُثُّ الضَّحِيَّةَ لِأَنْ تَذْهَبَ إلى حَتْفِها خانِعَةً، لاثِمَةً يَدَ جَلَّادِها، اليَدَ ذاتَها التي تُسَنُّ مِدْيَةٌ ضارِيَةٌ عَلَى شَفْرَتِها يَرْبُضُ الأَجَلُ."


يُفَسِّرُ لَنا أمين هَذا التَّحَوُّلَ في شَخْصِيَّةِ يُونُس، الشَّخْصِيَّةِ المُتَعايِشَةِ مَعَ الخاصِّ والعامِّ في هَذِهِ الرِّوايَةِ، يُونُس العاشِقُ المَشْغُولُ بِحَبِيبَتِهِ فاطِمَة، وَأُمْنِياتِهِ الخاصَّةِ بِالرَّغْبَةِ في عَمَلٍ وَبَيْتٍ وَزَوْجَةٍ، وَبَيْنَ يُونُس المُعارِضِ الحالِمِ بِغَدٍ أَفْضَلَ، وَمَدِينَةٍ أَجْمَلَ، وَحَياةٍ نَأْمَلُ جَمِيعاً بِأَنْ نَعِيشَها وِفْقَ مَنْظُومَةِ العَدالَةِ وَالسَّلامِ. هَذِهِ القَفْزَةُ الغَرِيبَةُ، وَغَيْرُ المَقْبُولَةُ في مَوْقِفِهِ الذي جاءَ تَحْتَ تَأْثِيرِ السَّخَطِ عَلَى كُلِّ ما عايَشَهُ مِنْ عَذابٍ وَقَهْرٍ سُلْطَوِيٍّ، هَذا التَّناقُضُ الذي نَقَلَنا لَهُ الكاتِبُ في شَخْصِيَّةِ يُونُس الذي هَزَّ بِداخِلِنا سُؤالاً مُرّاً، تَبِعَتْهُ أَسْئِلَةٌ لا جَوابَ لَها، يُحِيلُنا أمين -في هَذا المَقْطَعِ- لِتَحْلِيلٍ أَراهُ مُقْنِعاً جِداً، وَرُبَّما خَشِيَ عَلَى يُونُس مِنْ تَذَمُّرِنا أَوْ سَخَطِنا، نَحْنُ المُراقِبِينَ لِهَذِهِ اللُّعْبَةِ.


"كُلُّ وَحْشٍ في صِغَرِهِ كانَ مَلاكاً. مَعَ مُرُورِ الوَقْتِ، بِيْنَ الفَيْنَةِ وَالأُخْرَى، تُناوِشُهُ الشُّرُورُ في حَلَباتِ الصِّراعِ، فَتَنالُ مِنْهُ مَرَّةً، وَتَتَقَهْقَرُ مَرَّةً، وَكُلَّما خاضَ في التَّجْرِبَةِ وَتَوَغَّلَ في العُمْرِ، قَضَمَتِ الشُّرُورُ شِلْواً مِنْهُ، حَتَّى تَجْتاحَهُ عُضْواً عُضْواً، وَتَكْتَسِحَهُ تَماماً، فَيَتَحَوَّلُ إلى وَحْشٍ. وَها أَنا، عِنْدَما أَتَفَقَّدُ جِسْمِي، أَكْتَشِفُ فَقْدِي لِقِطْعَةٍ مِنْهُ".


سَطْوَةُ الأَسْئِلَةِ

إِنَّ القَصْدَ الفَنِيَّ الذي اتَّبَعَهُ أمين صالح، مِنْ خِلالِ هَذا الكَمِّ الهائِلِ مِنَ الأَسئِلَةِ؛ سُؤالٌ يَتْبَعُهُ سُؤالٌ، عَلَى اخْتِلافِ مَعانِيهِ وَصِيَغِهِ وَدَلالاتِهِ الفَنِّيَّةِ، كُلُّ هَذِهِ الأَسْئِلَةِ تَدُلُّ عَلَى قَلَقِ الرَّاوِي مِمَّا يَرْوِي، اصْطِدامُهُ بِالحَقِيقَةِ، رَدَّةُ فِعْلٍ مَجْنُونَةٍ لِهَذا الكَمِّ مِنَ الرُّعْبِ الذي يُصادِفُهُ في طُرُقاتِ الرِّوايَةِ، تَفِيضُ الرِّوايَةُ بِالأَسْئِلَةِ بِقَدْرِ ما تَضِيقُ رُوحُ الرَّاوِي، وَبِقَدْرِ صَدْمَتِهِ بِالواقِعِ وَهُوَ يَسْرُدُ لَنا مَوْضُوعاً عَلَى قَدْرٍ كَبِيرٍ مِنَ الحَساسِيَّةِ وَالأَلَمِ، مَوْضُوعاً يُحَتِّمُ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ تَتَكَلَّمُ عَنْهُ، أَنْ تُحَصِّنَ نَفْسَكَ جَيِّداً مِنْ صَعَقاتِ الواقِعِ الكَهْرَبائِيَّةِ، وَمِنْ تِلْكَ النَّفْضَةِ التي تَسْتَشْرِي في جَسَدِكَ كُلَّ حِينٍ، يَدُورُ الرَّاوِي في فَلَكِ الأَسْئِلَةِ، يَلْتَمِسُ العَوْنَ وَالمُساعَدَةَ مِنَ المُتَلَقِّي لِيُعِينَهُ وُيُخَفِّفَ عَنْهُ سَطْوَةَ القَوْلِ المُرِّ، وَلِتَكُونَ الحَقِيقَةُ ماثِلَةً أَمامَ المُتَلَقِّي دُونَ كَثِيرٍ مِنْ كَلامٍ تَسْتَنْطِقُهُ بِإجاباتٍ يُصِيبُ بِها دَلالَةَ الاسْتِفْهامِ الحَقِيقِيِّ، وَيُدْرِكَ أَنَّ الرَّاوِي عَجَزَ عَنِ التَّصْرِيحِ بِها لِثِقَلِها وَعُمْقِ أَثَرِها وَوَطْئَتِها عَلَى النَّفْسِ، وِلِإدراكِ الرَّاوِي الواعِي بِأَهَمِّيَّتِكَ كَمَرْوِيٍّ لَهُ في اسْتِيعابِ الوَضْعِ بِكُلِّ تَفاصِيلِهِ.


(وَمَنْ يَعْرِفُ سَبَبَ بُزُوغِ الصَّباحِ كُلَّ صَباحٍ؟ وَلِماذا جُنَّ جارُنا سَلْمانُ فَجْأَةً؟ وَلِماذا تَخاصَمْنا الرَّفاهِيَةَ؟ وَلِماذا أَبْوابُنا مَفْتُوحَةٌ لِكُلِّ غازٍ؟ وَلِماذا لا تَنْشَقُّ الأَرْضُ وَتَبْلَعُ مَنْ يَفُضُّ خَيْراتِها؟ وَلِماذا باتَ الظَّلامُ حَلِيفَنا، فَلا نَضِيعُ فِيهِ، وَصِرْنا نَخْشَى النَّهارَ لِأَنَّهُ يَأْخُذُنا مِنْ تِيهٍ إلى تِيهٍ؟ لِماذا نَحْنُ شَغُوفُونَ بِالحَياةِ إلى هَذا الحَدِّ؟ أَجِبْنِي).


العَوْدَةُ

وَكَما غادَرَتِ السَّفِينَةُ مُشَبَّعَةً بِالأَمَلِ، مَشْحُونَةً بِالشَّجَنِ، وَكَما سافَرْنا في رِحْلَةٍ مَلِيئَةٍ بِالأَلَمِ، تَتَلاطَمُنا فِيها أَمْواجٌ لاهِيَةٌ، وَتَلْفِظُنا كُلُّ الجِهاتِ، لِتَعُودَ مِنْ جَدِيدٍ لِتِلْكَ الدَّائِرَةِ التي لا يَخْرُجُ مِنْها أَحَدٌ، لِتَبْقَى أَسِيرَةً لِلْمِياهِ).


"عَنْ شَعْبٍ دَخَلَ البَحْرَ نازِحاً عَنْ بِلادٍ تَحْتَضِرُ

فَحاصَرَتْهُ الجِهاتُ

وَصارَ أَسِيرَ المِياهِ."

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email