فِتْنَةُ اللُّغَةِ وَالدُّخُولُ في الدَّائِرَةِ "نِهائِي"



يَبْنِي أَمِينُ صالِحُ رِواياتِهِ في حَرَكَةٍ سَرْدِيَّةٍ عَفْوِيَّةٍ مُتَحَرِّرَةٍ تَماماً مِنْ أَيِّ تَخْطِيطٍ مُسْبَقٍ. فَأَمِينُ صالِحُ لا يُحِبُّ القُيُودَ، أَو السَّيْرَ ضِمْنَ أُطُرٍ مُعَيَّنَةٍ. إِنَّهُ يَتْرُكُ النَّصَّ يَأْخُذُهُ إلى حَيْثُ يُرِيدُ، مُعْتَمِداً الدِّقَّةَ، وَمُطَرِّزاً عَمَلَهُ الرِّوائِيَّ بِجَمالٍ يَتَسَرَّبُ ضِمْنَ لُغَةٍ فاتِنَةٍ لِعَقْلِ المُتَلَقِّي، تَسَرُّباً لَذِيذاً يَعْبِثُ بِمُخَيِّلَتِهِ، وَيَلْعَبُ أَيْضاً عَلَى وَتَرِ الصَّبْرِ لَدَى القارِئِ، لاسْتِكْشافِ مَفاتِيحِ العَمَلِ الرِّوائِيِّ، أَوْ الإِمْساكِ بِخَيْطٍ يُوصِلُكَ إلى هَذا العالَمِ الفاتِنِ، العِمِيقِ حَدَّ اكْتِشافِ مَجاهِلَ وَعَوالِمَ ساحِرَةٍ.


مُنْذُ بِدايَةِ الرِّوايَةِ وَنَحْنُ مَعَ شَكْلٍ طَلِيقٍ، طَيْرٍ مَفْتُونٍ بِالتَّحْلِيقِ بِقُوَّةِ الوَعْيِ، وَبِأَناقَةٍ باذِخَةٍ وَمُدْهِشَةٍ، مَعَ لُغَةٍ تَتَمَيَّزُ بِالطَّراوَةِ، وَتُشِعُّ بِالقُوَّةِ وَالمَتانَةِ، حَيْثُ يَأْتي الكَلامُ في سِياقٍ جَمالِيٍّ، يَتَجَلَّى الشِّعْرُ في عُمْقِ السَّرْدِ بِفَضْلِ غَزارَةِ الفِكْرِ النَّاضِجِ. فَاللُّغَةُ -كَما يُقالُ- هِيَ عَقْلُ صاحِبِها وَقَلْبُهُ. في هَذِهِ الرِّوايَةِ يَبْتَعِدُ أَمين صالِح كَعادَتِهِ عَنْ تِلْكَ الأَسالِيبِ المَعْرُوفَةِ لِكِتابَةِ الرِّوايَةِ، إذْ يَتَمَيَّزُ العَمَلُ الرِّوائِيُّ لِأمين صالح بِمُقَوِّماتٍ جَمالِيَّةٍ وَخُصُوصِيَّةٍ فَنِّيَّةٍ في البِناءِ وَالشَّكْلِ وَاللُّغَةِ، حَيْثُ يَتَفَرَّدُ في تَرْكِيبِ العِبارَةِ. فَلُغَتُهُ حافِلَةٌ، وَغَنِيَّةٌ، وَذاتُ بِناءٍ سَلِسٍ إيقاعِيّاً وَصَوْتِيّاً. فِتِكْرارُ الكَلِماتِ المُفْرَدَةِ بِنَبْرَةٍ مُعَيَّنَةٍ ما هُوُ إلا إيقاعٌ (شاعِرِيٌّ) يَصْعَدُ بِنا لِلدَّلالَةِ الطَّاغِيَةِ لِلْكَلِمَةِ. فَالشِّعْرِيَّةُ غَيْرُ مُرْتَبِطَةٍ بِالشِّعْرِ؛ إنَّها تُلامِسُ كُلَّ الفُنُونِ، وَتَبْدُو ظَواهِرُها واضِحَةً في كِتاباتِ أمين صالح الرِّوائِيَّةِ:


رِيحٌ وَرِيح/ مَوْجَةٌ مَوْجَة / خَرِيفاُ بَعْدَ خَرِيفٍ/ حَرْباً بَعْدَ حَرْبٍ / جِيلاً بَعْدَ جِيلٍ/ فَوْجاً بَعْدَ فَوْجٍ/ مَنْزِلاً مَنْزِلاً/ قَطِيعاً قَطِيعاً/ دَرَجَةً دَرَجَةً/ فَرْداً فَرْداً/ خِرْقَةً خِرْقَةً/ فَراغٍ فَراغٍ/ خَلِيَّةً خَلِيَّةً/ بُرْعُماً بُرْعُماً/ شَظِيَّةً شَظِيَّةً/ قَطْرَةً قَطْرَةً/ ضاحِيَةً ضاحِيَةً / شِلْواً شِلْواً.


إنَّ اخْتِلافَ نَمَطِ هَذِهِ الرِّوايَةِ عَمَّا تَعَوَّدْناهُ لا يُجَرِّدُها مِنْ صِفَةِ الرِّوايَةِ، بَلْ إنَّ تَمَيُّزَها يَكْمُنُ في تَفَوُّقِها في الجَمْعِ بَيْنَ أُسْلُوبٍ لُغَوِيٍّ مُتَمَيِّزٍ، وَسَرْدٍ مُتَفَرِّدٍ في بِناءٍ فِكْرِيٍّ يُدْرِكُ الكاتِبُ بِدِقَّةٍ أَهَمِّيَّةَ وُجُودِ عِدَّةِ عَوامِلَ لِإنْجاحِ العَمَلِ الرِّوائِيِّ؛ كَبِناءِ الفِكْرَةِ وَالصُّورَةِ وَالشُّعُورِ.


نَحْنُ أَمامَ رِوايَةٍ حَقِيقِيَّةٍ كُتِبَتْ بِجُهْدٍ وَدِقَّةِ فِكْرٍ، رِوايَةٍ تَجِيشُ بِالإنْسانِ وَعَذاباتِهِ، أَنانِيَّتِهِ، اسْتِغْراقِهِ المَجْنُونِ في الأَحْلامِ، عِقْلِهِ القَلِقِ، الدَّمارِ الَّذِي يُخَلِّفُهُ حَوْلَهُ، تَناقُضاتِهِ، جُنُونِهِ الصَّارِخِ في وَجْهِ الحُبِّ، بُؤْسِهِ وَطُغْيانِهِ وَقِلَّةِ حِيلَتِهِ، أَمَلِهِ وَانْكِسارِهِ، سِجْنِهِ القَبِيحِ، سَعْيِهِ الحَثِيثِ إلى الحُرِّيَّةِ، خِياناتِهِ وَخَيْبَتِهِ.


في المِياهِ وَظِلالِها؛ تَجْسِيداً لِمَرْحَلَةٍ كامِلَةٍ، وَإدْراكاً تامّاً بِمَشاكِلِ هَذا العَصْرِ، يَضْرِبُ الكاتِبُ عَلَى وَتَرٍ حَسَّاسٍ يَعْزِفُ بِرُعُونَةٍ في كُلِّ البِلادِ. إنَّهُ عَمَلٌ مُفَصَّلٌ -بِقِياسٍ ما- عَلَى وَضْعِنا الرَّاهِنِ، يَغُوصُ في عُمْقِ السُّلُوكِ الإِنْسانِيِّ، يَتَلَمَّسُ جُذُورَ البِنْيَةِ الاجْتِماعِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ، قَضايا العَلاقاتِ العائِلِيَّةِ/ الصَّداقَةِ/ الحُبِّ وَالطَّبَقِيَّةِ، ثُمَّ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إلى وَصْفِ حالَةِ الشَّعْبِ مِنْ خِلالِ رَصْدِ وَتَتَبُّعِ حَرَكَةِ الفَرْدِ وَمَصِيرِهِ، ضِمْنَ رَمْزِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ تَكادُ تَنْطِقُ، لَكِنَّها تَتَوارَى في الوَقْتِ نَفْسِهِ.

النُّزُوحُ، تِلْكَ الفِكْرَةُ المُرْعِبَةُ، حِينَ تُباغِتُنا المُدُنُ بِالمِحَنِ وَالرُّعْبِ، وَيُحاصِرُنا الشَّتاتُ، يَرْتَبِطُ عُنْوانُ الرِّوايَةِ (المِياهُ وَظِلالُها) بِرَمْزِيَّةٍ عالِيَةٍ، تَخْدِمُ فِكْرَةَ الرِّوايَةِ، وَتُلْقِي بِالضَّوْءِ عَلَى هَواجِسِ الكاتِبِ وَرُؤْيَتِهِ الواضِحَةِ لِلْواقِعِ الاجْتِماعِيِّ وَالسِّياسِيِّ، وَانْشِغالِهِ بِضُغُوطِ هَذا العَصْرِ وَتَوَتُّراتِهِ، ضِمْنَ ما نَمُرُّ بِهِ مِنْ أَحْداثٍ وَصِراعاتٍ تَناوَلَ أمينُ النُّزُوحَ كَقَدَرٍ وَمَصِيرٍ لِبَعْضِ الشُّعُوبِ، وَرَصَدَ لَحَظاتِ هَذا الحَدَثِ مُبَيِّناً خَرائِطَ النُّزُوحِ، وَتَضارِيسَ الغُرْبَةِ، تِلْكَ التي تَنْخُرُ في جَسَدِ النَّازِحِ أَثْناءَ بَحْثِهِ المُسْتَمِيتِ عَنْ شاطِئِ أَمانٍ. فَالمِياهُ هِيَ حَرَكَةُ النُّزُوحِ، وَالظِّلالُ هِيَ كُلُّ ما صاحَبَ هَذِهِ المِياهَ. وَلِأَنَّ المِياهَ لا ظِلَّ لَها، فَإنَّنا قَدْ لا نَرَى ما يُخَلِّفُهُ هَذا النُّزُوحُ مِنْ أَبْعادٍ نَفْسِيَّةٍ وَاجْتِماعِيَّةٍ وَاقْتِصادِيَّةٍ. هَذا التَّوَهانُ يَخْتَصِرُهُ أمينُ –هُنا- بِكَلِماتٍ دَلالِيَّةٍ تَصِفُ واقِعَ الحالِ:


(ثَمَّةَ كَراكِي جائِعَةٌ تَنْقَضُّ مِنَ السَّماءِ لِتَرْتَطِمَ مَناقِيرُها الرَّهِيفَةُ بِالمِياهِ.

ثَمَّةَ نَوارِسُ أَنْهَكَتْها الهِجْراتُ، فَاصْطَفَت النُّتُوءاتِ الصَّخْرِيَّةَ لِتَرتاحَ عَلَيْها بُرْهَةً.

ثَمَّةَ رِياحٌ تَهُبُّ مِنَ الشَّرْقِ لِتَضِيعَ في المَدَى.

ثَمَّةَ حِيتانٌ صَغِيرَةٌ تَبْحَثُ عَنْ شاطِئٍ مَهْجُورٍ تَنْتَحِرُ فيهِ بِلا ضَجِيجٍ.

ثَمَّةَ هُبُوبٌ لِصَهيلٍ غامِضٍ يَتْبَعُهُ دَوِيٌّ غامِضٌ يُنْذِرُ بِعَدَدٍ مِنَ البَلايا التي لا هَوِيَّةَ لَها بَعْد).


الحُلْمُ ذَلِكَ الشُّبَّاكُ المَفْتُوحُ عَلَى الأَمَلِ

فَالحُلْمُ في اللُّغَةِ، وَجَمْعُهُ أحْلامٌ، هُوَ ما يَراهُ النَّائِمُ في نَوْمِهِ، وَأَضْغاثُ الأَحْلامِ، وَيُعَرَّفُ حُلْمُ اليَقَظَةِ في عِلْمِ النَّفْسِ بِأنَّهُ: (تَأَمُّلٌ خَيالِيٌّ وَاسْتِرْسالٌ في رُؤًى أَثْناءَ اليَقَظَةِ، يُعَدُّ وَسِيلَةً نَفْسِيَّةً لِتَحْقِيقِ الأمانِي وَالرَّغَباتِ غَيْرِ المُشْبَعَةِ وَكَأنَّها قَدْ تَحَقَّقَت).

تَكَرَّرَتْ مُفْرَدَةُ الحُلْمِ بِتَصْرِيفاتِها المُخْتَلِفَةِ في رِوايَةِ (المِياهُ وَظِلالُها) بِشَكْلٍ كَبِيرٍ جاوَزَ المائَةَ (حُلْم 82 مَرَّةً، يَحْلُمُ 5 مَرَّاتٍ، أَحْلام 33 مَرَّةً، الحُلْم 13 مَرَّةً، يَحْلُمُونَ مَرَّةً واحِدَةً، أَحْلُمُ 4 مَرَّاتٍ، حُلْماً 4 مَرَّاتٍ). يَأْتي الحُلْمُ الإبْداعِيُّ عِنْدَ أمين وَسَطَ كُلِّ هَذِهِ الكَآبَةِ وَالأَلَمِ. فَكُلَّما زادَ الأَلَمُ كَثُرَ الحُلْمُ، وَكَأَنَّ أمين يَهْرُبُ مِنْ مُواجَهَةِ كُلِّ هَذِهِ الخَيْباتِ وَانْحِسارِ الأَمَلِ وَاليَأْسِ بِالأَحْلامِ. فَهُوَ أَمامَ كُلِّ هَذِهِ الرَّغَباتِ المَقْمُوعَةِ، وَالخُضُوعِ لِإرادَةِ السُّلْطَةِ السِّياسِيَّةِ وَالمُجْتَمَعِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ، وَأمامَ مَوْجاتِ الأفْكارِ وَالمَشاعِرِ وَالرَّغَباتِ، يَدْخُلُ مِنْ حُلْمٍ لِحُلْمٍ لِيُشْبِعَ رَغَباتِ أَبْطالِهِ وَيَأْخُذَها مِنَ الحُلْمِ بِأَشْكالِهِ المُخْتَلِفَةِ وَرُمُوزِهِ (مَنام/ يَقَظَة/ رُؤْيا/ تَأَمُّلات/ هَذَيان/ هَواجِس وَغَيْرها) إلى فُسْحَةِ أَمَلٍ تُنْعِشُ أَرْواحَهُم، وَتُبْهِجُ فُؤادَهُمْ. مُنْذُ فِكْرَةِ النُّزُوحِ، والتي هِيَ الحُلْمُ الأَكْبَرُ في هَذِهِ الرِّوايَةِ، وَنَحْنُ نَلْتَقِي بِمُفْرَدَةِ الحُلْمِ في كُلِّ طُرُقِ هَذا العَمَلِ الإبْداعِيِّ، بِلْ نَكادُ نَتَعَثَّرُ بِهِ في كُلِّ خُطْوَةٍ، كَحُلْمٍ ضَلَّ سَبِيلَهُ وَهُوُ يُسْرِعُ إلى مَشارِفِ المُدُنِ البَعِيدَةِ، المُدُنِ الحُلْمِ (اليُوتُوبْيا) الأَمَلِ المَفْقُودِ، لِيُحْكِمُوا قَبْضَتَهُمْ عَلَى الحُلْمِ المُشْتَرَكِ، كَسادَةٍ لِلْمَهَبِّ، لَكِنِّهُمْ لا يَصِلُونَ إلى هَذا الحُلْمِ؛ يَفْتَحُونَ بابَ الحُلْمِ عَلَى مَنْظرٍ أَجْرَدَ وَنَفَقٍ طَوِيلٍ يِكادُ لا يَنْتَهِي.

"أَشْتَهِي أنْ أَحْلُمَ هَذا الحُلْم"

"شَبابِيكُ لا تَنْفَتِحُ إلا في حُضُورِ حُلْمٍ يُبارِكُ لِقاءَ الحَبِيبِ وَالحَبِيبَةِ بَعِيداً عَنْ عَيْنِ رَقِيبٍ. خارِجَ إقْلِيمِ الحُلْمِ"

"وَيَجِدُ الأبُوَّةَ المُسِنَّةَ مُعْتَكِفَةً مَعَ نَوْمٍ رَزِينٍ يَهَبُهُ الحُلْمَ تِلْوَ الحُلْمِ."

"إلى العَرّافَةِ ذَهَبَتْ المَرْأَةُ لِتُفَسِّرَ لَها الحُلْمَ"