"الياسمينة" قراءة في ديوان "بيت بفيء الياسمين"، للشاعرة فضيلة الموسوي



بداية ينبغي عليّ الاعتراف أن تناولي لديوان شعر بالدرس والتحليل ليس من اهتماماتي الثقافية، ألا أن ديوان "بيت بفيء الياسمين" يتحدث عن بيت أعرف سحره، وعن شجرة نمتُ بجانبها مخدراً بشذا أزهارها، وعشت طفولتي وشبابي في ذلك البيت.

كان في بيتنا شجرة ياسمين، زرعها الوالد المرحوم السيد محمد صالح عدنان الموسوي، اعتنى بها ودللها فسريعاً ما تعرّشت الياسمينة الحديقة في وسط الفناء، ولما تجرأت أغصانها وتطاولت مدّ لها خيوطاً، وكأنه رأى فيها إلهاماً لأشعاره وصورة لأحلامه، فتسلقت تلك الشجرة إلى شرفة الدور الأول، ثم تجاوزت شرفة الدور الثاني، واحتلت البيت كله برائحة أزهارها الزكية. تغلغلت الشجرة في حياتنا، أمست كما أراد لها الوالد أن تكون، عبقها رفيق طفولتنا، أغصانها تنمو في كل اتجاه مثل أحلامنا. كنا نسمي الشجرة "الياسمينة"، معرّفة بألف التعريف فهي المتعرّشة على البيت كفرد مقيم، وبتاء التأنيث كما لو كنا نخلق لها في وجداننا اعتباراً شخصياً.

في أيام الطفولة، كنا ننام ليال الصيف على سطح البيت، مثل بقية أهل الحي، فوقنا قبة من نجوم، وبجوارنا "الياسمينة"، أرواحنا مغمورة بشذاها، في الليالي الشديدة الرطوبة تكون الأزهار أنصع بياضاً وأكثر جسارة في نفث شذاها الذي يسري إلى بيوت الجيران.

هكذا تسربت "الياسمينة" إلى حياتنا في البيت، وبقينا متولعين برائحة الياسمين حتى بعد رحيلنا عن بيتنا القديم، فحملت أرواحنا رائحتها التي علقت فينا، بالنسبة لي كانت "الياسمينة" هي أرق زهرة.

لم يكن غريباً أن تركتْ "الياسمينة" أثراً عميقاً في حياة العائلة كلها، وارتبطت رائحتها بذكرياتنا الجميلة في ذلك البيت الكبير الذي ضج لسنين بأحلام أربعة عشر من الأولاد، بيت مليء بالأحداث والمغامرات، كان أكثرنا تأثراً بها هي أختنا فضيلة، كانت فتاة هادئة تتنقل في البيت الصاخب كفراشة، وديعة تتأمل وتراقب، وكنا نشعر أنها مختلفة، وكانت تختزن الوقائع في قلبها كشاعرة.

بهذه المقدمة يمكننا الآن أن نفهم بعمق لماذا اختارت الشاعرة فضيلة الموسوي هذا الاسم لديوانها "بيت بفيء الياسمين"، (دار مسعى للنشر والتوزيع، عام ٢٠١٦م، مملكة البحرين)، فقد وردت "الياسمينة" بحضور واضح في قصائد الديوان، حضور يحتفل بها رمزاً للحب الصافي في شكله المطلق، واعتبار زهرتها الملهم للشعر والجمال، والزهرة هنا يمكنها أن تقوم مكان الوردة التي تمثل المعشوق في العرف الصوفي، فقد تأملت الشاعرة "الياسمينة" من داخل الفهم الصوفي، وساعدها ذلك على إظهار بعض الطباع العرفانية التي تخللت جوانب شخصية الوالد. الديوان في مجمله يحكي سيرة العائلة، وفي رأيي هو الكتاب الوحيد الذي يستحق شرف توثيق أحداث بيت عريق يقف على قمته شاعر كبير مثل الوالد رحمة الله عليه، ففيما يخص الفن والأدب، كان البيت مزدحماً بالأرواح الملهَمة، فتأهل منه كوادر علمية، وفنية وأدبية، وكانت فضيلة هي الشاعرة، كانت الأجرأ فينا، وقفت بشجاعة لتصف ما كان قصة رائعة، وبرهافة حسها وظّفت "الياسمينة" كرمز لمعانٍ كثيرة، سوف نستعرضها في هذه المقالة، ساعدها في مهمتها تمكنها اللغوي الذي طوعت به صوراً شعرية ليس من السهولة البوح بها بطريقة السرد المباشر. لقد بهرتنا بصور جميلة لا تخلو من جمال روحها، التفتت إليها بذكائها الخاص في زحمة الحياة في ذلك البيت الكبير، وهذا ما يجعل قصائدها رائعة بالنسبة لنا، لأننا نعرف تفاصيل الأحداث ومع ذلك فاجأتنا عذوبة الأوصاف وروعة التشبيهات، كأنها أعادت حكي القصص بعد أن أبرزت معانيها السامية، ورسمت الشخصيات بالشموخ الذي تستحق.

ولستُ أبالغ حين أقرر أن هذا الديوان هو بحق العنوان الثقافي الذي تستحقه العائلة، ألا أنني حين أتأمل القصائد يبرز لي بوضوح أن الديوان كتب بطريقة مشفرة بالياسمين، فهو نص يحمل طبقات متعددة للتأويل، في بعض من أجزائه أشعر بقوة أنه نظم بشفرات خاصة جداً، معاني باطنية تتوارى خلف الألفاظ والكلمات لن يفهمها إلا أهل بيت الياسمين، ورغم أنني أنتمي لذلك البيت لكني لن أكشف هنا ما اجتهدتْ الشاعرة لجعله ملغزاً، فتلك لغة شعرية عذبة لا أنوي تفكيكها فيزول جمالها، وسأكتفي بتقديم قراءة تُركز على الدلالات المضمرة في"الياسمينة" كقيمة أدبية وثقافية.

فلندخل الآن إلى قصائد الشاعرة فضيلة وكلماتها.

عند أول عتبة للديوان تكشف الشاعرة عن تجربتها الخاصة في الشعر، وتبدأ برسم المشهد في البيت وتعرّف أبطاله الأساسيين، الأب والأم، كتبت إهداء إلى الوالد الشاعر السيد ورجل الدين المعمم وصفته بأنه "ظلّ يجللنا بالبركات"، وكتبت إهداء ثانٍ إلى الوالدة حيث صبّت فينا جميع صفاتها التي مثّلت ثقافة أهل المنامة، وصفتها بأنها "وردة تغدق العطر وتسكب اللون" ولعل في هذين الإهدائين ما يحضّر القارئ لشجرة الياسمين وفيئها. يقع الديوان في أقسام ثلاثة " مهجة البيت، بهجة البيت، وأريجة البيت"، يتألف من ثلاث وخمسين قصيدة تملك كل منها عالمها الخاص، وفي مجموعها تحكي البيئة التي نشأنا فيها.

"الياسمينة" الحبيبة

أحب الوالد الياسمين ولذا زرع شجرة ياسمين في كل بيت من بيوته الأربعة، ياسمينة لكل زوجة من زوجاته الأربع، الوردة هي معشوقة الصوفي وهي رمز المحبة الإلهية، بالنسبة للشاعرة كانت "الياسمينة" هي العشيقة -الزوجة - الأم، وفي قصيدة سمتها "نساء الياسمين" قالت:

ياسمينة معرِّشة على القلب

تناديه

تغويه بغنج أنثى فاتنة

ثم تتابع في القصيدة نفسها:

كم ياسمينة تتسابق إلى قلبه

من فازت؟

من خسرت؟

من غارت؟

من غابت؟

أولئك هنّ زوجات الوالد، وكم توفقت الشاعرة في استخدام الصفة "معرِّشة" في إيحاء أخّاذ لـ"الياسمينة" التي تتسيّد بعريشتها البيت وقلب الوالد، هو زرعها ثم عشقها.

تفرّد الوالد في خصاله وطباعه عن بقية الرجال، ومما اشتهر به أنه كان يطلق الأسماء على كل شيء في حياته، فسمى سياراته بأسماء معينة، وسمى زوجاته بأسماء العواصم العالمية، كما أعطى نخلات البيت أسماء إخوتي الذين يكبرونني، كلما ولد طفل غرس له فسيلة وسماها باسمه، أما نحن أولاده فكانت أسماؤنا لها نصيب كبير من الألقاب والكُنى، والآن وقد بحتُ ببعض التفاصيل، صار بوسع القارئ الاستمتاع أكثر بهذا المقطع من قصيدة "دار المقام"

هبط الوليد من جسد أمي

ضَحِكت الياسمينة

شعشع البيت واتسع

- ماذا نسميه يا سيّد؟ "القابلة تسأل"

- ليس بعد. دعيني أطرز له بالاسم قافية

ظهرت "الياسمينة" هنا معرّفة ومؤنثة تماماً كما نسميها في البيت، جاءت هذه القصيدة في القسم الأخير من الديوان، ولا بدّ أن الشاعرة هنا تفترض أن القارئ صار يعي تماماً ما تعنيه "الياسمينة"، وأنها تعيش معنا في البيت كفرد من أفراد العائلة. أروع ما في هذا المقطع هو الشطر"ضَحِكت الياسمينة"، والمقصود بالياسمينة هنا هو الأم وقد يكون العائلة برمتها.

حتى الدُور في بيوت الوالد لها أسماء من قريحته الشعرية، فحين بنى داره التي سماها "النعيم" اقتربت منها أغصان"الياسمينة" وكانت يومها قصيرة لم تتسلق بعد إلى سطح البيت، فوصفت الشاعرة في قصيدة "دار النعيم٢" تلك القصة الجميلة:

تتسلق إلى النافذة

تفتحها مقدار خيط

خيط من الوله

تمدّ بصرها كمنظار

لتشبع شوقاً إليه.

اقتسمت السر مع نفسها

ثم باحت إلى الياسمينة

كي تجزل وردها على شعرها

وتأخذ بتلابيب قلبها

هنا صورة شعرية رائعة، مشهد حب غزير، تظهره كلمات قليلة؛ الياسمينة، الوله، الشوق، البوح، القلب، وقد حدثت هذه القصة بالفعل لما طلّت "الياسمينة" عند نافذة غرفة الوالد، فأغرته الأزهار أن يسحب منها إلى داخل الغرفة غصناً دون أن يقطعه. ومرة أخرى تماهي الشاعرة بين الزوجة و"الياسمينة" وكأنهما شيء واحد، ويتيه القارئ في جمال هذا التمويه.

"الياسمينة" الملهمة للشعر

لا يكتمل أي مشهد إلا بحضور الياسمين، فحين تصف الشاعرة والدها الشاعر وهو منكب على كتبه في أوقات الليل المتأخرة، تقول في قصيدة "عندما يحين الكتاب":

كيف يذوب في حرير الكلمات

يترقرق في عشق حميمي

وهو ينسج العمامة بأناة وشغف

كيف يضفِّر الياسمين في شِعر النساء

كان الشعر والعشق والعمامة هم ثالوث حياة الوالد، ثم أحضرت الشاعرة الياسمين، ليس زيادة، أحضرتها بصفتها العطر الملهم الذي تعبق به حياة الوالد، كلما كان المشهد شاعرياً ظهر الياسمين في القصيدة مثل موسيقى تصويرية تُلهب القلب وتؤجج المشاعر، والصوت والرائحة عند الشاعرة سيّان كما سنرى في قصائد أخرى.


"الياسمينة" الذاكرة

في قصيدة أخرى، تلجأ الشاعرة إلى ماضيها، تفرّ إلى ذكرياتها في البيت الكبير، ترمز لكل ذلك بالياسمين، تختزل به كل الصور، وهنا تحوّل المشموم إلى مسموع، في التذكر تختلط الحواس وتتراكب، فتحيل الشاعرة عطر الياسمين صوتاً، فمرة هو"صدى" وفي أخرى هو "همس"، تقول في مقطع من قصيدة "بيت السيّد" :

يذوب البيت في أفراح الحيّ

ولا تذوب ذكرياتٌ تترقرق في حنين الكلام

فهل تجيد اليوم أمي تحريك نرد الحياة؟

فرجْعُ الأسى حنين

ورجْع الصدى ياسمين

وفي مقطع من قصيدة "الوصايا السبع"، ترجع الشاعرة بأحلامها إلى بيت الياسمين، تقول:

لأنتظر اكتمال إخوتي على مائدة الحب

لأتلمس بهاء الحبر والحرف

لأسترق إلى همس الياسمين

لما رحل الوالد، كانت الشاعرة أكثرنا حزناً عليه، وكيف تؤبن شاعرة أبيها الشاعر؟ ظلال "الياسمينة" الشاعرية لا زالت تلح عليها، تتردد في مخيلتها، فكتبت قصيدها، "ضريح الياسمين" هكذا وصفت قبره ومقامه، وهل يمكنها أن تحزن دون أن تحنّ إلى البيت القديم؟ فمن هناك تسيل رائحة الياسمين، والذاكرة تسترجع الروائح من جديد.

قالت تؤبن الوالد:

لا تقيموا الرخام

زينة للزائرين

دعوا مسافة القلب قائمة بيننا وبينه

دعوا القبر مفتوحاً ليتنفس رائحتنا

لا ضير من سماعه لوعتنا وأشواقنا

رشوا تربته بماء المحبة

واسمحوا لاخضرار ينصع من قلبه

وتتوقف الشاعرة. لا تكمل المشهد، لكن القارئ يواصل في ذهنه تخيّل الضريح، إذ "الياسمينة" تخترق تراب القبر، تنمو بالحياة، أوراقها خضرة نضرة، أزهارها ناصعة البياض، وعبقها يملأ المكان.

الديوان مليء بالصور الشعرية الجميلة، ولم يمض عام على صدوره ومع ذلك راحت بعض جمله مثل "الضحك في عُرفنا عنوان" تجري في عائلتنا قولاً مأثوراً لصدق كلماتها، وهناك قطفات ومقاطع شعرية لا يسعني أن أتجاوزها لروعة البيان فيها، مثل قولها تصف صرامة الوالدة في تربيتنا، في مقطع من قصيدة "وصية":

أمي ملكة

تخدم وتحكم

هكذا علّمها أبوها

أن تكون الزجرة نصلاً يقطع العيب في حينه

ولا أعرف كم من الكلمات أحتاج كروائي لأصف حياة الوالد التي قاربت الثمانية والثمانين عاماً قضى معظمها في التأليف مذ وعى الحبر والأوراق، ونظمتها الشاعرة فضيلة في مقطع بسيط من قصيدة "اسمك" :

صغيرة كنتُ

أراه متصومعاً في معبده

يرتكب الشعر بجريرة اللغة

متربّعاً أيقونته

يشيّد صروح الكتب

يلهث من الدواة

حتى آخر نقطة من سواد الليل

كأنه وجه التاريخ العريق

خرافة كُتبُ السيّر

مخلوق يحلّق في ضياء

بين حروف وآلهة ومدن ومنارات

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email