رصاصات جدران  "قدس البلقان"!


كعادتي قبل البدء برحلة سفر جديدة، أقوم بالبحث عن كل معلومة أستطيع الوصول لها وتتعلق بالبلد التي سأزوره، ومصادري، في ذلك، عادة ما تكون متنوعة من كتب أو مجلات أو حتى صفحات الإنترنت. أبحث عن تاريخ هذه البلدان القديم والجديد، كما أبحث عن المدن المهمة التي سأزورها، وشعوبها، وفنادقها، وأخيراً أشهر ما تمتاز به من أكلاتها. وقع قرار العائلة، في عطلتنا الصيفية الأخيرة، على كل من جمهورية كرواتيا وجمهورية البوسنة والهرسك وجمهورية الجبل الأسود "مونينيقرو". وقررنا أن نعبر حدود هذه الجمهوريات بالسيارة. اتفقنا على هذا، ثم بدأت رحلة البحث في صفحات الانترنت، وكتاب “lonely planet “ لأوروبا الشرقية عن تلك الجمهوريات الثلاث. كان التأمل في الصور المبهرة لجمهوريتي كرواتيا و"مونتينيقرو" التي تعني الجبل الأسود، جعلني غير قادرة على انتظار موعد الرحلة. كانت صورة هاتين الجمهوريتين تتراءى أمامي وكأنها واحدة من بلدان الأساطير القديمة أو الأفلام المتخيلة، تمنيت وقتها أن الرحلة، حين تبدأ، أن تكون رحلة مفتوحة وبلا نهاية. تعمدت ترك البحث عن جمهورية البوسنة والهرسك للأخير، كانت ذكريات وأطياف متناثرة من تلك الجثث والمقابر الجماعية التي شاهدناها على شاشة التلفزيون في تسعينات القرن العشرين لا تفارق مخيلتي. ما زلت أتذكر صور الجنود والدبابات وقد ملأت شوارعها، وصوراً لأطفال جياع علقت في شوارعنا طلباً للإغاثة، كل ذلك جعل فكرة البحث في صفحات الانترنت مهمة ثقيلة على القلب. لكننا أحياناً يجب أن نتألم لكي نتعلم، الألم هنا هو بوابة المعرفة، ومن هذه البوابة بدأت رحلة البحث عن جمهورية البوسنة والهرسك في تلك الصفحات، كتب، وقتها وفي خانة البحث، هذه العبارة: "تاريخ البوسنة والهرسك".


هالني ما شاهدت، صور لا تنتهي لجثث أطفال بأحذيتهم الصغيرة، وألعاب بعضها ظل في حضن جثة طفل او تناثرت اشلاءً كما أصحابها. صور لنساء احتضن اطفالهن قتلى، صور بكاء يعصر القلب، صور نساء كبروا في العمر يجررن ارجلهن في غابات وشوارع هروبا من الدبابات وجنود ٌ يلاحقونهن غلب الكره إنسانيتهم، صورة جندي ممسك بسلاحه وسط طريق غطته حجارة البيوت المهدمة. صورة جنود يحاصرون بوسنيين في حفرة جهزت لتجميعهم ومن ثم قتلهم قتلا جماعيا لا يرحم، رأيتهم في صورة أخرى هياكل عظمية يحاول أهلهم الناجون التعرف عليهم.

الفيلم المصور من تصوير واخراج الفنانة : اماني الطواش


حاولت ايجاد تبرير يهدأ مشاعر الغضب التي تملكتني بعد المرور بتلك الصور والأفلام. بعد مشاهدتي لفيلم "ارض الدم والعسل" الذي صور في العام ٢٠١١ والذي يحكي تفاصيل القتل العشوائي والاغتصابات والمذابح الجماعية التي حدثت في الحرب في العام ١٩٩٢ الى انتهاء الحصار. يدور الفيلم حول قصة حب بين مسلمة بوسنية وصربي عسكري مسيحي، يبدأ الفلم بمشهدٍ لموعدهم الغرامي الأول ورقصهم الرومانسي على أغاني بلقانية لا تفرق بين مسلم، مسيحي كاثوليكي، او مسيحي ارثوذكسي، ثم ينتهي المشهد بانفجار فرق الحبيبان، وغيّر كل شيء. تبدأ القصة هناك بتفاصيل ما حدث في حرب يوغسلافيا الأهلية، بمشاهد متفرقة بين البوسنيين من جهة والصرب من جهة أخرى. لم يجد كل منا، انا والفيلم، إجابة عن أسئلة او تبرير لتلك الحرب التي قامت بين عرق واحد ذا لغة واحدة لا يختلف الا في الدين. كررت البطلة المسلمة كلمة "القتل" في احد المشاهد: "وان كل تلك الأسباب وضعت للقتل"،كانت تصارح حبيبها المسيحي "العدو" برأيها عن تلك الحرب، هي أيضاً لم تجد مبرراً مقنعاً.

لا اهتم غالباً بالسياسات او الأنظمة، لكني، في الحرب، قد أتأثر بدم الأبرياء وحتى غير الأبرياء منهم، ارى وراء كل دم منهم حبيباً يبكي لفقده وسيتذكره وسيشتاق اليه. في الحرب لا يهمني حقاً تفاصيل من بدأ النزاع، بل ولا نتائجها السياسية، ما يهمني حقاً كيف تهدم البيوت وتتشتت العوائل ويضيع أطفال بلا امهات. لا اقتنع بأي تبرير تصنعه الحكومات والسياسات التي غلب على امرها الكره والمصلحة. ارى كل حرب قامت او تقوم، يكون وراءها كذبة تبدأ صغيرة لتكبر الى ان تصبح حقيقة تكتب عنها الصحف وتوثقها كتب التاريخ. لم نجد تبريراً لذلك الدم الذي سفك باسم أديان جاءت من عند غفورٍ رحيم، أديان قامت أساساتها على التسامح والرحمة.


بدأت اجمع أمتعتي ثم انطلقت في رحلتي بدءاً بجمهورية كرواتيا وبالتحديد مدينة "دبروفنيك". هبطت الطائرة بعد رحلة طويلة بين البحرين ودبي الى ان وصلت للمدينة التي لم اكن أطيق الانتظار حتى اصل لأسوارها، اخترت كعادتي فندقا داخل المدينة القديمة، لأتخيل نفسي أميرة في العصور الوسطى تجوب مدينة جميلة بفتستان طويل وقبعة مزينة بريش النعام. بدأت ارى الأسوار من نافذة سيارة الأجرة من بعيد، مدينة بأربعة أبواب رئيسية كانت في العصور القديمة تغلق ليلاً. لا يسمح للسيارات بدخول شوارعها، فأخذنا حقائبنا ودخلنا تلك المدينة المزدحمة بالسائحين وضجيجهم. كنت قد حفظت مكان الفندق من على الخارطة عند الحجز، فسهل علينا ذلك الوصول اليه عند النافورة في الساحة. لم اصدق عيني، لم أصدق ان هناك مدينة بهذا الجمال الذي لم يستطع وصفه كتاب او صورة، كانت دوبروفنيك مدينة ساحرة، شوارعها جعلتني اتخيل سماع أصوات حوافر الخيول والعربات، ازقة اتخيل فيها أصوات الأطفال وهم يركضون، دكاكين صغيرة سمعت طقطقة الصناع فيها ترن، بيوت حجرية ذات اسقف حمراء بنوافذ صبغت جميعها بالأخضر جعلتني اتخيل النساء يطلون منها لأسمع قصصهن وضحكاتهن. لم يكفني يومين لاكتشاف اسرار تلك المدينة،حينها لفتتنا إشارة في خارطة المدينة بعنوان "متحف دوبروفنيك للحرب"، فقررنا زيارته قبل مغادرتنا المدينة بساعات.

كان المتحف في احد الأزقة الصغيرة المرقمة، تابعنا أرقامها في الخريطة المطبوعة الى ان وصلنا ذلك الزقاق، لم نكن واثقين انه من الممكن ان تحمل تلك الأزقة الصغيرة تلك الإعداد الهائلة من الأبواب، الى ان وجدنا لافتة على باب صغير "متحف الحرب". كان المتحف يعرض صور Wade Goddard الصحفي الذي عاش فترة الحرب الأهلية ووثق أحداثها بالصور، ملئت الجدران بصور من "كوسوفو" و "كرواتيا" و"البوسنة". أعلنت كرواتيا استقلالها من الاتحاد اليوغسلافي في العام ١٩٩١، فبدأت الحرب بين قوات الشرطة الكرواتية والصرب القاطنين في جمهورية كرواتيا اليوغسلافية، وزادت حدة الحرب مع اصرار الاتحاد اليوغسلافي الذي تقف على رأسه صربيا وتسليح الصرب في كرواتيا مما جعل الصرب يبحثون عن طريقة لإيجاد حدود في داخل كرواتيا بأغلبية صربية أو باعتبارهم أكبر أقلية و بالاستيلاء على أكبر جزء ممكن من كرواتيا، حيث إن الكروات ترجموا ذلك بمحاولات الصرب لبناء دولة صربيا الكبرى. كانت هناك صورة لدبروفنيك وشوارعها خالية، وأدخنة لمباني محروقة، تفاجأت حين رأيتها وبدأ دمي يفور غضباً، هي مدينتي الجميلة التي أصبحت فيها أميرة. حاصرت الجيوش اليوغسلافية دبروفنيك من "مونتينيقرو" ثمانية اشهر مع محاولات لم تنجح للاستيلاء عليها. عان الكرواتيون من نقص في الغذاء والأدوية، في نهاية عام 1991 كانت كرواتيا قد تأثرت بشكل كبير، عدد كبير من المدن والقرى الكرواتية دُمرت في العمليات القتالية، وتسببت بآلاف اللاجئين. في الحرب كل طرف له قصصه وتبريراته، لكني ما زلت ابحث عن تبرير لتلك الحرب يقنعني، ولم اجد.


بين صور الحرب التي شاهدتها في متحف الحرب في دوبروفنيك وصور بحثي في صفحات الانترنت، انطلقنا بالسيارة متجهين الى جمهورية البوسنة والهرسك. كان في داخلي خليط من رهبة الحرب وحماس لرؤية جمال طبيعة أخاذ. كنت متهيئة لقضاء ساعات على الحدود الكرواتية البوسنية، لكنه كان عكس ذلك تماماً. استغربت سهولة عبور تلك الحدود، التي لم تأخذ دقائق، بابتسامة استقبلنا بها ضابط الجوازات، كانت بداية مشجعة لنا كسائحين. تخيلت ان الدبابات التي رأيتها في الصور تنتظرني في شوارعها المكسرة، لكن شوارعهم كانت عكس ما توقعت، جديدة، جميلة وواسعة، ولا اثر فيها لدبابة. دخلت جمهورية البوسنة والهرسك، وبدأت ابحث عن آثار تلك الحرب التي عشتها في الايام السابقة في الصور والأفلام والمتحف. لكن اعلام جمهورية كرواتيا فاجأتني وانستني ما كنت ابحث عنه، كانت ترفرف في الطريق وكأنني لم أغادر الأراضي الكرواتية بعد، بالتحديد في مدينة ميدجوري المعروفة بالتزام أهلها الكاثوليكي، حيث هناك حادثة مشهورة حدثت في العام ١٩٨١ حين شاهد عدد من الأهالي هيئة مريم العذراء في أماكن متفرقة، ومن يومها أصبحت المدينة مقاماً دينياً يحج له المؤمنون. غصت المحال التجارية بصور العذراء مريم، إلى جانبها انتشرت الاعلام الكرواتية باشكالها الصغيرة والكبيرة، حتى خُيل لنا بأننا فعلياً في الأراضي الكرواتية وليس جمهورية البوسنة والهرسك. رأيت في كل ذلك مبالغة في إظهار شعائر الدين، لكنه انتماءهم الديني الذي تحاربوا من أجله مع البوسنيين المسلمين، هو هويتهم التي تهددت حين أعلنت الجمهورية البوسنية الهرسكية استقلالها.


في الطريق، الى مدينة موستار ذات الطابع الإسلامي العثماني والمشهورة بجسرها الذي يرتفع فوق نهر نيريتفا، كانت الأعلام الكرواتية قد بدأت بالاختفاء، لتحل مكانها مساجد أنيقة، بمنارات اسطنبولية رشيقة وطويلة، لتعلن عن هوية البوسنيين البوشناق الإسلامية، الذين تغيرت نظرتهم للإسلام بعد حرب لا ترحم. كان الدين احد ذرائعها للقتل والابادة، اسلامهم الذي لطالما كان قريبا للعلمانية وتحت سيطرة حكومة اشتراكية لا تهتم حقا بالدين. وصلنا موستار، كنّا متلهفين لرؤية جسر ستاري موست أو "الجسر القديم" الذي بني في العهد العثماني في القرن السادس عشر ليربط الجزء الشرقي الذي يعيش فيه حاليا البوشناق المسلمين والجزء الغربي الذي هاجر اليه الكروات في الجمهورية اليوغسلافية لاحقاً. ظل الجسر شامخاً حتى تم تدميره عام ١٩٩٣ من قبل قوات كرواتيا، كانت صورته مدمراً معلقة في متحف الحرب في دوبروفنيك. في الطريق القديمة ونحن نبحث عن الجسر بين المساجد المرممة لاحظنا اعلانا عن متحف الحرب الموجود على أطراف تلك المدينة، فقررنا بدأ رحلتنا في موستار بزيارته. كان المتحف مليئاً بمعدات الحرب والصور والأفلام التي قد نحتاج ليومين او اكثر لمشاهدة وقراءة كل ما عرض. بين كل تلك الصور لذكرياتهم المؤلمة، امتلأنا بحقد اصحاب الصور والمجازر وبدأنا بالشتم أحياناً والدعاء أحياناً أخرى. في زاوية بعيدة هناك غرفة كان يعرض فيها فيلم آخر، تمكنا من الجلوس على كراسٍ سوداء مصفوفة ومشاهدة الفيلم المعروض لمذابح جماعية، بعدها ادركت انها كانت غرفة ذات طابع وطقوس يجب على زوارها تأديتها. بعد ان يشاهد الزائر ذلك الفيلم البشع لما حصل لتلك المدينة قبل اكثر من ٢٠ عاماً يأخذ قصاصة أوراق جاهزة لكتابة شعوره عليها في تلك اللحظة او رسالة يريد ايصالها او ربما فكرة خطرت له خلال الفيلم، ثم يلصقها مع قصاصات الورق التي ملأت جدران تلك الغرفة حتى غطت ألوانه. وقفت مبهورة وانا اقرأ ما كتب بلغات مختلفة، عبارات اختلطت بين مشاعر الحب والسلام ومشاعر كره وانتقام. استغربت فكر الناس المارين هناك، تكررت كلمات السلام، وذكر الله سبحانه وتعالى، والإسلام ، لكن أكثر ما أدهشني كان جملة تكررت "we will not forgive, we will not forget “ اي انهم لن ينسوا ولن يسامحوا!؟


خرجت من ذلك المتحف وفي داخلي أسئلة لا تنتهي، اولها كان "لماذا؟" ، لماذا تلك القسوة في وجوه الجنود في الصور؟ لماذا ذلك الحقد الذي تخلقه اختلافات الأديان ؟ لماذا يصل الكره الى القتل والدمار؟ والأهم من ذلك كله لماذا لا ينسى الإنسان ويسامح؟! ارعبتني جملة عدم النسيان والمغفرة، وكأنها نذير شؤم بحرب قد تطلق صفاراتها في اي لحظة، في بلد تجمّع فيها عرق واحد لثلاثة اديان لا يتفقون، المسلمون البوسنيون والكاثوليكيون الكروات والأرثوذكس الصرب. مع كل تلك الأسئلة مررنا على الجسر القديم الذي رمم في العام ٢٠٠٤ وكأن شيئا لم يكن، واعتبر كونه رمز التواصل والتعايش والحوار والمودة بين الشرق والغرب. هل كل تلك الرموز هي في الحقيقة مجرد شعارات تجارية او إنسانية؟ كيف ترمم إذن مشاعر من عاش الدمار وتحطم بيته وماتت عائلته وخرب كل ما في داخله؟ لم استطع ان استمتع بتلك المدينة الجميلة الرائعة، وانا ابحث في داخلي عن تفسير لكل ما حدث بعد ان شاهدت تلك الوجوه الحزينة في الصور.

انطلقنا بعدها بالسيارة متوجهين للعاصمة سراييفو، في الطريق بدأت رحلتي مع رصاصات الحرب التي خرقت جدران المدينة، كل ما كنت ابحث عنه في الطريق هو رصاصات لا تزال اثارها في الجدران، كانت عيناي تلاحق الجدران وتفتش عن آثار الحرب بها. كلما وقعت عيناي على جدار وقَّعت عليه الحرب برصاصاتها، اتخيل طفلاً بكى خائفاً من صوتها، او زوجة خبأت نفسها في صدر زوجها، او صرخة هلع اطلقها رجل خوفاً على عائلته وأمه العجوز، تخيلت قصصا لا تنتهي وراء تلك الرصاصات التي بعد كل تلك السنوات لا يزال الكثير منها موجوداً في المدينة، وكأن اصحاب تلك المنازل تعودت اعينهم رؤيتها، او ربما أصبح أصحابها يفخرون بها.


مدينة سراييفو القديمة، معمار أوروبي يذكرنا بالإمبراطورية النمساوية بمبانيها الملونة وأطرافها البيضاء المزخرفة. سراييفو احد اهم مدن البلقان، التي تجمع، في حي واحد، كنيسة كاثوليكية وأخرى أرثوذكسية ومسجد وكنيس يهودي، ومن هنا جاءت تسميتها بـ"قدس البلقان". في سراييفو بعد عبور جسور نهر الملجاكا وانتظار مرور الترام الكهربائي الاول في أوروبا حيث أسس في العام ١٨٨٥، وبين الأبنية الملونة الكبيرة، التي وقعت عليها رصاصات حرب التسعينات، وعيناي التي تحلق باحثة عن رصاصات وقصص جديدة أتخيلها، أخذتنا ازقتها الضيقة وكأننا في آلة زمن الى قلب الحي القديم العثماني، بأرضية شوارعه الحجرية، ودكاكينه الصغيرة، بقبب مساجد وصوت اذان ثم ساعة كتبت بأرقام عربية اصر بها العثمانيون ان يتركوا بصماتهم حتى بعد ان أجبروا على التنازل عن إدارة البلد إلى الامبراطورية النمساوية المجرية. جلست في احد مقاهيها الشعبية أراقب وابحث عن البوسنييين، احاول إيجادهم او تفريقهم، لاحظت التزامهم الديني في حجاب فئة قليلة من الفتيات او في لحى القليل من رجالها. كلما مر رجل عجوز او امرأة في سن الأربعين، افكر أين كان في الحصار؟ ماذا فعل؟ هل فقد حبيبا؟ هل حمل سلاحا؟ هل هو مسلم؟ هل قتل مسيحيا؟ هل ساعد جريحا؟ كيف استطاع الاستمرار بعد ما عاشه في الحرب؟ هل سينسى ويسامح؟ تركت المقهى بعد ان شربت قهوتهم المرة، لأكمل بحثي عن رصاصات في جدران المدينة.


اليوم الأخير لنا في جمهورية البوسنة والهرسك، انطلقنا بالسيارة متوجهين للجبل الأسود، وبدأت منارات المدينة تختفي ليحل محلها أعلام صربية كلما اقتربنا من الحدود البوسنية المونتونقرية، كانت مناطق الصرب واضحة بأعلامها التي ترفرف. غادرت البوسنة بقلب حزين، كنت أزيد حزنا كلما رأيت منظرا لا مثيل له لبلد لم تستطع الجبال المحيطة به حمايته، ولم تمنع أنهاره وصول الدماء له. حصار دام اربع سنوات لسراييفو، مذابح جماعية في الشرق والغرب، ذكريات لا احد يستطيع نسيانها، ثم البعض لا يستطيع المغفرة. ماذا لو لم يقرر حلف شمال الأطلسي "الناتو" شن هجوم جوي ضد الصرب لإيقاف الحرب بعد اربع سنوات؟ وهل كانت تنتظر حدوث مذبحة سربرنيتشا لتوقفها؟ كل تلك الأسئلة كانت ترافقني وانا ابحث عن رصاصات خرقت جدران جمهورية البوسنة والهرسك الجميلة.

6 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email