البرابرة


لماذا لا أرى الواقع على الشكل التالي؟:

نحن الآن في حالٍ جيدةٍ، قياساً بما سيكون عليه حالنا بعد عشر سنوات. لستُ مطمئناً بالطبع، لكن لا بد أن نسارع بإنجاز ما يمكننا إنجازه الآن، فربما لن نتمكن من عمل شيء مهم بعد سنوات قليلة، بل من المؤكد أن المستقبل القريب سيحول دون مجرد التفكير في عمل شيء جميل.


٢

لستُ متشائماً، إنني أقيس الواقع في ضوء متتاليات حياتنا التي عشناها منذ خمسينيات القرن الماضي، وها نحن نقتطع الربع الأول من القرن ٢١ متقهقرين بشكلٍ متسارع. وما كنّا سنصدق أحداً لو كان قال لنا عما سيحدث لنا الآن.


٣

لستُ متشائماً أبداً، تعلمتُ من التجربة، أن قدرتنا الأسطورية على تفعيل حيوية التدهور، وتدريب أنفسنا على أمثولة الخسارة لا توصف، نحن قادرون على التفريط في مكتسبات حياتنا، وطرح كل تضحياتنا في البواليع. موهوبون في هذا الشأن، دون الحاجة إلى برابرة، ولا أعداء. نحن أعداء أنفسنا، أعداءٌ نحسن ذلك. نحن البرابرة.


٤

نظراً لذلك كله، لا بد أن نرى لحظتنا باعتبارها الحال المعقولة قبل فوات الوقت، فنحاول عمل بعض ما نستطيع، على الأقل لجعل حياتنا محتملة، حالياً، ومن غير هذه الطريقة سيتعثر علينا الزعم أننا عشنا.


٥

لستُ متشائماً على الإطلاق، على العكس، فإنني أمارس السعي الحثيث نحو أملٍ لا بد منه.


٦

خصوصاً الأمل. فنحن لا نتعامل مع بعض المفاهيم بحرية جديرة بالإنسان، يكاد يكون كل شيء مرسوماً لنا ومعداً مسبقاً، وعلى قياسنا بالضبط. ومكتوب علينا قبول ذلك، تفكيراً ومعايشة، بدون مجرد التردد أو الشك والمساءلة. حتى البهائم يمكن لبدائيتها أن تنطح سور الحظيرة، لكننا، لكوننا غير بدائيين، غير مسموح لنا مثل ذلك النطح.


٧

لستُ متشائماً، لكن مثل هذا الأمل، ليس يأساً، إنه طريقة حياة يتوجب الخضوع لشرطها. فالإنسان في أقاليمنا يجري التعامل معه باعتباره درجة ثالثة من المخلوقات. لم تعد المنظومات العربية تكترث برأيه ولا رغباته ولا حاجاته البسيطة. لم يعد هذا المخلوق يستحق مجرد وضع الهواء في القلب بحرية التنفس.

لستُ متشائماً.


٨

هل جربتَ البوح، بصوت مسموع، بسؤال واحد عن المستقبل؟

هل تعرف حقاً شيئاً ذا مغزى عن (المستقبل).

ما معنى هذه الكلمة، من غير أن تتمتع بحرية الأحلام في ظلام العرب.

هل ثمة فرق، يجوز لك الإشارة إليه، بين الظلام والليل في حياتنا؟!

بعد أن لابَتْ بك الحياةُ، جريحاً، كل هذا العمر، هل تجاوز حقك حدود المطالبة الصوتية، لكي تقول أنت «ما تريد»، ثم تفعل السلطات «ما تريد»؟

أين التشاؤم في هذه الحال؟


٩

كل ما في الأمر أننا نعيش الوضع الأكثر احتمالاً لما ستؤول إليه الحال بعد عشر سنوات.

وظني أن وقت تلك السنوات العشر يوشك على الانصرام، فنحن الآن، ربما، في غضون السنوات العشر المنتهية على وجه التقريب. وحسبك أن تسحب يديك من جحر الثعابين.

(الهواء المكنوز في مكتبتك لن يسعف رئتك، حال فتحت عينيك على النهار. ثمة دخان كثيف تدخره لك الكتبُ، محروقة القطن والأحبار).


١٠

(وكلما قالوا لك عن الأيام الجميلة المؤجلة، لا تصدق، إن تيسر لك ذلك، ففي الشكّ شيء من المخاطرة، والمخاطرة جزءٌ من النجاة).

نتداول من المفاهيم ما لا نفهم، وما لا يُفهم، وما لا يعني. فالحضيض الذي نتدهور إليه لا يسع الإنسان وقرينه. دع الملك للمالك، فهو ليس مالك.

وليس لك الحق في التشاؤم. التشاؤم شكٌ مستطير في الواقع. هذا الواقع الذي يقع على كاهليك صباح كل يوم.

بقيَ علينا فقط، أن نتدارك ما نحن فيه من سعةٍ، قبل أن يدركنا وقتٌ لا نقوى فيه على رد النفس التالي، فبعد عشر سنوات، مما يبقى، سنبكي علينا، نحن البرابرة. لئلا يقال عن تشاؤمنا.

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email