المسرح بوصفه سؤالاً


تعالوا نتأمل هذه المفارقة. تعلمنا من تجارب التاريخ الثقافي الإنساني، أن المسرح هو أكثر الفنون تطلباً لشرط حريات التعبير، وكثيراً ما يقال إن الدليل الحضاري الأكثر حيوية على ديمقراطية المجتمع هو فنّ المسرح. فانتعاش ونشاط الأعمال المسرحية في المجتمع هو إشارةٌ، لا تخلو من مغزى، بأن شرط الحرية وتجليات هوامشها تتوافر هناك بقدرٍ لازم، لنرى الفعل المسرحي يأخذ طريقه الموضوعية في الحياة. والحق أن إيماننا بهذه الحقيقة جعلنا، طوال التجربة المعاصرة، نرصد ونلاحظ التجليات، شديدةُ الحضور، في عديد من بلدان العالم المتحضر، بل إن دروساً نستطيع الاعتراف بأننا ندين لها بتأكيد ذلك الإيمان.

غير أن المفارقة التي تبدَّت لنا في السنوات العربية الأخيرة، تشير إلى أنه في الوقت الذي بدأتْ فيه المنظومات السياسية المهيمنة في الحياة العربية، (في مقدمتها المؤسسات الحاكمة)، تطرحُ علينا الصوت، معلنةً تأكيد ديمقراطيتها، لاحظنا، في اللحظة ذاتها، التدهور الثقافي الفادح والشامل، والانحطاط النوعيّ لفنون التعبير، بسبب من تفاقم النظرة الدونية والمضادة للحضارة، للفنون جميعها، وصرنا نرقب، بكل حسرة، تسرّبَ فنُّ المسرح، بتجلياته المتصلة بالتعبير الدرامي، وانصرامه من بين أيدينا، حتى أننا صرنا نعاني من وطأة عذاب هذه المفارقة بين الشعارات الديمقراطية التي تطرحها وتباهي بها السلطات، والانحسار المخيف للمسرح (بفعل حصاره وابتكار أشكال تجفيف الحياة من حوله). هذه المفارقة، التي تشكل فضيحة حضارية لا يخجل منها أصحابُ الحل والعقد والجمع والمنع، ولا يقوى على معالجتها أصحابُ الفن والأدب والثقافة، لتظل، هذه المفارقة، هي العلامة التي تميز أشكال النظر والعمل التي يشتغل بها الكثيرون بكثير من آليات الانهماك منقطع النظير ومقطوع الأنفاس، دون الزعم بأننا نملك القدرة على تفادي هذه المفارقة وذلك التدهور. فنحن لا نفهم على وجه التقدير كيف أن نظاماً وسلطات سياسية تزعم الديمقراطية، في الوقت الذي يتعرّض، في ظلها الثقيل، فن المسرح، وفنون التعبير الفنيّ الأخرى، للمحو والحصر والمصادرات، مادياً ومعنوياً؟ تلك لعمري مفارقة يتوجب على أصحاب الحكم العربي أن يخجلوا منها، لفرط ما يفعلون، (وما لا يفعلون).

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email