ربما ورثتُ الوحدة من هناك. في الغرفة الكونية، كلما طال بك الوقت وجدت نفسك تتوحد مع ذاتك. فأنت وحدك الآن، وكل البشر وكل العالم خارج الغرفة، مهما توهمتَ دعمهم لك، وشعرت بقيمة وجودك لأجلهم، فهم في حقيقة الأمر لا يكترثون ولا يعنون لك ... ، أعني لا يستطيعون فعل شيئ من اجلك. أنت وحيد وحدك.

 

٢

هذه الحقيقة هي ما تصوغك وتمنحك القوة الداخلية منقطعة النظير. تحررك من ذلك الخارج البعيد، تجعلك قوياً لمجابهة الهول الذي يحبسونك فيه، و يحاصرونك به. أنت حرٌ الآن. حرٌ من العالم. أنت العالم الآن. وحيدٌ أنت بالشكل المثالي للوحدة. وحدتك هي حريتك القصوى. في هذه الوحدة، لا تنقطع عن العالم، عن الناس، أنهم معك، أنت معهم، لكنك الآن تخطو بخطواتك الخاصة. الوحدة في حصنك وسلاحك وعدستك في التحديق إلى المجهول. مجهول لا يدركه أحد سواك. فتشبث بوحدتك، لئلا تضيع في الجموع.

 

٣

لقد تناولت العشاءات الكثيرة معهم، وقرأتَ معهم الكتب ذاتها، وغنيتَ أغانيهم، ولوّنت عصافيرهم بسواد احداقك. لكنك الآن في القراءة مثل كتابةٍ وشيكة. صار لك أن تختار الكتب وحدك، وتعد الوجبات بنفسك وتضع فيها النكهات على ذوقك، وتغني وحدك. ذلك ما يجعل وحدتك غنية، غزيرة، وكثيرة الأحلام.

 

٤

هل جربتَ أن تراقب سنجاباً في غابة؟

سيكون ذلك تمريناً يناسب استعدادك لمراقبة نفسك وأنت تستفرد بوحدتك، تستفرد بك، بعيداً عن العالم، وبمعزل عن الآخرين. هناك، فيما أنت في الدرجة القصوى من الوحدة، ستكون الأشياء المحيطة بك غريبةعنك وغامضة، وتكاد تكون غير مفهومة. حتى الذي يفتح بابك ليدفع لك الأحبار، ستراه في كل يومٍ شخصاً مختلفاً، غريباً، يستعصي عليك معرفته في اليوم التالي. بالرغم من انه الشخص نفسه، الشخص نفسه، يكررونه عليك إمعاناً في صقلك. غير أنك لم تعد تكترث، صرتَ منقطعاً، وحيداً إلى هذه الدرجة.

 

٥

ربما لأنك قد طفقت في صياغة حياتك الخاصة، صرت خالقاً لذاتك، بلامبالاة بالآخر. ثمةعالمٌ يرصد ذاتك ويتقمصها ويتحصن فيها. هذا العالم هو الوحدة المتوالدة يومياً، لتصير قوياً بها.

وحدتك ليست قبراً لك، ولا عزلة عليك. انها أنت أكثر حرية من ضياعك في الجموع.

الآن، ستعرف إنك لن تكتب ما تحب وما تريد، إلا في هذه الغرفة، كثيرة التطلب، والنفور.

بعد ذلك يجوز للكتابة أن تعوّل عليك.

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد