احمد الربعي"، سيد السجالات



احمد الربعي، المناضل الكويتي، كان قد عَبَرَ التجارب السياسية الكثيرة بما يكفي لمراجعتها كاملة. وإذا كان ثمة دروس تركها لأصدقائه، خصوصاً الذين احتفلوا في البحرين قبل أيام، بذكرى وفاته العاشرة، فهو درس الحوار وإعادة الحوار بقبول كافة الأفكار المختلفة.

إن أهم ما كان يتميز به الربعي هو موهبة السجال الإيجابي، من أجل عدم فقد الأمل في العمل، والاستعداد للخروج من الظروف المستحيلة الى مرحلة المواقف الصعبة، ومن ثم اكتشاف آفاق الحلول الممكنة بدرجة متقدمة من الوعي: وعي الظروف واستيعاب الخصوم، خصوصاً عندما نكون مستعدين لعدم اعتبار الخصوم اعداءً.


٢

سيكون لاستذكارنا أحمد الربعي معنى عندما نعتبر بتجاربه، ونتأمل درسه بشكل يفيد ممارستنا الراهنة، وإلا فالطحن العاطفي المجرد سوف يسحق قلوبنا بلا معنى ولا فائدة.

فموتانا من الاحباء أصحاب الفكر والتجربة، عندما يموتون تذهب دروسهم معهم، إن لم نستحضرهم بالعمق اللازم والرغبة والاستعداد الضروريين، من اجل جعل حضورهم فاعلاً في حياتنا، نحن الذين لا نزال بحاجة للمعرفة ما دمنا في الحياة، وما دام الواقع يقع على كواهلنا.


٣

وظني ان حياة احمد الربعي قد اختزلت التجربة الوطنية في الخليج المعاصر. فبعدما تفجرت الثورة في عمان كان الربعي احد الكوادر الذين انهمكوا في نضالها المسلح. وبعد الاعتقال والسجن عاد الربعي الى العمل السياسي عابراً النضال البرلماني والمسؤولية الرسمية في وزارة التعليم، وظل ناشطاً يميّز ، بحضوره الفعال، العديدَ من الندوات الثقافية في مختلف الشؤون العربية.

كان يفعل كل ذلك، بحماس منقطع النظير، دون أن يفقد طبيعته العفوية الصادقة، ولا هويته الشعبية، برغم بعض السياقات الرسمية.


٤

كان ذلك نموذجاً واضحاً من الجيل الذي انبثق مع انطلاق الروح القومية في ستينيات القرن الماضي، جيل شباب "حركة القوميين العرب"، حيث كانت الأحلامُ على قدر الأمل، وتفيضُ عليه أحياناً. ففي تلك البوتقة القومية نَهَلَ منها رعيلٌ واسعٌ كثير الفعالية، تيسر له أن يشكّل معيناً غنياً للكثير من التجارب النضالية، في مناطق مختلفة من البلاد العربية.

لذلك ستجد التداخل الفذّ بين تجربة "أحمد الربعي" هنا، وبين العديد من فعاليات عربية أخرى، متقاربة مع الدرس الذي يقترحه الربعي على المشهد النضالي العربي، وخصوصاً في حقل الثقافة المتصلة بالمجتمع والمستقبل.


٥

الموهبة الشخصية التي استطاع "أحمد الربعي" تأكيدها والعمل بها وتكريسها في مجمل فعالياته، كانت موهبة الحوار، حيث جعل اقتراحه العملي يتمثل في الطبيعة السجالية حارّة المشاعر، عالية النبرة، ساطعة الفكر والمراجعات. تلك الموهبة هي ما نستطيع رصدها في كل الحوارات التي شارك فيها، أو اجترحها اجتراحاً على الواقع العربي، وفي منطقة الخليج خصوصاً، في ما كان يسميه أحياناً : البرزخ الفجّ بين (الثورة والثروة).

ولعل موقفه المتأمل والنقدي الرصين لتحولات الواقع في منطقة الخليج، قد منح الربعي احتراماً مهيباً من الأطراف الكثيرة في عموم المناطق التي عمل وتحرك فيها. وهو احترام يقوم على الثقة في المعرفة التي يتميز بها احمد الربعي علماً وعملاً. وهي معرفة ذاتية تبلورت نحو موقف وتحليل شخصيين، عرف بهما أحمد الربعي في حواراته.


٦

ولعمري أن طبيعة السجال الحوارية، وشهوة المراجعات النقدية هذه، التي اقترحها على الواقع، لو أن ربع الذين يحتفلون بتجربة "أحمد الربعي" في السنوات الاخيرة، أقول لو أنهم وضعوا درس (الحوار والمراجعات النقدية) موضع الممارسة، لتيسر للعديد من مشاكلنا العلمية، في حقل السياسة، بعض الانفتاح الفكري الغائب في سلوكنا العملي، معوقاً بلورة عملنا العام.



الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email