الغزو الناعم من الداخل العربي ومقاومة التطبيع هي الدواء


ما تجري من معارك وقتل وتدمير من الكيان الصهيوني في غزة، مقابل صمود وتحدي شعبنا العربي الفلسطيني وابداع وسائل نضاله. هي مؤشرات فاضحة لكل من يطالب وبدون خجل بالتصالح والتواصل مع كيان صهيوني والتطبيع معه. بل هي مؤشرات بأن حركات مقاومة التطبيع أصبحت ضرورة قومية لدعم نضالات شعبنا الفلسطيني.

للشاعر اليمني عبدالله البردوني قصيدة قديمة مشهورة عنوانها (الغزو من الداخل) يقول في مقدمتها وبتصرف مني للضرورة:

فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري

غُزاة لا أشاهدهم وسيف الغزو في صدري

فقد يأتون تبغاً في سجاير لونها يغري

وفي صدقات وحشيَّ يؤنسن وجهه الصخري

وفي أهداب أنثى، في مناديل الهوى القهري

وفي سروال أستاذ وتحت عمامة المُقري

وفي أقراص منع الحمل وفي أنبوبة الحبر

وفي حرية الغثيان وفي عبثية العُمر

وفي عوْد احتلال الأمس في تشكيله العصري

وفي قنينة الويسكي وفي قارورة العطر

ويستخفون في جلدي وينسلّون في شَعري

وفوق وجوههم وجهي وتحت خيولهم ظهري

غزاة اليوم كالطاعون يخفى وهو يستشري

بِحجر مولد الآتي يوشِّي الحاضر المزري

فظيع جهل ما يجري وأفظع منه أن تدري.

الغزو الصهيوني الناعم والهاديء:

هذه القصيدة ممكن تطبيقها بحذافيرها على مخططات الحركة الصهيونية في اختراق مجتمعاتنا العربية الرافضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني الغاشم والمحتل لأرض فلسطين العربية.

فهل تدرين يا أمة العرب من المستعمر السري الحالي؟؟!!

غزاة بني صهيون لا أشاهدهم، ولكن سيف غزوهم في صدري.

فقد يأتون في مؤتمر أو مهرجان عنوانه يغري.

وقد يأتون في مسابقة رياضية وماراثون أو في أهداب قناة فضائية وبرامج المُعد فيها يهذي ولا يبكي.

بنو صهيون قد يأتون في سروال إعلامي وأستاذ جامعي وتحت عمامة المقري.

كل ذلك في ظل واقع عربي مزرٍ من الغثيان والقهر والعهر والإذلال في لحظة عبثية العمر.

كالصراصير يهرولون ويتسرّبون تحت ظلال أنظمة عربية تدري. وأفظع منه بأن سِرّتها ملتصقة بأسيادها يعيدون معاً خارطة الاحتلال في تشكيلها العصري.

غزاة بني صهيون اليوم كالطاعون يخفى في أمتنا وهو يستشري.

بحجر مولد الفجر الآتي وينمو في حاضرنا المزري.

**

مؤتمر رواد الأعمال نموذج للاختراق الصهيوني:

المخطط الصهيون/ أمريكي لاختراق مجتمعاتنا العربية والإسلامية معروف، ويتمثل في تنفيذ (لعبة الدوائر) الصغيرة منها ابتداءً وتكبر تدريجياً إلى دوائر متوسطة ثم كبيرة، لتصل إلى مرحلة الاتفاقيات المماثلة لاتفاقية كامب ديفيد، ومن خلال عمل هاديء والتفاف وصبر ونفس طويلين. هذا المخطط يعي تماماً مدى صلابة وقوة جدار المقاومة الشعبية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ومدى هشاشة وضعف الإرادة العربية الرسمية؛ لذلك تتسرب دوائر المخطط من تحت هشاشة الإرادة الرسمية لينخر كالدودة وببطء في جدار المقاومة العربية الشعبية. دوائر صغيرة تحاول "تعويد وتهيئة" الرأي العام العربي الشعبي، كالزيارات الصغيرة لمثقف أو رياضي أو رجل أعمال، ثم تتوسع الدائرة إلى زيارات الوفود والفرق الرياضية والثقافية والفنية، ثم دوائر أكبر من وفود رسمية، وهكذا يتسرب المخدر تدريجياً في جسم الأمة إلى أن يتعود عليه، بل قد يدمن على إغراءات الكيان الصهيوني!!.

وللأسف فإن بعض متخذي القرارات السياسية والاقتصادية وغيرهما في مجتمعاتنا العربية ولأسباب معروفة، وبعضها مخفية، يساهمون بوعي في إنجاح هذا المخطط الصهيوأمريكي.

فعلى سبيل المثال فإن أحد أهم برامج مؤتمر رواد الأعمال الذي عقد في ١٥ أبريل ٢٠١٩م هو ( عرض البرامج والمبادرات العالمية لتحويل الأفكار إلى فرص عمل وتسريع الابتكار ) حيث يشارك فيه رجال أعمال ومستثمرون وباحثون وواضعو السياسات الاقتصادية، وواضح بأن هكذا برامج مُغرية وجاذبة بشكل كبير لأجيالنا الشابة الطموحة والحالمة بأن يكونوا أرقاماً فاعلين في عالم الأعمال والتجارة والاستثمار، لذلك من المتوقع أن تنجذب أعداد ليست بقليلة منهم للمشاركة في هكذا مؤتمرات لالتقاط الفرص الممكنة من الأفكار والاستثمارات، ودون التدقيق في نوعية الوفود المشاركة في المؤتمر. لتأتي هيئة ساعدت في برامجها السابقة الكثير من المشاريع الشبابية لتنفذ في هذا المؤتمر مخطط اختراق جدار التطبيع مع الكيان الصهيوني عبر دوائر اعتقدت بأنها صغيرة لم تلفت أنظار الناس! ولم توضح للشباب ورجال الأعمال العرب والبحرينيين الطموحين بدعوة وفد صهيوني لمؤتمرها!


مقاومة التطبيع سلاح مرحلتنا الراهنة:

إن هزيمة الكيان الصهيوني معنوياً وفكرياً وثقافياً وفنياً، أصبحت من أولويات الشعب العربي الرافض لهذا الكيان، وذلك بعد أن تم تجميد الخيار العسكري رسمياً والرضوخ لخيارات سياسية مهادنة للمخطط الصهيوني الأمريكي. وحيث أن معظم أنظمتنا العربية لم تُعطِ الاهتمام الجاد والمدعوم لحركة المقاومة الشعبية في مجالات الفن والثقافة والفكر وغيرها، كوسائل مهمة لفضح هشاشة البنية الحضارية والتاريخية المفقودة أصلاً لهذا الكيان المصطنع. وأتذكر في هذا المقام قصة صديق قريب في ثمانينيات القرن الماضي شارك في لقاء أولومبي عالمي عن الشطرنج بأثينا عاصمة اليونان، وعند متابعته لتحركات وفعاليات الوفد الصهيوني في المهرجان الرياضي، اكتشف بأن هذا الوفد بجانب الفريق الرياضي فإنه يضم مجموعات متخصصة في الغناء وعرض الأزياء والأكلات الشعبية، وعندما تمعّن في المعروضات "الإسرائيلية" اكتشف بأن كلها مسروقة من التراث الشعبي الفلسطيني، فناً وملابسَ بنقوشاتها الفلسطينية المعروفة والأكلات الفلسطينية المشهورة، وتمكن بجهوده الفردية استنهاض عدد من المشاركين العرب الذين بدأوا في فضح هذه السرقة الصهيونية للتراث الفلسطيني، وكشفوا لمعظم الوفود العالمية حقيقة وجوهر وحضارية فلسطين وشعبها وتاريخها العريق، مقابل كيان مصطنع مكوناته الشعبية غير متجانسة ولا تمتلك حضارة ولا تاريخاً ولا تراثاً فنياً وثقافي مشتركاً فيما بينهم ممن هاجروا من الجهات الأربعة للقارة الأوربية وأمريكا.

وأعتقد جازماً بأن الحركات والهيئات والأفراد العاملين في مجال مناهضة التطبيع مع العدو الصهيوني وفي كل حقول الحياة، يمثّلون جميعاً الرافعة الراهنة عربياً وعالمياً لفضح المخططات الصهيونية بدوائرها الناعمة الخبيثة، وبالتالي فضح الخواء الحضاري والتاريخي لهذا الكيان، وباعتبار هذه الهيئات المقاومة للتطبيع بمثابة منفاخ معنوي وتعبوي ومادي لصمود شعبنا العربي الفلسطيني وقواه الحيّة المقاومة.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email