السيد "السيستم"

 

تذهب الى احدى المؤسسات (حكومية او خاصة) ذات الخدمات العامة، لإنجاز بعض المهام، الباب مشرع مثل شريعة النهر. تسرع باكراً للحصول على دورك في مقدمة الناس. ترى الحشود مصطفة قبلك. تأخذ موقعك بين الحشود. صفاً صفاً، مثل صلاة غير معلنة. امتثال غير محمود.

في مكاتب الخدمات العامة ثمة طقوس تضاهي شعائر الدين. لابد لك من مجاملة كل صغير وكبير في تلك المكاتب. الابتسام حق واجب عليك، من حارس الباب الخارجي حتى الساعي داخل المكتب، الذي يتصرف كإمبراطور لا يتقاعد أبداً، ولا يرى فيك سوى كائن يسعى لإنجاز معاملته باي طريق، دون ان يسمّي التذلل خنوعاً.

وتظل متسمراً في خشب (او بلاستيك) المقعد مثل صنم ينتظر حياة تدبّ فيه.

وفجأة، ترى كتلة الحشد الملتصق بفتحات المكاتب ترتد متهالكة نحو بقية المقاعد الفارغة، وهي تصدر هديراً يشبه النحيب، متفادية ان يكون مشابهاً لأي نوع من انواع الاحتجاج.

يتراجع الناس عن أطراف المكاتب مخذولة، مهزومة، منهارة، وهي تردد، في ما يشبه الرجاء والتضرع، ما صرخ به الموظف: (سيستم داون).

 

 

٢

تصاب الجموع الممتثلة بما يشبه الخذلان، شحوبٌ شاملٌ يمسخ الوجوه المنهارة، كما لو أن درجة السكّر عند الجميع ضربت سقف الأربع مائة مرة واحدة.

كلمة (السستم داون) ليست رحيمة ابداً، انها تعني، فيما تعني، أن الأمر قد خرج عن تحكم البشر، وعليكم أن تسلموا أمركم في انتظار الفرج من رحمة الله. ورحمة الله هنا ستعني بالضرورة عودة الحياة الى الآلهة. لكأن ثمة اتفاق غير معلن بين الآلة والآلهة.

 

٣

و كلمة (داون) الأجنبية، هي حضيض العقل البشري، الذي يتدهور مؤمناً بما لا يقبله عقل العاقل. فإذا أنت انتظرتَ، فيعني أنك صدّقت المصادفات، واعلنتَ استسلامك لأقدارها. القدر هنا لن يعني الآلهة دائماً، فربما مزاج صاحب الآلة، عالماً او جاهلاً، هو من سيتحكم في استعادة أنفاسك في حياة غير مستقرة ولا مأمونة المصير.

 

٤

(السيستم داون) إذن، تعبير يؤدي بك الى تهلكة قضاء الله القادر. وربما ستكون عرضة، ليس فقط لفقد ذخيرتك من مكتسبات حياتك من معلومات وحقوق وحقائق، بل أن عليك قبول فكرة السير في العماء، ظناً أنه الهداية والنور. فبعد أن يسقط النظام في حياتك، ستكون مقدراتك في رعاية الفوضى. فعندما تضع الفوضى حبالها في حياتك، وتنشب مخالبها في سعيك، تكون احلامك في مرمى قضاء الفتك والفقر والحرمان.

ويتحتم عليك قبول ما يكتبه الله عليك.

 

٥

هذه هي الضريبة المستحقة في تسليمنا للأجهزة المتخلفة الصماء، فصيحةً كانت أم عجماء.

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد