"دعه يقول بلسانه، قبل أن يقول بيده"

 

 

لمن ينسى، أو من يريد أن يتذكر. أنني سبقَ أن قلتُ ذلك في نهاية الثمانينيات، وقتَ كانت بعض المنظومات تختنق، في بلدانها، بعسفها المتفاقم، زاعمةً قدرتها الأزلية على معالجة أزماتها بالقبضة الحديدية ومضاعفة الأمن، وبعضها بالدعاية الفاجرة. وفي كلتا الحالين يشكّل ذلك عنفاً يتماثل ويتفاقم، ويحكم الخناق على الخنّاق.

 

٢

لا يفهم النظام العربي (الديمقراطية)، ولا هو مستعد للتعاطي مع هذا المصطلح. فمن حيث بنيته الحضارية، مفهوماً وممارسة، تشكّل الديمقراطية تهديداً لتكوينه الفكري ولكيانه السلطوي، لذلك فسوف يستنفر إزاء كل نزوع، او طريقة تعبير تدعو لتحرر الانسان. انه نظامٌ لا يتيح للناس الوقت لكي "يقولوا" ما يحلمون به، فعند هذا النظام : أول الحلم كلام. وعنده أيضاً، الحلم خطوة نحو صنيع المستقبل

 

 

 

بعد انفجار الوضع، العام 2011، استيقظ النظام العربي، بمختلف مؤسساته السلطوية، على حقيقة يجري تفاديها طوال الوقت، حقيقة القمع والمصادرات التي يتعرض لها ويخضع تحت وطأتها الانسان العربي، دون أن يلتفت لمعاناته أحد، ولم يكترث النظام العربي للأنين الصادر عن أجساد البشر وأرواحها. لقد كان يسمع ما يريد فحسب، مما نسمّيه في المثل الشعبي “صمخ النواخذة”، يصلح هذا المثل هنا، خصوصاً لمن لا يزال يتصرف تصرف “نواخذة” أيام الغوص.

تلك الاحداث التي أطلقتْ الرسائل واضحةً، والدلالات مشحونة بالصور. وقتها لم يفعل النظام العربي، بمختلف مؤسساته، سوى محاولة تفادي تلك التفجرات وآثارها على حدوده كنظام سلطوي. بل انه لم يتحرك لمعالجة أسباب تلك التفجرات، إنما هو تفنّن في ابتكار وسائل ادارة تلك الأزمة ومشاكلها، في محاولة لتقليص الأضرار التي يمكن ان تمسّ مصالحه واسمرار جثومه على كواهل الناس على امتداد الخريطة العربية.

 

٤

كل ذلك كان يحدث، بمعزل عن مناقشة الجذور التاريخية لمشكلات واقعنا. فمثلما بالغ النظام في تجاهل معضلاته إزاء مشاكل شعبه، لاحظنا كم انعدمت، وتعطلت قنوات التعبير الحر، وكيف باءت بالفشل الذريع كل محاولات القول باللسان، الأمر الذي وضع مؤسسات السلطة العربية في مواجهة مصائرها، لكي تبتكر شتى الوسائل لتدمير احلام الناس. انها القبيلة التي لا ترى في الشعب أكثر من رعية، بلا صوت ولا حقوق ولا طبيعة بشرية، و أن على هذه الرعية انتظار (مكرمات) علية القوم، “النواخذة”، وفي مثل هذه المكرمات تكمن العقلية التي تمعن في احتقار الناس، وترتيبها حسب قدرتها على الامتثال. وكنا خشينا أن تستلم المعارضة هذه الانشوطة، وتطالب هي الأخرى بمكرمات “النواخذة”.، 

 

٥

وبعد أن بدأت بعض السلطات بتجميل انظمتها بما يسمونه (ديمقراطية) المرحلة، حيث تسارع القوم لانقاذ ما يمكن انقاذه، في سبيل اطالة عمر المؤسسات، دون المساس “بالحقوق التاريخية في الحكم”. ولكي نتفهم ما تعنيه هذه السلطات بالديمقراطية، سوف نكتشف أن ذلك لم يكن اكثر من وسيلة، ترشو بها السلطة شعوبها، وتترك للشعوب “حرية المطالبة” بالحقوق المسكوت عنها، دون ان تكون المؤسسات مجبرةً على الاستجابة لتلك المطالبات، لتعني الديمقراطية عندهم؛ (للشعب أن يقول ما يريد، ولنا أن نفعل ما نريد). وبنظرة ثاقبة للمشهد العربي، يمكننا التأكد من أن السلطات لا تفعل غير ذلك.

 

 

٦

غير أن هذا المنطق، رغم ديماغوجيته، وانحطاطه الاخلاقي، فسوف لن يسمح بالهامش المزعوم للتنفس. وظلت الطبيعة القمعية تغلب على السلوك السياسي العام للسلطات.

وتواصل مسلسل حرمان الشعب من القول بلسانه، فعندما انبثقت تفجرات ٢٠١١، وانجرفتْ الشعوب للتعبير عن مطالبها باليد، “رغم ما كان يعلن عن سلمية تلك الاحداث”، وبعد أن تيسر للسلطة العربية تحطيم الأحلام (بالأيدي الحديدية، هي الأخرى)، وبدأت تتمرغ في شهوة الانتصار، عندها فقط استدارت المؤسسات العربية لتلقين شعوبها الدرس القمعي الأقسى، متصرفة بصلافة المنتصر، ليس انتقاماً من الجماعات فحسب، ولكن التصفية الضارية للاشخاص أيضاً. بذلك النموذج المثالي لسلوك المخابرات في العالم، حيث الملفات لا تنسى. (برجاة أن لا نغفل عما تفعله المؤسسة الرسمية العربية فيي القضية الفلسطينية، هو امعانٌ وتنكيل مضاعفين، وانتقامٌ وعقابٌ للشعوب على التفكير، مجرد التفكير، في تغيير او اصلاح الحياة العربية).

 

 

٧

وظني ان النظام العربي، بشتى مؤسساته، راح ينتقم بالفعل من شعوبه، التي تجاسرتْ واعلنتْ عن مطالبها بالعدالة الاجتماعية ورفع الظلم.

مما يشي دائماً بأن هذه المؤسسات ليس في واردها معالجة مشكلات الواقع، بل انها صارت تمتلك خبرة ادارة الازمات لحماية مصالحها فقط.

 

٨

وعندما قلتُ، غير مرة، أن لدى السلطات العربية من الخبرة السياسية أكثر مما لدى معارضاتنا، كنت أعني، فيما أعني، أننا مرشحون للمزيد من الخسارات، إن نحن لم نأخذ الدرس بقوة، إزاء سلطات لا ترحم ولا تتعلم.

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد