عن المعنى القاتل: الانتحار، والإرهاب، ومعنى الحياة



  1. الانتحار، ونزع السحر عن العالم، وتزعزع الاعتقادات التقليدية

في العام 1897 نشر عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم (1858-1917) كتاباً أصبح اليوم من كلاسيكيات علم الاجتماع، وهو كتاب "الانتحار". ويحدد دوركهايم الانتحار بدقة بوصفه عملية قتل ذاتي وإرادي، حيث يقتل الإنسان نفسه بنفسه على نحو عمدي، إنه ذهاب إرادي إلى الموت يجعل القاتل والمقتول شخصاً واحداً. ولا حظ دوركهايم أن معدلات الانتحار – والانتحار الأناني تحديداً – تختلف بين اليهود والكاثوليك والبروتستانت، بمعنى أن معدلات الانتحار بين البروتستانت أعلى من الكاثوليك، والكاثوليك أعلى من اليهود بالرغم من أهن جميع هذه الديانات تحرّم الانتحار. ثم استنتج أن ذلك يرجع إلى تزعزع الاعتقادات التقليدية في المجتمعات البروتستانتية. أما كيف حصل هذا التزعزع؟ فجوابه يكمن في أمرين مترابطين: الأول هو حرية الفكر، حيث تشجع البروتستانتية "البحث الحر"، وتفتح الاعتقاد والتأويل على الفردية، وعلى حق الأفراد في تأويل الكتاب المقدس، وحقهم في تحقيق خلاصهم بأنفسهم بمعزل عن جماعة المؤمنين، وبمعزل عن كهنوت الكنيسة وسلطة رجال الدين المكرّسة. وهو ما قاد إلى تزعزع القوة غير المساءلة للاعتقادات التقليدية التي كانت تفرض نفسها بالقوة، والتي كانت تقدم للمؤمنين صلابة تجعل منهم جماعة متماسكة ومندمجة، وتماسك هذه الجماعة الدينية وسلطتها هو الذي يضبط تفكير الأفراد وسلوكياتهم، ويوجههم نحو هدف واحد، حيث تكون "فكرة الإله حاضرة في جميع تفاصيل الوجود، ووجهت الإرادات الفردية نحو هدف واحد بعينه". وعلى المنوال ذاته، فإن معدلات الانتحار عند اليهود منخفضة لأن اليهود ظلوا، في تاريخهم الحديث في أوروبا، جماعة متماسكة ومتضامنة ومتراصة، مما يجعل حرية الأفراد شبه معدومة بما فيها حريتهم في الموت الإرادي.

الأمر الثاني الذي تسبب في تزعزع الاعتقادات الدينية هو تقدم العلم، والعلم هنا سبب ونتيجة في الوقت ذاته، فتقدم العلم تسبب في تهديد سلطة التقاليد والاعتقادات التقليدية، وحين "فقدت المعتقدات والممارسات اللاعقلانية سلطاتها، كان لا بد من إيجاد بدائل أخرى" وهنا برز العلم كأرقى شكل من أشكال "الضمير المستنير" . ودوركهايم حذر جداً في هذه النقطة، فالعلم ليس هو سبب الانتحار، بل إن تقدم العلم تسبب في تفكك الجماعات، فالإنسان "ينتحر لأن المجتمع الديني الذي هو جزء منه فقد تماسكه، ولكنه لا ينتحر لأنه تعلّم".

نحن هنا في صلب "مشكلة المعنى" أو مشكلة انعدام المعنى التي غفل عنها دوركهايم أو حاول تجنبها في حموة افتتانه بقوة المجتمع والطابع القهري للحقائق الاجتماعية. فبالنسبة له فإن الذي يدفع الأفراد إلى الانتحار – أي القتل العمدي للنفس – هو تفكك الجماعات التي كانت تضبط فكر الأفراد وتصرفهم، وبتفكك هذه الجماعات تحرر الأفراد، وصار لكل واحد منهم الحق في اختيار الهدف الذي يريد. إلا أن ما غفل عنه أو تجاهله دوركهايم، تنبه إليه عالم اجتماع آخر، وفي العام ذاته الذي توفي فيه دوركهايم، ففي العام 1917، وتحديداً في 7 نوفمبر 1917، قدّم ماكس فيبر (1864-1920) محاضرة بعنوان "العلم بوصفه حرفة"، قدّم، في هذه المحاضرة، واحداً من أبرز المفاهيم الذي ارتبطت به، وهو مفهوم "نزع السحر عن العالم". لاحظ فيبر ان ما يميّز عصرنا هو العقلنة المتصاعدة، وهي تعني أننا قادرون على "أن نبرهن لذاتنا عدم وجود أي قوة سرية أو غير مرئية قادرة من حيث المبدأ على التدخّل في سير الحياة". وعلى خلاف الإنسان "البدائي" الذي يتصور العالم مسكوناً بقوى روحية خفية، ويتوسل بقوة السحر للسيطرة عليها، فإن الإنسان الحديث يتصور العالم بلا أرواح خفية، وللسيطرة عليها فإنه يتوسل بالعلم وبالوسائل التقنية.

وفيبر هنا لا يطرح العقلنة كمشروع أو مرجعية تفسير ضد الديانات التقليدية فحسب، بل ضد كل التصورات الكبرى التي تؤمن بأن "سير الحياة" يمكن التأثير فيه بقوى خفية غير مرئية. فالعقلنة بهذا المعنى ضد التصور الهيجلي والماركسي للتاريخ، فهيجل يتصور أن للتاريخ مساراً محدداً، وأن الروح/العقل المطلق يكشف عن نفسه في مسار متدرج يبدأ من طفولة الوعي في الشرق حتى يبلغ اكتماله في النهاية عن طريق وعي العقل لذاته على نحو كلي. وبالنسبة لهيجل فإن مكر العقل أو مكر التاريخ يعني أن هناك مخططاً كاملاً يحقق ذاته بمعزل عن وعي الأفراد والجماعات وإراداتهم، لأن العقل الكلي يحول كل ذلك وحتى الحماقات والأخطاء إلى وسائل تسهم في دفع التاريخ إلى غايته النهائية: نهاية التاريخ.

لكن السؤال الذي ألحّ على فيبر هو التالي: ما تبعات هذه العقلنة ونزع السحر عن العالم؟ والحاصل أن هذه العقلنة وضعت الإنسان الحديث وجهاً لوجه أمام العالم بلا وسيط من الآلهة والأرواح والقوى الخفية، وبقدر ما كان لهذه الحالة من فوائد، فإن لها تبعات كبرى كذلك، وأهم هذه التعبات هي "مشكلة المعنى". فبعد أن كان الإنسان يعيش في كوكب يعتقد أن الإله خلقه من أجله، وكلّفه بمهمة مقدّسة طوال مدة وجوده في هذا العالم، وأن هذه المدة قصيرة وعابرة وفانية في انتظار أن تأتي الحياة الأبدية بعد الموت، بعد كل هذا أصبح على الإنسان أن يتحمّل مسؤولية وجوده في عالم يخلو من الآلهة. وفي نظر الإنسان الحديث – المتحضر بتعبير تولستوي الذي ينقل عنه فيبر – أصبح الموت لا معنى له؛ لأننا إذا كنا نرغب في الحياة فلماذا نموت؟ وإذا كان الموت نهاية كل شيء، فإنه حدث لا معنى له أو هو نهاية المعنى وانعدامه. وإذا فقد الموت معناه فإن الحياة مهددة، كذلك، أن تصبح باردة وخالية من المعنى ومجدبة، لأن قدر هذا الإنسان الحديث "أن يعيش في زمن لا إله فيه ولا أنبياء، ولا تعويض عن ذلك".


2. العلم، ومشكلة المعنى، ومشكلة الشر في العالم


لكن ماذا عن العلم؟ أليس العلم هو الإنجاز الأسمى للإنسان الحديث؟ أليس لدى العلم ما يقدمه في هذا الشأن؟ ألا يصلح العلم ليكون بديلاً عن الاعتقادات الدينية والتقاليد الكبرى في مسألة منح المعنى للإنسان؟ بالنسبة إلى فيبر فإن سؤال "معنى الحياة" سؤال لا معنى له في نظر العلم؛ لأن العلم لا يطرح على نفسه هذا النوع من الأسئلة: هل كانت الحياة تستحق أن تعاش؟ هل لوجودنا من معنى؟ لماذا نموت؟ لماذا نمرض؟ ثم حتى لو طرح العلم هذه الأسئلة، فإن العلم عاجز عن البرهنة على المعنى الأكثر علمية للحياة وكيفية عيشها. وهذه مسألة مهمة.

لكن لماذا لا نترك الأشياء دون تفسير؟ فنحن نمرض وكفى دون حاجة للبحث عن غاية وغرض يكمن وراء مرضنا؟ بالتأكيد هذا ممكن، إلا ان الإنسان، كما يقول ماكس فيبر، حيوان عالق في شبكة من المعاني التي صنعها بنفسه ولنفسه. وهو لهذا دائم البحث عن معنى لكل شيء بما في ذلك معنى الحياة والوجود، ومعنى المرض والموت. وبحسب فيبر أيضاً، فإن الإنسان يمتاز بأن لديه القدرة على فهم العالم وفق منطق دلالي، أي إن لديه القدرة ليفهم أن الأحداث لا تحدث وحسب، بل تحدث لمعنى بعينه، وربما تحدث بسبب من هذا المعنى. وبحسب نيتشه، فإن الإنسان قادر على تحمل أي ألم، شرط أن يكون لهذا الألم معنى. فما هو المعنى الذي لدى العلم لمرضنا وموتنا وخسارتنا ودمارنا؟ ربما كانت المجتمعات ما قبل الحديثة أقل ابتلاء بمشكلة المعنى؛ بحكم أن الإيمان الديني كان يحمي هذه المجتمعات من الوقوع فريسة هذا النوع من الأسئلة، وحتى لو طرحت هذه الأسئلة فالجواب عنها سهل. وبتزعزع الاعتقادات التقليدية، حلّت القوميات والأيديولوجيات الكبرى – وكلها أنساق دنيوية بطابع ديني - محلها في قدرتها على توليد المعنى في الحياة، إلا أن تزعزع هذه المولدات الكبرى للمعنى جعل الإنسان الحديث قلقاً إزاء هذا السؤال: ما معنى الحياة؟

وبحسب فيبر فإن "الحياة تجد معناها في نفسها، وتفهم انطلاقاً من ذاتها". وهذا يعني أنه لا يوجد معنى خفي وعميق يكمن وراء حياتنا ووجودنا، فالحياة هي الحياة لا شيء آخر، وهي كما هي دون معنى خفي يكمن وراءها وتحيل عليه. إلا أن فيبر على علم أن هذا يمثل تحدياً صعباً أمام الإنسان الحديث؛ لأن "مشكلة المعنى" تتشابك مباشرة مع "مشكلة الشر" في العالم. كان المؤمن الديني يعتقد أن لوجوده معنى، وأن لكل التناقضات والخلل والشرور التي تقع في العالم معنى تستمده من الإيمان بوجود إله حكيم وكلي القدرة، ويخص الإنسان كما يخصّ الكون كله برعايته وعنايته ولطفه. ويمثل هذا النوع من الإيمان حلاً شافياً للمشكلتين معاً: مشكلة المعنى ومشكلة الشر. ففي ظل هذا النوع من المرجعيات الدينية تكتسب الحياة معنى يرتبط بعبادة الإله، والتقرب منه، ومحبته، ونيل رضاه، وتجنب غضبه. فإذا كان معنى الحياة هو الغاية منها والغرض الكامن وراءها، فإن الإيمان قادر على تحقيق هذا المعنى في نفوس أصحابه، وجعل حياتهم جديرة بأن تعاش. وهو قادر كذلك على معالجة مشكلة الشر في العالم، فبالنسبة للمؤمن فإن أسئلة من قبيل: لماذا نموت؟ ولماذا يموت ابني ولا يموت ابن فلان؟ ولماذا يشقى الأخيار وينعّم الأشرار؟ ولماذا أمرض أنا وليس فلاناً؟ لماذا يربح فلان وأخسر أنا؟ كل هذه الأسئلة تعتبر ضرباً من ضروب الهرطقة؛ لا لأن هذه الشرور يمكن تعطيلها بالصدقات والأدعية والقرابين وأعمال الخير فحسب، بل لأن المؤمن يمتثل لإرادة الإله، ويسلّم بقضائه وقدره، والبلايا والرزايا والأمراض والموت والزلازل وانفجار البراكين ... كلها تدبير من الإله الحكيم اللطيف بعباده. والإله بهذه الصفات لا يعقل أن يصدر عنه العبث والشر أو الشر العبثي الذي لا معنى له. وهكذا تتحول مشكلة الشر، في التصور الديني، إلى مسألة معنى وتأويل. فكل ما نراه شراً لا يعدو كونه قصوراً في الرؤية، وعجزاً عن التأويل، ووقوفاً عند ظاهر الشيء وسطحه، وإلا فإن الشر الظاهري يخفي وراءه خيراً مختبئاً، فالشر هو سطح ظاهر، فيما يمثل الخير العمق الذي يتم التوصل إليه بالتأويل. وجزء كبير من المعرفة الدينية يرتبط بالمعنى والدلالة والرمز، فالعالم، في هذا التصور، كتاب وكلمات وعلامات وإشارات تحمل توقيع الإله. وبالنسبة للقديس أوغسطينوس وللمتصوفة المسلمين ولكثير من المؤمنين فإن الاهتمام والاكتفاء بالأشياء في حد ذاتها يعكس أسلوباً منحلاً وقاصراً في فهم الوجود؛ لأن علينا أن نقرأ الأشياء كرموز وعلامات تشير إلى معنى أعمق وأسمى وهو وجود الإله وعظمته وقدرته وحكمته. فمن القصور قراءة العالم كسطح لا يشير إلا إلى ذاته.

وتقدّم هذه القراءة الدلالية المتعدية للعالم مخرجاً مريحاً لمشكلة الشر في العالم، فلماذا يعاني الأخيار ويتنعم الأشرار؟ لماذا يموت الأخيار صغاراً فيما يعمّر الأشرار؟ يمثل الشر في العالم معضلة أمام الاعتقادات الدينية التقليدية، ولكل ديانة تفسيرها الخاص لمعضلة من خلق الشر؟ أو ما معناه؟ يُفهم الشر، لدى قبائل الآزاند الأفريقية، على أنه حقد أو حسد يوجهه شخص إلى آخر، إلا أنه يمكن التعامل مع هذا الشر بواسطة السحر والتمائم والطقوس لوقفه وحتى لعكس أثره ورده على صاحبه. ولدى قبائل المانوس الميلانيزية يُفهم الشر على أنه نتاج إثم أو خطيئة ارتكبها شخص ما، فحلّت نتائجها عليه أو على القريبين منه من موت ومرض وجفاف وخسارة، وحتى هنا فإن الشر يمكن تعطيله عبر التوبة والاعتراف العلني بالإثم. أما الزرادشتية فتوصلت إلى ثنائية المصدر، فللخير إله هو أهورامزدا، وللشر إله آخر هو أهريمان، ويمكن تعطيل الثاني بالأول. وفي الديانات التوحيدية فإن الله هو خالق كل شيء، والمهيمن على كل شيء، ولا يقع شيء في العالم إلا بعلمه ولحكمة ما. وهنا يمثّل الشر مشكلة تفسيرية، يمكن حلها عن طريق وجود "الشيطان" ككائن شرير يوسوس في صدور الناس ويسوّل لهم أعمال الشر، إلا أن تفسيرها وفق القراءة الدلالية العميقة (أي وجود حدث يشير إلى معنى عميق) ليس عصياً بوجود الشيطان، الموسوس الصغير في صدور الناس، وبدون وجودها. يُحكى أن رجلاً كان عازماً على السفر، وحدث أن اشتد به مرض وهو في الطريق إلى المطار، مما اضطره إلى زيارة المستشفى، وتفويت موعد الطائرة. وبعد ساعة من مغادرة الطائرة، وصله هذا الخبر: سقوط الطائرة، ووفاة جميع ركابها. وعندئذٍ فقط أدرك الرجل المعنى الحقيقي وراء مرضه العارض. إن المرض هنا نص حمّال لأكثر من معنى، ومن الغباء الاكتفاء بقراءة هذا النص في دلالته الظاهرية والسطحية فحسب.

وقصة أيوب في "سفر أيوب" في "العهد القديم"، وقصة النبي موسى مع العبد الصالح في "سورة الكهف" في القرآن الكريم مثالين كاشفين على ذلك. فأيوب كان ينعم بكل الخيرات، وأراد الله أن يختبر مدى إيمانه، فسلط عليه كل أنواع الشرور، من هلاك ماشيته إلى اعتلال بدنه، حتى رفع احتجاجه معترضاً على كل هذه البلايا التي لا يستحقها. الشر هنا نص، وأيوب قارئ يقرأ النص في ظاهره دون أن يتمكن من النفاذ إلى العمق، إلى المعنى الخفي الذي يكمن وراءه: الاختبار والتمحيص. والنبي موسى، في "سورة الكهف"، يقرأ أفعال العبد الصالح التي تجري أمامه قراءة ظاهرية سطحية لا تحيل إلا على نفسها. فالعبد الصالح خرق سفينة ليغرق أهلها الأبرياء، وقتل غلاماً بدون ذنب، وأقام جداراً كاد ينهدم في قرية بخلت عليهما بالطعام دون أ، يطلب أجراً. كل هذه الأفعال لا تشير إلى معنى عميق يكمن خلفها في نظر النبي موسى، إلا أن العبد الصالح الذي أوتي علماً لدنياً قادر على استجلاء المعنى العميق الذي تشير إليه هذه الشرور في ظاهرها. فالسفينة كانت لأناس مساكين يعملون في البحر، وكان هناك مَلك ظالم يأخذ أفضل السفن، ويترك السفن التي فيها عيب أو نقص، فإذا هو رأى الثقب الذي فيها سيتركها لهم. وأمّا قتل الغلام فلأنّه كافر وسيُتعب والديه المؤمنين بكفره وطغيانه. وأمّا الجدار الذي في القرية فكان تحته كنز لولدين يتيمين كان أبوهما مؤمناً، فأراد الله أن يبقى الكنز تحت الجدار القديم ولا ينهار حتى يبلغا أشدّهما فيكتشفانه عندئذٍ.

ترتبط مشكلة المعنى بمشكلة الشر على نحو وثيق. وعلى هذا، فإذا كان العلم عاجز عن منحنا معنى لحياتنا فهو عاجز عن تقديم تفسير شافٍ لمشكلة الشر. فلو اعترض شخص ما على إصابته بمرض السكري على سبيل المثال، وراح يتساءل عن المعنى وراء أن يصاب هو بهذا المرض وليس فلاناً، فإذا استبعدنا الحسد الذي ينطوي عليه هذا الاعتراض، فإن العلم لا يستطيع أن يقدم لهذا المريض جواباً شافياً عن الغاية من وراء مرضه، أو عن المعنى العميق الخفي الكامن وراء مرضه. يمكن للطب أن يبصرنا بسبب إصابتنا بهذا المرض، وأنه يرجع إلى قابليتنا الوراثية ونظامنا الغذائي وأسلوب حياتنا الذي تسبب في إصابة غدة البنكرياس بالعطب فعجزت عن إفراز الأنسولين. ويمكن للطب، ذلك، أن يوضح لنا الكيفية السليمة للوقاية أو مداواة هذا المرض والسيطرة عليه، أما لماذا؟ ولأي غاية؟ فالطب لا يملك جواباً عن هكذا سؤال، كما أنه لا يملك جواباً عن سؤال لماذا نموت؟ ولماذا يموت ابني وليس ابن جاري؟ يمتلك العلم تفسيراً لذلك كما يمتلك تفسيراً للعطب الذي أصاب السيارة أو جهاز التلفزيون، ولكنه لا يرى أية غاية وراء ذلك، فالناس تموت لأن هذا من طبيعة الكائنات الحية التي تفشل خلاياها في تجديد نفسها بعد مدة من الزمن، كما أنها تمرض لأسباب يمكن شرحها طبياً تماماً كما يمكن تفسير عطب السيارة والتلفزيون والهاتف من قبل أي فني أو مهندس متخصص. لكن الطب وميكانيكا السيارات وهندسة الأجهزة الذكية لا يمتلكون جواباً عن سؤال معنى الحياة والغاية من الوجود، ومتى تكون الحياة ذات معنى وجديرة بأن تعاش؟ لأنها في نظر العلم أسئلة غير علمية، وهي تتجاوز إمكانيته وطبيعته. ولو قدّم العلم جواباً عن هذه الأسئلة لخاطر بتحوله إلى دين يتطلب الإيمان به، وهذا يعني تحوّل العلماء إلى رجال دين كهنوتي بسلطات تفسير معتمدة، وتكون العقلنة مجرد عملية تغيير محتوى من الدين إلى العلم.


3. معنى الحياة: المعنى الكبير السامي/المعاني الصغيرة


هل معنى هذا أن الإنسان المؤمن هو وحده فقط الذي يمتلك معنى لحياته، وأن الآخرين من الملحدين واللاأدريين واللامبالين دينياً يشعرون أن حياتهم عبث وبلا معنى ومضيعة وقت؟ هل التصور الديني وحده هو القادر على تقديم إجابة شافية لمشكلة المعنى ولمشكلة الشر في العالم؟ وهل ذلك كفيل بجعل حياة أصحابه ذات معنى؟ الحاصل أن كثيراً من عظماء الفنانين والعلماء والمستكشفين والموسيقيين والكتاب والمفكرين والفلاسفة والرياضيين وحتى أناس عاديين غير مؤمنين يشعرون أنهم يعيشون حياة رائعة وذات معنى، وأنها جديرة بأن تعاش. وفي المقابل لا يستبعد أن يشعر بعض المؤمنين بأن حياتهم سطحية ومضيعة للوقت ولا معنى لها. يدافع ستيفن لو عن هذا القضية كحجة إنسانوية ضد الحجج الدينية. ولكن ماذا نقصد بمعنى الحياة أولاً؟ لماذا لا يكون معنى الحياة هو أن نحياها فقط دون الحاجة إلى أن نفهم معناها تماماً كما نتنفس دون أن نعي؟ لماذا نتعامل مع "معنى الحياة" على أنه سر يحتاج إلى كشف، وأنه حل لمشكلة؟

لو أن أحداً شاهد آخر يتسلق جبلاً، فسأله: ما معنى هذا؟ لكان الجواب: هذه عملية تسلق للجبل وصولاً إلى قمته، فيعود الأول ليسأل: أعرف ماذا تقصد لكني أسأل لماذا كل هذا؟ فيجيب الثاني: من أجل المتعة والشعور بالإنجاز وتحدي الذات ...إلخ. هل يمكن أن نجري مثل هذه المحادثة بين اثنين حول "معنى الحياة"؟ لتقرأ هذه المحادثة بين دارت بين صديقين، لنسمي الأول حامد، والثاني سامي:

حامد: مؤخراً صرت أشعر أن حياتي بلا معنى، كانت ذات معنى قبل عشر سنوات

سامي: ماذا كان قبل عشر سنوات؟

حامد: كان لدي هدف أن أنال درجة الدكتوراة

سامي: ما قيمة أن تحصل على درجة الدكتوراة؟

حامد: للشعور بالإنجاز، وبهذا أجعل لنفسي مكانة

سامي: والآن وقد حصلت على درجة الدكتوراة، تشعر أن حياتك أصبحت بلا معنى؟

حامد: حتى الآن نعم، إلى أن أفكر في هدف آخر يستحق.

هل يكمن معنى الحياة في متوالية الأهداف التي نسعى إلى تحقيقها مثل مزيد من الأموال، والشهرة، والأملاك، والشهادات، والأولاد، والكتب، والأعمال الفنية، والألقاب الرياضية، والتفوق؟ إذا كان الأمر كذلك فإن الجميع تقريباً يضع أهدافاً كبيرة أو صغيرة يسعى وراء تحقيقها. ولكن لماذا لا يكون الأمر كذلك؟ لماذا نفترض أن معنى الحياة مرتبط بالأسئلة الكبرى للوجود، وأنه شيء يتوصل إليه المرء بعد تأمل مستفيض في حياته وفي الوجود؟

أردت من وراء هذه الأسئلة أن أقدم الطابع الإشكالي لسؤال "معنى الحياة"، فالذي يحصل هو أننا لا نتفق على شيء في هذا الموضوع لأن كل واحد منا يمتلك فهمه الخاص عن هذا السؤال، وعن المقصود بالمعنى في تعبير "معنى الحياة". يعتقد المؤمن أن الحياة يكون لها معنى إذا كان المرء مؤمناً بوجود الله، وأن هذا المعنى ينطفئ بانعدام الإيمان، لتصبح الحياة سطحية وباردة وعديمة المعنى. فيما يعتقد الإنسانيون أن الحياة يمكن أن تكون ذات معنى حتى من دون الإيمان، لأن ما يجعلها كذلك أي حياة جديرة بأن تعاش هو تبني موقف أكثر مسؤولية وأخلاقية تجاه الآخرين وتجاه العالم، وهذه مواقف ومشاريع متاحة أمام الجميع مؤمنين وغير مؤمنين. وهناك آخرون يعتقدون أن معنى الحياة مسألة شخصية جداً، لأنها مسؤولية موكولة إلى الفرد وحده، فهو وحده من عليه أن يجد لحياته معنى، ربما كان هذا المعنى هو تربية الأطفال وتكوين أسرة، وربما كان تأليف كتاب أو عمل فني أو إنجاز رياضي يبقي ذكر صاحبه حتى بعد موته، وربما كان مجرد العيش مع إنسان تحبه يكفي ليعطي لحياتك معنى، بحيث إنك تشعر أن حياتك أصبحت بلا معنى في حال غيابه. وهذه حالة الناقد الأدبي المعروف رولان بارت، كان بارت قريباً جداً من والدته، وكان يشعر أن والدته هي سبب بقائه على قيد الحياة، وهي التي تعطي لحياته معنى، ولهذا مر بمرحلة انهيار خطير عندما توفيت في 25 أكتوبر 1977. كتب في يومياته في يوم 11 ديسمبر 1977: "الآن يتصاعد في داخلي الموضوع الجاد شيئاً فشيئاً: من الآن فصاعداً أي معنى لحياتي". وكتب في يوم 8 ديسمبر 1977: "أنا الآن في حالة تأهب، منتظراً، مترقباً مجيء أحد معاني الحياة".

هذه ثلاثة معان مختلفة لـ"معنى الحياة"، حيث يعرّف الأول "معنى الحياة" بأنه الغاية من وجودنا، والثاني يربطه بموقف إنساني وأخلاقي نتبناه تجاه الإنسان والعالم، والثالث يعرّفه على أنه الهدف الذي نختاره لأنفسنا ونسعى من أجل تحقيقه. ربما يختلف الثالث عن الأول في أن الأول يعرّف معنى الحياة بربطها بمسالة وجودية كبرى، لماذا أنا موجود؟ فيما الثالث يحددها بمعنى صغير قد يكون افتتاح مشروع تجاري صغير أو الفوز في مباراة لكرة القدم أو النجاح في شهادة الثانوية العامة. لكن ما القاسم المشترك بين كل هذه المعاني المختلفة؟ هل تمثل الحياة بحد ذاتها "معنى الحياة"؟ بمعنى هل استمرارنا في الحياة وعدم انتحارنا دليل أو مؤشر على أن حياتنا ذات معنى، وإلا كنا بادرنا إلى قتل أنفسنا لو كانت غير ذلك آجلاً أو عاجلاً؟


4. معنى الحياة: الإرهاب والتأويل القاتل:


كان المحلل النفسي النمساوي فيكتور فرانكل قد طورّ طريقة في التحليل النفسي سمّاها العلاج بالمعنى، وكان يعالج مرضاه بالمعنى، فيطرح عليهم هذا السؤال: لماذا لا تنتحر؟ لماذا ما تزال هنا حتى الآن؟ لماذا لا تقتل نفسك وتنهي معاناتك؟ ثم من خلال الاستجواب يتوصل المريض إلى أن لحياته معنى، وأنه لا يقتل نفسه لأنه يخاف على أسرته من الضياع، أو لأن المشروع التجاري الصغير الذي يشغله يبقي عدداً من الفقراء المعدمين على قيد الحياة، أو لأن حبيبته ستقتل نفسها لو هو فعل ذلك. ويرى فرانكل أن اكتشاف معنى الحياة مسألة مهمة للمريض، وهي كفيلة بتماثله للشفاء. كما أن القلق الوجودي والإحساس بانعدام المعنى وتفاهة الحياة، كلها مشاعر يائسة قد تؤدي بصاحبها إلى الانتحار.

لكن ماذا عن قتل الآخرين؟ هل يمكن أن يكون لقتل الآخرين معنى؟ هل يمكن أن نقتل الآخرين من أجل المعنى؟ فإذا كان انعدام المعنى قد يؤدي إلى الانتحار، فهل يؤدي الامتلاء الجازم بالمعنى إلى قتل الآخرين؟ بالتأكيد ليس الأمر كذلك تماماً، لأننا قد نشعر أن حياتنا ثرية وذات معنى عظيم، ومع هذا لا نجد حاجة في إيذاء أي كائن مهما كان. لكن قتل الآخرين ليس حدثاً بعيداً عن المعنى، بل إن الإرهاب بوصفه جريمة وعملاً من أعمال العنف التي تستهدف ترويع آخرين أبرياء (مدنيين)، لا يتم بمعزل عن المعنى، هذا على الرغم من أننا نشعر أحياناً أن هناك عمليات إرهابية لا عقلانية ومجانية وعبثية وبلا معنى. يمكن لأعمال العنف والإرهاب أن تفهم على أنها أفعال ذات معنى أي مفهومة مثل أعمال القتل بدافع الانتقام ضد إهانة أو إساءة أو انتهاك. فإذا فجّر شخص نفسه في ثكنة عسكرية تحتل بلده، فهذا قتل انتقامي، وهو ليس عملاً عبثياً بلا معنى، وذلك بمعزل عن صحته أو خطأه، جدواه أو عدم جدواه. وهناك نوع من القتل هو أشبه ما يكون بفعل تواصلي، أي إن القتل رسالة، وهي رسالة تحمل معنى لأطراف بعينها. والقتل بهذا فعل تواصلي كامل حيث هناك مرسل ومرسل إليه ورسالة وقناة اتصال وسياق وربما حتى شفرة متفق عليها، فإذا وقع القتل في هذه الجهة، وبهذه الدرجة من قوة التدمير، فإن هذا يعني كذا.

في مقابلة تلفزيونية على قناة "القاهرة والناس"، وفي برنامج "أجر كلام" مع أحد المشتركين في قتل الكاتب فرج فودة في 8 يونيو 1992، لم يتردد أبو العلا عبد ربه، من "تنظيم الجماعة الإسلامية"، من تبرير فعلته بأنه تنفيذ لحكم الردة، فقتله مباح لأنه مرتد؛ لأنه يقول في "الكتب المقدسة" كلاماً تبيح قتله بحسب رأي العلماء كما يقول، أي إن تأويل فرج فودة للكتب المقدسة أباح قتله. لكن هذا القاتل يعترف بندمه، وأنه أخطأ بقتل مجموعة أبرياء آخرين في إحدى العمليات الإرهابية في مصر، إلا أنه يبرر خطأه القاتل بكونه كان "متأوّلاً"! أي إن قتل هؤلاء الأبرياء كان هو المعنى الذي استنبطه بتأويل خاص أباح له عملية القتل. وإذا كان أبو العلا عبد ربه قد اعترف بأنه تأوّل فأخطأ، فإن عبد القادر بن عبد العزيز (أو سيد إمام الشريف أو د. فضل)، أحد أبرز مرجعيات التنظير والفتوى لكثير من الجماعات الجهادية في العالم الإسلامي من جماعة الجهاد في مصر إلى تنظيم القاعدة في أفغانستان، يذهب إلى أبعد من ذلك في تأويلاته القاتلة. فبالنسبة لهذا الرجل فإن كل عمليات قتل "أعداء الله وأعداء الإسلام" من الكفار وأعوانهم، هي فرض عين على كل مسلم. بل إنه لا يتحرج من ربط الإسلام بالإرهاب، ويرى أن "الإرهاب من الإسلام"، وأن من أنكر ذلك فقد كفر؛ وذلك بتأويل خاص لقوله تعالى "وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم". والمعنى الذي يستنبطه بتأويله القاتل هو إن "إرهاب الأعداء الكفار واجب شرعي بنص هذه الآية ومن أنكر ذلك فقد كفر". وهذه البداية تقع على طرفي نقيض مع ربط الإرهاب بترويع المدنيين وإرهابهم؛ لا لأن "الإرهاب من الإسلام" كما يدّعي فحسب، بل لأن "الإسلام" لا يعترف بتقسيم الناس إلى مدنيين وعسكريين، فهذا التقسيم، كما يقول، "تقسيم حديث مخترع ليس له أصل في شريعة المسلمين" التي لا تعترف سوى بفئتين: "المقاتلة" و"غير المقاتلة". كما أن القول بأن المدنيين أبرياء ليس صحيحاً في تأويله؛ لأنهم يمكن أن يعتبروا مقاتلين بقولهم وتأييدهم. وعلى هذا المنوال من التأويلات القاتلة، يذهب إلى أن قتل غير المقاتلين "إذا قاتلوا قُتلوا لا خلاف عليه بين الفقهاء وتجد تفصيليه بكتاب الجهاد من (المغني) لابن قدامة الحنبلي وغيره من كتب الفقه". هل معنى هذا أنه لا يوجد أبرياء على الإطلاق؟ لا، فالرجل يستثني من حكم "المقاتلين" "الأطفال منهم ومن خالطهم من المسلمين لغرض شرعي مباح من تجارة أو نحوها". إلا أنه لا يجب أن نتسرع؛ لأنه ليس معنى كونهم أبرياء فعلاً، أنه لا يجوز قتلهم! بل إن "هؤلاء لا إثم في قتلهم وأمرهم يوم القيامة إلى علام الغيوب"، وهو قد توصّل إلى هذا المعنى القاتل بضرب من ضروب التأويل لنصوص دينية. وخلاصة المسألة عنده "أن اختلاط من لا يستحق القتل بمن يستحق القتل لا يمنع من قتل الجميع عند تعذر التمييز بينهم".

والحقيقة أنه يمكن تفسير كثير من أعمال الإرهاب بهذه الطريقة، لكن هناك نوعاً آخر من القتل الإرهابي يكون مدفوعاً لا بتأويل قاتل كالسابق، بل بالامتلاء بالمعنى، وبالرغبة في احتكار "معنى المعاني" وتصفية المعاني الأخرى. يقول المسيح مخاطباً أصحابه: "تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً للهِ (إنجيل يوحنا 16: 2). وبالمثل كذلك، يمكن لكثير من النازيين أن يشعروا أنهم كانوا يمارسون أعمال القتل والإبادة في معسكرات الموت خدمة للأمة. كما يمكن لجندي شيوعي ستاليني أن يشعر أنه كان يمارس التنكيل في معتقل الغولاغ خدمة لهدف سامٍ وعظيم ويستحق التضحية. ألا يمكن تفسير هذا الإرهاب بأنه قتل على المعنى على غرار القتل على الهوية؟ أليست هذه معان قاتلة على غرار الهويات القاتلة؟ الحاصل أن المعاني الكبيرة من هذا النوع تجعل التضحية عملاً ممكناً، بل محاطاً بهالة من التقديس والتفخيم والمهابة سواء كانت التضحية بالنفس انتحاراً أو فداء، أو التضحية بالآخرين قتلاً وتنكيلاً وإبادةً. وفي الحالتين نحن أمام تضحية قربانية، حيث يتم تقديم حيوات البشر قرباناً لآلهة المعاني الكبيرة المتعطشة للدم، للدم البشري الحار والطازج تحديداً. لن تجد من بين هؤلاء الإرهابيين من يفكر في ذبح بقرة أو خروف خدمة للإله أو للأمة أو للقائد الضخم أو للأيديولوجيا الكبرى، فهذه لا تقبل إلا الأضاحي البشرية من ذوات الدم الحار.

تكمن مشكلة العصر، بحسب تيري إيجلتون، في "وجود الكثير من المعنى والقليل منه"، فانعدام معنى الحياة قد يؤدي إلى الانتحار، كما أن وجود الكثير من المعاني المتنافسة قد يؤدي بالإنسان إلى الافتراض بأن للحياة معنى واحد ووحيد لا غير، وهذا المعنى هو المعنى الحقيقي للحياة أو "معنى المعاني" الذي يجعل كل المعاني الأخرى مجرد هرطقات ينبغي محوها وتصفية أصحابها. وهنا يمكن أن نكون أمام حالة أخرى من المعنى القاتل، حيث يعتقد الإرهابي أن معناه هو المعنى الحقيقي الوحيد، وعلى الآخرين أن يؤمنوا بهذا المعنى، وإلا كان مصيرهم القتل والإبادة.

ما الحل أمام هذه المعضلة؟ وكيف يمكن وقف هذا المعنى القاتل؟ أتصور أن واحداً من الطرق المجدية لوقف هذا القتل الإرهابي الدموي إنما تتمثل في الأخلاقيات، أي بإيقاظ إحساس المرء ليتبنى عن قناعة تلك الفكرة التي تقول إن الإنسان، حياته وكرامته ورفاهيته، هي المعنى الأسمى في الحياة، وأن الإنسان هو الغاية التي لا يجوز تحويلها إلى وسيلة. وبحسب أخلاقيات كانط الكونية فإن الإنسان غاية بحد ذاته لا وسيلة لغاية أخرى. كما يمكن لهذا النوع من الأخلاقيات الكونية أن يحملنا على التسليم بحق الإنسان في أن يقرر هو وحده "معنى حياته" بالطريقة التي يراها مناسبة له ما لم يترتب على ذلك ضرر يصيب الآخرين أو الكائنات الأخرى، أو العالم.


---------------------------

- إميل دوركهايم، الانتحار، ترجمة: حسن عودة، (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص181

- المرجع نفسه، ص184

- المرجع نفسه، ص194

- ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ترجمة: جورج كتورة، (بيروت: المنظمة العربية للترجمة، ط:1، 2011)، ص171

- المرجع نفسه، ص198

- يرى كليفورد غيرتس أن الثقافة هي هذه الشبكة من المعاني التي صنعها الإنسان بنفسه لنفسه، ومهمة الأنثروبولوجيا كعلم هي أن يبحث عن المعنى.

- انظر: العلم والسياسة بوصفهما حرفة، ص298

- تمثل ما بعد الحداثة فلسفة مناهضة للعمق وللمعنى، لان ما هو موجود هو هذا الظاهر أمامنا فقط، وأن الأشياء تعبر عن نفسها فقط ولا تشير إلى معنى أعمق يكمن وراءها

- العلم والسياسة بوصفهما حفة، ص196

- سورة الكهف، الآيات: 60 - 82

- انظر: ستيفن لو، الإنسانوية: مقدمة قصيرة جداً، ترجمة: ضياء وراد، (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط:1، 2016)، ص116

- رولان بارت/ يوميات الحدادن ترجمة: إيناس صادق، (القاهرة: المركز القومي للترجمة، ط:1، 2018)ـ ص31

- المرجع نفسه، ص30

- انظر المقابلة التلفزيونية كاملة على هذا الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=YodlP35Jauo

- عبد القادر بن عبد العزيز، الإرهاب من الإسلام، على الرابط التالي:

https://www.ye1.org/forum/threads/170751/

- المرجع السابق، الرابط نفسه

- تيري إيجلتون، معنى الحياة: مقدمة قصيرة جداً، ترجمة: شيماء الريدي، (القاهرة: مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، ط:1، 2014)، ص35

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email