”إلى اللقاء، ليبر هيغل!“: صورة هيغل في احلام هولدرلن


العشرون من نوفمبر عام 1796، يوثق هولدرلن حلماً راوده قبل ليلتين: ((أمس الأول حلمت بأنك [يشير إلى هيغل] كنتُ لا تزال تقوم برحلاتك التائهة حول سويسرا [Schweiz herum]. اغضبني ذلك كثيراً! ولكن سرعان ما اعطاني الحلم [Träume] شعوراً بالسعادة)).


إن هيغل هو شيء، بينما هيغل كما هو في حلم هولدرلن هو شيء آخر. وهناك فرق ما بين المتخيل والحلم؛ فكم خطير هو الحلم حيث الآخر يكون محض صورة بلا أي مضمون. أولم يبين فرويد ذلك في حالات ”إندماج الصور“ ما بين شخصين، حيث يغدوان وجهاً واحداً، أو شعوراً واحداً حتى؟ كل ما يهم حقاً هو أن هيغل يحضر كشعور، كصورة… أو كشبح في حلم هولدرلن. وميزة الأشباح هي أن لها اشكالاً، ايّ صوراً، لكن من دون مضامين، ايّ من دون اعضاء — أنها، كما ذهب المتخيل البشري في اغلب ثقافاته، قد تتجسد (التجسد، التلبس، إلخ) اجساماً اخرى؛ أنها قد تتداخل في اغلب الأشياء دون أن يتغير أي شيء. فالطيف، الشبح، هو صورة، أعني فكرة. وإلى أي مدى يستطيع الواحد منا فعلاً يؤمن بأن شبح الملك هاملت قد ”ظهر“، أو تمظهر إن شئت، للأمير هاملت الساخط؟ بدلاً من حقيقة أن كل المشاعر اللاواعية التي تحمل في طياتها الذنب والندم قد بدأت تظهر على السطح؟ ”إنه لا يتحدث، سألحقه إذن!“ كان على هاملت أن ”يسمعه“! — ذاك الضمير الغائب اللاكاني الشهير: ”هو يتكلم“ [le ça parle]. الحلم ماكنة شاملة ومدمرة، حيث كل مفردي يتبدد، حيث لا يعاد هناك أي معنى اسماني اطلاقاً.


هكذا، من الممكن جداً - وهذا واقع الحال في هذه الحالة - ألا يجد هيغل نفسه في ”خطى تائهة“. ولِمَ لا يجد نفسه، بالفعل، وبدلاً من ذلك، في حركة حلزونية — لحظة من اللحظات الديالكتيكية في رحلته الفلسفية نفسها؟ (هذا بالفعل ما بينه في فينومينولوجيا الروح وتاريخ الفلسفة) ولِمَ يصبح ذلك مصدراً لسخط هولدرلن الذي سرعان ما تحول إلى مصدر للشعور بالسعادة؟ طبعاً، السياق العام للحلم يحدد كل شيء: حينها، كان هيغل قد عزم على ترك بيرن ليشتغل كمدرس خصوصي (Hofmeister) في فرانكفورت — منصب دبره هولدرلن له (الذي كان ايضاً في فرانكفورت). اضف إلى ذلك، أن هذا اللقاء ما بين الصديقين كان احد آمال هولدرلن الحقيقية القديمة، بما إنه اعتبر هيغل ”مرشداً له“ وتمنى لو كان قريباً منه (كان ذلك في 1794). وفي مثل الوقت، كان هيغل قد بدأ التخلي عن المنظور الفلسفي لفشته، وذلك تحت التأثير المباشر لصديقيه العزيزين: شيلنغ من جهة، وهولدرلن من جهة اخرى. أما الإطار الأوسع هو الجانب المفقود، لأسباب تاريخية، من القصة كلها: كآبة هيغل.


إن حدة الحالة النفسية التي كانت تطغي على هيغل حينها واضحة في رسائل شيلنغ وهولدرلن إليه، حيث الأول يعاتبه قائلاً: ((على رجل بقدرتك وقوتك ألا يخضع لهذا النوع من الضياع))، بينما يصر هولدرلن: ((لا عليك سوى الإنتظار، وسترى بنفسك: بحلول الربيع القادم سترجع إلى نفسك القديمة!)). ولكن ألا يمكننا أن نقول، تبعاً لتشخيص كوجيف، بأن هذا ”الضياع“، هذه ”الكآبة“، ايضاً نتيجة لعدم استقرار فلسفي يعاني منه التطور الفكري الهيغلي آنذاك؟ لنوع من إمساك فلسفي إن صح التعبير؟ هناك شيء، هناك حل، بلا شك في البديل الفلسفي، الذي كان في صيرورته، للقضية الفشتية برمتها، ولكن إذا كان الأمر هكذا لماذا وجد هيغل نفسه مضطراً أن يتراوح ما بين كفتين: شيلنغ وهولدرلن؟ — أو، لأكون اكثر اشكالياً، ما بين اسبينوزية من الطراز الشيلنغي واسبينوزية من الطراز الهولدرليني؟


لعل ذلك ما يفسر السياق العام لمحتويات، أو محددات، حلم هولدرلن. تلاحظون طبعاً بأن ”السخط“ و”الغضب“ من رحلات هيغل التائهة (فكلمة ”herum“ التي يستخدمها هولدرلن هي بادئة تفترض حضور متممة، وهي تشير بدورها إلى فعل ”الضياع“) لا تشير إلى ”بعده“ الجغرافي وحسب، الذي لا يعجب هولدرلن كثيراً، بل عن بعد أو مسافة فلسفية ايضاً؛ كما لو كان بعد هيغل الجغرافي هو عامل اساسي في بعده الفلسفي؛ فالبعد، أو المسافة، أو فراغ البعد نفسه، هو الفكرة الأساسية هنا — كم يقوم بتضيعة وقته وجهده! عليه أن يكون قربي أنا، علينا أن نكون معاً في تبادل فلسفي يتمخض عنه فكراً جديداً واضحاً. هذه الإلتفافات، هذه التسكعات بلا أية وجهة، ليست ملائمة لشخص بقدرة هذا الرجل.. لماذا يقوم بكل ذلك في حق نفسه؟ ولكن سرعان ما يلاحظ في الحلم نفسه بأن كل ذلك الغضب هو، بدوره، بلا أي معنى بما إن واقع الحال هو غير ذلك، حيث هيغل قبل بأن يأتي إلى فرانكفورت سلفاً — فهو لم يعد تائهاً بعد الآن، وسيلاحظ ذلك هو بنفسه بحلول الربيع رغم كل شكوكه!


بالفعل، شكلت الفترة ما بين فرانكفورت ويينا تحولات جادة في تفكير هيغل الفلسفي؛ تحولات جادة حاول فيها نقد المثالية الترنسندنتالية لكانط من جهة وفشته من جهة اخرى. أنا اقول: مثالية ترنسندنتالية، ولكن تتضمن هذه المثالية مقولة ”الثنائية“ ايضاً: الواضحة عند كانط (ما بين الفينومينا والشيء في ذاته) والكامنة عند فشته الذي حاول تجاوزها (ولكنه أعاد إنتاج التعارضات الكانطية بطريقة أم اخرى، بالتالي أمامنا تعارضاً ما بين: الأنا-المحض والأنا-الواعية). لذا، لسنا مستغربين البتة بأن الفكر الهيغلي قد وجد نفسه متراوحاً ما بين صنفين من الاسبينوزية (التي تمثل الضد المباشر للمثالية الترنسندنتالية، بكونها تضع اسبقية للمحايثة من جهة، والواحدية من جهة اخرى): من الطراز الشيلنغي ومن الطراز الهولدريني. ورغم أننا على الأغلب، وفقاً للتوثيق الفلسفي، نسمع عن علاقة هيغل بشيلنغ، لأن الأول بين بأن هذا الأخير هو سلفه، وبالتالي تم التشديد على العلاقة الشخصية والفلسفية بينهما (ولا سيما في فترتي التعاون والإنقطاع)— ننسى، في كل الأحوال، علاقة هيغل بهولدرلن الفلسفية والشخصية. السؤال الحقيقي يبقى: لماذا تعامل هيغل شخصياً مع الوضع برمته وكأن اسم هولدرلن لم يكن ولم يساهم على الإطلاق في تكوينه الفلسفي؟


نحن نعلم بأن، من جانب، خضع هيغل لتحولات هولدرلن الفلسفية فيما يخص فلسفة فشته التي كان معجباً بها، وتغزل - بالتالي - بمفهومه الأسبينوزي الواحدي لفترة بسيطة؛ ومن جانب آخر، بقي اميناً لهذا التغزل، بما إنه خضع كلياً - في سنوات ينا - لأسبينوزية شيلنغ المزعومة. لكن مع ذلك، من الصعب ألا نلاحظ بأن هولدرلن يمثل منطقة مكبوتة تقريباً؛ شيء يستعصى على الذكر وإلا تبدد التنظيم الكلي لتطور تاريخ الفلسفة. وإن كان تاريخ تطور الفلسفة هو عبارة عن لحظات جوهرية، أو قل: تمظهرات الجوهر، بالنسبة إلى الديالكتيك الهيغلي فأننا لن نكون خارج منطق هذا الفكر إذا زعمنا بأنه سيعتبر محطة تطوره مع هولدرلن هي لحظة غير-ديالكتيكية، وبالتالي عليها ألا تسجل في السجل الكلي للعملية التطورية، ولكنها تمارس تأثيراً عن-بعد.


كيف تشكلت المحطة بالتحديد؟ كان هولدرلن يفكر في إشكالية الفلسفة الفشتية بالتحديد. وتقدم الحل الهولدريني لها عبر إطارها بالتحديد، وهو إطار كانطي اصلاً: بكون الموضوع هو تحديد نظري لا واقعي منفصل. ورغم أن الحل الفشتي للشيء-في-ذاته الكانطي تجسد في تذويته، إلا أن هذا الحل لا يعبر سوى عن ذاتانية مطلقة بالنسبة إلى هولدرلن وشيلنغ. تفكير الأنا في اللا-أنا هو ما يحددها كلا-أنا لا وجودها الأصلي — أن ذلك هو نتاج للحركة اساساً، بما إن الحركة هي هي حركة تفعلها الذات. وكل أنا، في حقيقتها، تنزع نحو المطلق؛ ولكن هذا النزوع بعينه يجابه بمقاومة وهمه، ايّ بمقاومة وجود اللا-أنا بالنسبة إلى أناي — فيما تقوم دائماً بالنزوع نحو تجاوز عقباتها، لأنها تبغي التماثل الكلي؛ حيث الأنا هي هي اللا-أنا في نهاية المطاف، ايّ أ=أ. إلى هذا الحد، يصف هولدرلن كل ذلك بكونه شيء اشبه بالجوهر الاسبينوزي (تشخيص سيكرره هيغل في علم المنطق)، كالشامل الذي يخضع كل شيء تحت قبضته — فلا شيء يهرب منه إطلاقاً. ولكن ألا يمكننا أن نظن بأن هولدرلن قد رأى بأن تعيين فشته ”العلة الذاتية“ [causa sui] الاسبينوزية للأنا الذات المطلقة هي مجرد خيانة واضحة لكل ما تمثله الفلسفة الاسبينوزية؟


لن نحاول بظنوننا الشخصية أن نزود هولدرلن برؤى لم يبح بها؛ ولكنها ستبان في ضوء حله الفلسفي للإشكالية كلها. حسب التفسير الشيلنغي، لا تقوم الفشتية سوى بإعادة إنتاج الثنائية الكانطية، والتعارضات الكانطية، نحو ثنائية مطلقة كامنة في الأنا المحض في المقام الأول. الأنا المحض هي، بطريقة أو اخرى، مستقلة وجوهرية (وتلك هي الشروط الأولى للترنسندتالية)؛ بينما الأنا الواعية هي ناتجة عنها، ايّ الوعي بالمحدودية بعينها. ورغم أن التفسير هذا كان الأرضية المشتركة ما بين شيلنغ وهولدرلن، إلا أنهما انطلقا نحو مكان آخر كلياً — فيما كان هيغل وسطهما. نحن نقول بإنهما أنطلقا نحو مكان آخر كلياً، رغم أن هذا المكان يبقى عند الأثنين مكاناً جمالياً، ولكن هنا مكمن الفرق الحقيقي بين الأثنين. وفيما كان يجد شيلنغ في المطلق مبدئاً للهوية، وبالتالي لا بد أن تفهم وتكشف عبر الحدس الفني نفسه؛ عبر العمل الفني الخلاق — كالنمط الأسمى للتفكير (شيء سينتقده هيغل لاحقاً بشدة). فإن هولدرلن يبدأ بطريقة اخرى تماماً. هاكم ما رآه هايدغر في نص جميل له حول شعرية هولدرلن نفسه:

((يسمي الشاعر الآلهة واسماء كل الأشياء وفقاً لما هي عليه. هذا الفعل، هذه التسمية، لا تأتي كنتيجة لما كان مسمى سلفاً؛ فعلى العكس، عبر لفظ الكلمة الأساسية، يسمي الشاعر الأشياء كما هي. هكذا تغدو موجودات. الشعر يؤسس الوجود في الكلمة. والدائم لا يولد عن الفاني؛ ولا المبسط من المعقد؛ ولا المقياس من الفائض. لن نجد ابداً أساس الهوة. الوجود ليس وجوداً ابداً. ولكن لأن وجود وماهية الأشياء لا يمكن حسابها ولا استنباطها من الموجود، فعليها أن تخلق، أن تتموضع، أن تهب، بشكل حر)).


لا يبدأ الشعري الهولدرليني، إذن - حسب التفسير الهايدغري هذا-، بمفاهيم مسبقة، وبالتالي لا تجده يبدأ بنسق فلسفي مسبق؛ أنه لا يجد من الشعر، أو الفن عموماً، وسيلة فلسفية بها يسمو الفكر إلى اعلى درجاته، بمعنى أن ”يكشف عن“ حقيقة الوجود بحد ذاته. لا، الوجود ليس مقولة مسبقة بالنسبة للشعر هذا؛ الوجود ليس موجوداً حتى — كل ما يوجد، ”ما هو هناك“ (Es Gibt الشهيرة لهايدغر)، هو ما يفتتح نفسه جديداً؛ ما يفتتح نفسه لأنه يقع، ايّ واقع؛ لأنه يلقى بمفرديته، بوقائعيته، على الشاعر نفسه — وما الشاعر سوى متبوع للطبيعة نفسها، ايّ واحد معها وفيها؛ حيث لا لنسق مسبقي يستخرج ”معنى“ الوجود، أو الوجود نفسه. إن كل ما هو موجود حالات تقع علينا؛ حالات لا يمكننا ابداً حصرها نسقياً ما-قبلياً؛ اشياء مفردية تكشف عن نفسها، وتفتتح وجودها الخاص في وقوعها الفوضوي الحر. هكذا فهم هولدرلن الجوهر الاسبينوزي، لا بالمعنى المثالي عند فلسفتي شيلنغ وفشته؛ بل بكون الجوهر هو هو صفاته، هو هو احواله. هكذا اعاد هولدرلن إنتاج الفكرة الاسبينوزية حول فهم العالم ”كما هو“ — ذاك النوع الثالث من المعرفة، لمعرفة العالم ”كما هو“؛ في افتتاحيته. — السيرورة الأبدية لكلينامينا مكوننة (أو ما يرادفه: التكرار الأبدي النيتشوي!).


ولا نستعجب إذا وجدنا فيلسوفاً معاصراً مثل سلافوي جيجك يسيء فهم هذه الحقيقة التي فهمها هايدغر قديماً، إذ يرى بأن الخطى التي اتبعها هولدرلن هي شبيهة بخطى هيغل ولكنها تفشل في الوصول إلى النتيجة الهيغلية؛ حيث إن ”الطريق غير-السوي“ الأبدي الذي تحدث عنه هولدرلن لا يقابله التوحيد، أو التركيب، الهيغلي النهائي. يسيء جيجك موضوع هولدرلن كلياً لأنه ينظر إليه بالتحديد بمنظور هيغلي! إن هذا الطريق اللاسوي لا يعبر سوى عن الإنشقاق الضمني للعالم نفسه، للجوهر نفسه إن شئت. وكأن بذلك يرسي هولدرلن أنطولوجيا فصامية للعالم هذا؛ وكأنه يتوقع، بالفعل، فصامه القادم. نحن قد عبرنا عن هذه الأنطولوجيا (التي لا تعبر عن أية أنطولوجيا في الحقيقة، مثلما الإله الأسبينوزي الذي لا يعبر عن أي إله) حين قلنا بإن نظرية الحدث تتضمن شقين: كونية مفردية ومفردية كونية — فيما الوجود يكمن بينهما؛ يتأرجح بينهما؛ في طريقه اللاسوي ذاك. إن عبقرية شعرية هولدرلن افضت به إلى ذلك الإستنتاج:


((إن الإتحاد السعيد، الوجود، بالمعنى المفردي للكلمة، يضيع فينا وعلينا أن نفقده إن اردنا أن نسعى إليه. نمزق أنفسنا بعيداً عن الهن كاي بان السعيد للعالم هذا كي ننتجه مرة اخرى. لقد ابتعدنا عن الطبيعة وعن الواحد أو ما كان يوماً كذلك — الآن يعارض نفسه فيما توجد الرئاسة من جانب والعبودية من جانب آخر (…) إن غاية كل مساعينا هي … إنهاء هذا التعارض الأبدي بيننا وبين العالم (…) ولكن لا توجد حقبة من الزمان ستصل، أو وصلت، فيها افعالنا ومعرفتنا إلى إنهاء كل الصراعات، حيث كل شيء يغدو واحداً …)).