النسوية الأكاديمية تجنح إلى تفكيك أنساق الهيمنة والتواطؤ الثقافي


اللوحة من أعمال عنان العليان- السعودية

في سياق البحث في مفاهيم النسوية وإشكالياتها المتعلقة بالنسق الثقافي المشكل لحالة التقابل فيما بين خطاب ذكوري و آخر نسوي، تحدث الباحث و المشتغل في حق الدراسات الثقافية، المغربي الدكتور إدريس الخضراوي، عن الحركات النسوية بوصفها الأكثر إثارة للجدل خلال القرن العشرين. ليرى بأنها قد تطورت تطورا كبيرا بحيث أضحت أكثر ثورية في مجابهة ثقافة يهيمن عليها الذكور، وفي اجتثاث أنساق الهيمنة فيها، تحدثنا اليه من خلال السؤال فكان معه هذا اللقاء :




تحدث عبد الوهاب المسيري عن نشوء حركات نسوية عربية، وصفهم بدعاة التمركز حول الأنثى، تطرح برنامجاً ثوريّاً يدعو إلى إعادة صياغة كل شيء: التاريخ واللغة والرموز، بل الطبيعة البشرية ذاتها كما تحققت عبر التاريخ، وكما تبدت في مؤسسات تاريخية، وكما تجلت في أعمال فنية، فهذا التحقق والتجلي إن هو إلا انحراف عن مسار التاريخ الحقيقي. مضيفاً بأن هذه الرؤى التي تؤسس لها تلك الحركات تصل قمتها »أو هويتها« حينما تقرر كأنثى أن تدير ظهرها للآخر/ الذكر تمامًا، فهي مرجعية ذاتها وموضع الحلول ولا تشير إلا إلى ذاتها، فهي سوبرمان superwoman ولذا تعلن استقلالها الكامل عنه، وحينئذ يصبح السحاق التعبير النهائي عن الواحدية الصلبة ونصل إلى حالة من الواحدية الأنثوية الصلبة والتمركز اللاإنساني حول الذات الأنثوية، وإلى نهاية التاريخ المتمركزة حول الأنثى، وتسود الواحدية السائلة التي لا تعرف الفرق بين الرجل والمرأة أو بين الإنسان والأشياء. لهذا تحدثن عن كتابة نسوية، ونقد نسوي، كما إن هذه المفاهيم، وبخلاف ما يبدو للوهلة الأولى، ليست بدهية أو واضحة بذاتها، ولا هي محل اتفاق عام حتى بين النسويات أنفسهن، بل خاصة بين النسويات أنفسهن، ترى كيف يمكن مقاربتها من وجهت نظرك، كباحث في حقل الدراسات الثقافية؟




تطرح علينا هذه القضية جانبين أساسيين: يتعلق الأول بما اعتبرته، استنادا إلى عبد الوهاب المسيري تمركزا في الخطاب النسوي العربي، وسقوطا في شرك النسق الذي انبرى إلى تفكيكه وتقويضه، أما الثاني فيحيل على الاختلافات الحاصلة بين النسويات أنفسهن فيما يتعلق بدرجات الاقتناع بالتحديدات والمقاربات التي هي وليدة هذا التمركز ومن ثم تبنيها في هذه المقاربة أو تلك، وهو ما يدعو إلى إنجاز نوع من التحقيب أو النمذجة لتاريخ الحركات النسوية إذا شئنا مزيدا من الفهم والوضوح.

بالعودة إلى الشق الأول أتصور أن التمعن في الصورة قليلا، يسمح بالتخفيف من حدة الحكم القاطع بأن الخطاب النسائي العربي، وبل وحتى الغربي يجد حده النهائي والمكتمل في هذا النوع من الفهم لقضايا النساء وأسئلتهن وكفاحهن ضد نظام الخطاب وظلم الثقافة ورقابتها، أقصد الفهم المتسم بالتمركز حول الأنثى واعتبارها الجوهر أو الحقيقة النهائية، وإن كان البحث في هذا الموضوع يؤدي بنا إلى الوقوف على بعض الممارسات والتحليلات التي قد تبدو مرتهنة لهذا النوع من الفهم المنغلق، الذي يصادم الآخر ولا يعترف به، في رده على الموضوعات اللصيقة بمعاناة النساء ثقافيا وبيولوجيا، وهو فهم وإن كان يصدر ظاهريا عن وعد بمزيد من الحرية للمرأة تتخطى عوائق أي هوية لجنوسة محددة سلفا، فإنه موضع نقد وتفكيك من قبل نسويات عديدات، لأنه في الوقت الذي يتبنى سياسة الاختلاف يعجز عن تقديم بدائل ممكنة ومقبولة. هو فهم استهلك نفسه وفقد قدرته على الفهم الخلاق والمبتكر ومن ثم لا يمكن من رؤية الممكنات الأخرى في مشهد الحركة النسوية بأسئلتها واختلافاتها ورؤياتها المتنوعة. لذلك لا يجد مبررا حتى في التحديد الإبستمولوجي للنسوية باعتبار أن الباحث في هذا المجال لا يمكن إلا أن يقر بذلك الاتفاق بين مقاربات عديدة على استحالة الإجابة عن أسئلة النساء وتغيير أوضاعهن نحو الأفضل بعيدا عن الرجل بالمعنى الحداثي، علما أن الخطاب النسوي يقدم تمييزا ها هنا بين الرجل التقليدي وهو موضوع للتفكيك خطابا وممارسة، وبين الرجل الحداثي باعتباره نصيرا ومساندا لكفاح المرأة ضد الصمت والتراتبية الاجتماعية.

ويظهر هذا جليا في الخطاب النسائي المعاصر، خاصة الذي برز خلال العقدين الأخيرين من القرن العشرين، واستفاد من الاقتراحات المنهجية والفكرية التي بلورها العديد من مفكري البنيوية وما بعدها أمثال فوكو ودريدا ولاكان وروجيه غارودي. ومعلوم أن هذه الاقتراحات شكلت الأساس المنهجي للدراسات الثقافية (Cultural Stadies) بتياراتها المتعددة ومنها الدراسات النسوية(Feminist theory) والنقد الثقافي(cultural criticism) ودراسات ما بعد الاستعمار(Postcolonial Studies)، وكل هذه التيارات يحضر فيها الخطاب النسوي بخلفيات متعددة ورؤيات مختلفة للموضوع، وهو أفق يدل على الاتساع والتشعب والانفتاح الذي أصبح يتمتع به الخطاب النسوي الأكاديمي في الوقت الراهن.

في هذا السياق يمكن الإشارة إلى التراكمات التي تحققت في حقل النسوية، خاصة على مستوى البحث والكتابة والممارسات الثقافية، سواء من جهة تعدد منظريها أو من جهة تنوع المقاربات وخلفياتها الفلسفية والنفسية والاجتماعية والإجراءات والتناولات للموقع المشوش الذي عانت منه النساء كثيرا، والآفاق التي تفتح في هذا المجال باتجاه جعل النسوية حقلا للبحث والتفكير والدراسة خاصة بالمؤسسات الجامعية والمراكز العلمية والأكاديمية، وهذا ما مكن من إنجاز قراءات جديدة للتاريخ من موقع يسائل فرضياته القديمة، يفسرها ويفككها، قصد وضع المرأة في السياق الملائم وبما يبرز الأدوار الحقيقية التي نهضت بها. وما يميز هذا النوع من التحليل هو أنه لا يبقى حبيس الوصف للعلائق التي تترسخ من خلالها الصور عن المرأة وإنما يطمح إلى تغييرها كذلك. وأعتقد أن هذا التوجه النقدي الفكري يتبلور بعيدا عن نزعات التصلب والأحادية، التي لا يمكن إلا أن تبقي على صورة "كارهات الرجال المخيفات". فهو من جهة ينخرط في عملية فهم وتفسير لما يجري من حولنا، كما أنه من جهة ثانية يقوم بعملية تفكيك لمختلف أنظمة الهيمنة، أكانت مبنية على أساس العرق أو الجنس أو الطبقة أو العمر أو الجنسانية. والفاعلون فيه ليسوا نساء وحسب وإنما رجالا كذلك، مما يكشف شكلا من التحول باتجاه مناصرة قضايا المرأة التي اتخذت مشروعية علمية وفكرية وباتت موضوعا شديد الأهمية في الدراسات الثقافية المعاصرة.

من هذه الزاوية أجد أن الحكم على الخطاب النسائي العربي بالتمركز والأحادية وعدم القدرة على الفكاك من النسق، أقصد نسق الهيمنة التي هو معني بتفكيكها وتقويضها، فيه الكثير من التعميم والتضييق لنطاق وظيفته ووعيه بأسئلة النساء وقضاياهن، وهو وعي يبدو الجوهري فيه ماثلا ليس في أفق الأحادية الصلبة التي تتخلق عنها ممارسات ثقافية وأوعاء تتمرد على ما هو مألوف أو معتاد أو مشترك، أو لا تمت بصلة للواقع الثقافي والإيديولوجي الذي يقع هذا الخطاب تحت تأثيره وإن كان يطمح إلى تجاوز سياقاته سواء شخصية أم جماعية أم محلية باتجاه الانفتاح على الإبدالات والتجارب العالمية الناجحة في هذا المجال. ويكفي أن أضرب ها هنا مثلا بالأبحاث اللماحة التي تقدمها الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي، ليتضح لنا جانب أساس من طبيعة الخطاب ومفاهيمه وأدواته ومقصدياته وكيفية استدلاله على ما يقول. من هنا يبدو من غير المنطقي الحكم على النسوية خارج نطاق تشكل خطابها رغم التعالقات والتداخلات ومستويات المثاقفة الحاصلة في هذا المجال. وإذا سلمنا جدلا بأن الحكم على هذا الخطاب عربيا، يقتضي استحضار مستوى الحوار مع النظرية النسوية في بنيتها الخاصة وفي مراجعها المركزية المحددة، وعما إذا كان ذلك الحوار قد أفضى إلى نوع من التملك بالمعنى الذي تحدث عنه هانس جورج جادامر في كتاب "الحقيقة والمنهج"، وكذلك التحولات التي حصلت في مجالات الاهتمام بقضايا النساء، فإن ذلك لا يمنع من الإقرار بوجود ديناميات داخلية مرتبطة بهذا الخطاب في حد ذاته، وذات صله بما يطوله من أشكال الامتداد المتوتر إلى خطابات وممارسات ثقافية مختلفة. مما يعني كذلك أن المجال، عربيا، مفتوح على مزيد من البحث والدراسة قصد فهم أعمق للهوية ولتركيبة المجتمعات العربية وبلورة مفاهيم ذات ملاءمة وكفاية تفسيرية.

هذا يقودنا إلى المسألة المتعلقة بالكتابة النسائية(Ecriture Féministe) والنقد النسائي (Critique Féministe). وكما تعرف فمفهوم الكتابة النسائية يشير إلى مختلف الأعمال التي تقف خلفها كاتبات مبدعات، وهي أعمال يمكن أن نستخلص منها رؤية للكتابة باعتبارها عملا يوفر للمرأة استعادة ما كان مفقودا أو ضائعا لتلامس قوتها الفطرية. إن الكتابة توفر بهذا المعنى ولادة جديدة للمرأة جوهرها القدرة على التكلم والتعبير عن صوتها. أما النقد النسائي فيشير إلى ممارسة منخرطة في سياق حركة تغيير اجتماعي، ويتجلى اشتغالها في الحقل الثقافي. والنقد النسائي يدافع على أطروحة مفادها أن كل كتابة تحمل بصمات وآثار هوية مجنّسة تحتاج إلى تحليل ودراسة قصد فهمها وتجليتها. فمع الاختلافات الحاصلة بين النسويات والباحثين المعنيين بهذا الموضوع، وهي اختلافات قد لا تعكس اضطرابا أو قصورا في فهم هذين الحقلين الكتابيين، وإنما قد تكون تعبيرا عن حالة طبيعية نجد علاماتها بارزة في مجمل العلوم الإنسانية خاصة الدراسات الأدبية، إذ الحقل الأدبي هو حقل جدل واختلاف وحوار بين إبدالات متعددة مما يندرج في صلب الديناميات المميزة له. وإذا كان هذا يبرز جليا في هذا الحقل فما الذي يمنع من أن يكون حقل الكتابة النسائية والنقد النسائي حقل جدل واختلاف بين الفاعلات والفاعلين فيه. فالنظرية النسوية تتميز بانفتاحها وديناميتها الداخلية وقابليتها لأن تحتضن رؤى ووجهات نظر جديدة تنشأ داخلها. وقد يكون بعضها ناجما عن حوار مع حركات فكرية واجتماعية أخرى، وبعضها عن تطور في التفكير داخل الحركات النسوية، والبعض الآخر ينجم كنتيجة لتطورات وأزمات تاريخية وسياسية واجتماعية كما نجد في كتاب (النظرية النسوية).

أعتقد أن الأهم ها هنا يكمن في الإقرار بالتحولات التي تحدث في مجال الكتابة النسائية والتحققات النصية المتميزة التي تشكل رافدا بالغ الأهمية للثقافة الأدبية والجمالية العربية، ولا أحتاج إلى ذكر الأسماء لأنها كثيرة ويظهر حضورها بارزا في تجليات مختلفة من الخطاب الثقافي العربي. وأحسب أن ما يكتسي الأهمية بالنسبة للنقد والنقد النسائي، يكمن في بلورة فهم جديد بالطاقات التقويضية الكامنة في كتابات المرأة، سواء كان ذلك الفعل التقويضي منصبا حول احتكارات السلطة الذكورية للحقيقة أو صورة المرأة في الخطابات المختلفة أو موقعها في الإنتاج الثقافي ونظريات التفكير فيه، من خلال الاشتغال على فهم المدى الذي تستطيع فيه المرأة الكاتبة إحداث التغيير المطلوب في بنية الخطاب الثقافي والأنواع الأدبية وإعادة صياغتهما بعيدا عن تأثيرات الهيمنة الذكورية. وإذا كان هذا النوع من الاهتمام قد حقق تراكمات مهمة في أمريكا، وفي فرنسا نسبيا رغم أن النظرية الفرنسية شكلت خلفية نظرية للكثير من التنظيرات الأمريكية، فإننا في العالم العربي في حاجة إلى بذل المزيد من الجهد على مستوى البحث والتنظير وتجديد فرضيات القراءة. فإذا كنا نلحظ حضورا كبيرا للمرأة في التجربة الكتابية والجمالية، أو وعيا بالكتابة باعتبارها جسرا تلتقي المرأة من خلال عبوره بجسدها وبهويتها التي أبعدت عنها، وذلك بالانحياز لوضع نفسها في النص والعالم والتاريخ للتعبير عن هويتها، وعناصر الاختلاف التي تخصها، والتعرض بالنقد من خلال الكتابة والمعرفة العلمية لكل البنى الاجتماعية والثقافية والسياسية التي تريد تأبيدها في وضع يضعها في حيز المحظور الذي يمنعها من استعادة ذاتها أو إعادة ترميمها عبر الكتابة، والإيهام بأن ذلك هو اختلاف طبيعي وبشري، فإن النقد يتسم أفقه بالضيق والمحدودية، ربما يرتبط هذا بالوضع غير المريح الذي يميز الدرس النسوي وبرامج الدراسات النسوية في الجامعات العربية. مما يعني أن المجتمع العربي في حاجة إلى تحديث شامل، يلامس الرؤية للعالم، فرديا وجماعيا، حتى تكون الحداثة موقفا وسلوكا وعملا.

إن مصطلح النسوية الشائع الآن في ثقافتنا العربية هو المقابل العربي للكلمة الأجنبية Feminism، أليس من الضروري أن نلتفت قليلاً إلى هذه الكلمة الأجنبية وما يرتبط بها من كلمات أخرى لابد من إيجاد مقابلاتها العربية الدقيقة والمميزة ؟ إذ أن ما هو ملاحظ هو أن كلمة Feminism في الإنجليزية تقابلها في العربية كلمة ( النسوية )، إلا أن لهذه المفردة في اللغة الانجليزية ترابط وتعالق مع مفردات تشترك معها في الجذر الاشتقاقي، مثل مفردة Female ومقابلها في العربية كلمة ( أنثى)، ومفردة Feminine ومقابلها في العربية كلمة (أنثوي)، ومفردة Femininity أو Feminity ويقابلها في العربية (الأنوثة، أو التخنُّث، أو الجنس اللطيف). فعلى الرغم من الترابطات والتعالقات بين هذه المفردات، إلا أن هناك تفرّد دقيق في الدلالة بحيث تتميّز به كل مفردة من هذه المفردات. ففي المعاجم الانجليزية نجد أن كلمة Female (انثى) هي صفة واسم في الوقت ذاته. فهي تشير كصفة الى انتماء الموصوف الى الجنس القادر على انجاب الأطفال او وضع البيوض، كما تشير كاسم الى شخص او حيوان ينتمي الى هذا الجنس. اما كلمة Feminine (انثوي)، فهي صفة تشير الى التمتع بصفات ينظر اليها على انها مطابقة للنساء كاللطف والرقة والعذوبة مثلاً، واخيراً فإن كلمة Feminism تشير الى مذهب يدافع عن النساء وحقوقهن وضرورة أن تكون لديهن فرص مساوية لفرص الرجال .

ترى هل بالإمكان التدقيق في المقابلات العربية لتلك المفردات؟ وإذا أمكن ذلك فهل استشعرت الحركات النسوية العربية تلك التمايزات التي محتها المفردة الذائعة وهي “النسوية”؟ ثم هل استطاعت الحركات النسوية العربية أن تتجاوز هذا المأزق، أم أنها ما زالت تعاني خللاً ما في التلقي؟ إذ أن البعض يرى أن الحركات النسوية العربية تحديداً تعاني من داء الإجترار والمطابقة لثقافة الآخر الغربي دون النظر في موائمة هذا المفاهيم لثقافتها ؟



لامراء أن مصطلح النسوية فرض وجوده حديثا في الخطاب النسائي العربي، خلال أواخر السبعينيات، لكن ظهوره كان ثمرة أفكار عديدة تكونت في سياق من الاتصال بالثقافة الغربية. لذلك فمن يفكر في هذا المصطلح لا يمكن إلا أن يستحضر التحولات العديدة التي مست الثقافة العربية الحديثة منذ أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تعبيرا عن تطلع إلى صيغة وجود جديدة كانت الحداثة عنوانها الأبرز. لذلك كانت هذه المرحلة التي دشنها جيل النهضة والإحياء عنوانا للتلقي الأول للأفكار والتصورات والمفاهيم المتصلة بالتحرر وبتحرير المرأة. وهو ما يتجلى في الكتابات النظرية والإبداعات والنصوص التي تفصح عن انشغال عميق بأهمية الكلام عن القضايا الخاصة بالمرأة العربية والمطالبة بأن يسمع صوتها ويصغى إليه. ومعلوم أن هذا الاستقبال كان تحت تأثير حركة إحيائية عامة تستعيد الماضي وتنفتح على الحاضر بحثا عن ممكنات التقدم والنهضة.

إن الانطلاق من هذا السياق التاريخي المرتبط بمفهوم الحداثة العربية يكتسي أهمية كبيرة في فهم خصوصية التلقي الذي خضع له مصطلح النسوية، وكذلك طبيعته ونسبيته ضمن تجربة مخصوصة كتجربة الحداثة العربية. وكما يقول محمد برادة فالحديث عن حداثة عربية مشروط تاريخيا بوجود سابق للحداثة الغربية، وبامتداد قنوات للتواصل بين الثقافتين. من هذا المنظور، أجد أنه ككل المصطلحات والمفاهيم التي تنتقل من سياق ثقافي إلى آخر، ومن نظرية إلى أخرى، لم تكن ظروف الاستقبال لمصطلح النسوية خلال السبعينيات مهيأة بما يكفي، فقد أثيرت حوله الكثير من الأسئلة وتم الارتياب في قدرته على الإمساك بجوهر الأسئلة التي يطرحها الحقل النسائي، بتجلياتها الفكرية والسياسية والجمالية. خاصة وأن مفهوم النسوية المستعمل وفق طرق مختلفة، والذي يكشف وجهات نظر عديدة حوله، لم يكن مجرد مقاربة من خلفية سياسية لموضوع يرتبط باحتياجات ومصالح فئة اجتماعية، مثل سائر المقاربات، لقد كانت النسوية جزءا من نسق عام يؤسس نفسه اعتمادا على التطورات والنقلات التي كانت تحدث في ميدان المعرفة والعلوم الإنسانية والسياسية منذ الستينيات، وليس غريبا أن ينفر منه البعض نظرا لما يبشر به من تغيير وتحول في نسق العلاقات الاجتماعية على أساس المساواة ومراجعة جذرية لمسألة النوع في أبعادها الثقافية والتربوية والإعلامية والقانونية. وهذا حال النسوية في الثقافة العربية، وما يرتبط بها من نقد وكتابة نسائيين، لا يمكن الخوض فيهما بمعزل عن التيارات الفكرية والفلسفية واللسانية التي كانت تفرض نفسها على أهل الفكر والثقافة باعتبارها إبدالات وتشييدات فكرية قمينة بتأسيس فهم جديد بالظواهر والممارسات الثقافية العربية.

على هذا الأساس نجد أن النقاد والباحثين الذين اهتموا بالتساؤل عن إجرائية مصطلح النقد النسوي وبالاستقبال الذي حظي به في السياق العربي يميزون بين ثلاثة أشكال من التلقي تدرجت بين الرفض أولا، ثم الإقرار، ثانيا، بأهميته فيما بعد في توصيف العناصر الأساسية المائزة للكتابة النسائية العربية، مع ما يتطلبه ذلك من تعديل وتوسيع بشكل لا يقود إلى عدم اختزال تلك العناصر في خصوصية معينة خاصة بالمرأة، وموقف ثالث يأخذ بالمصطلح دون تحفظ حتى في غياب سند نظري ومنهجي، خاصة إذا ما استحضرنا الترجمات المحدودة للكتابات النظرية المعنية بالنقد النسوي، قياسا إلى التراكم الذي تشكل خلال بداية هذا القرن حيث برزت الكثير من الدراسات والأبحاث والمقالات التي لا تتناول ما كتبته النساء وحسب بل تدرس كذلك نصوصا لكتاب من موقع يعنى بأشكال حضور المرأة فيها، بهدف تفكيك الصور الذكورية السائدة والمحكمة في السيطرة والتنظيم.

والملاحظ أن الكثير من الباحثين والباحثات الذين عنوا بكتابة المرأة، يجمعون على اعتبار مصطلح النقد النسوي شائكا ومثيرا للكثير من الالتباسات، وهم يميلون إلى الاعتقاد بقوة في العلاقة المتواشجة التي غدت تشدّ المرأة إلى الكتابة منذ العقد الأخير من القرن الماضي، حيث مثلت لها أفقا لتناول الكثير من الموضوعات والقضايا التي تشدها إلى بيئتها اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، كما تشدها إلى أسئلتها العاطفية والوجدانية. ولعل الرواية مثلت في هذا الجانب الملاذ الآمن للمرأة. لطبيعتها الجنسأدبية المنفتحة والتي أكدت عليها أكبر النظريات في تاريخ الرواية في طليعتها تنظيرات ميخائيل باختين. فلقد أكد هذا الناقد أن البناء المفتوح غير المسيج للرواية هو الذي يجعلها باستمرار أفقا للتعبير عما لا تستطيع الأجناس الأخرى تشخيصه، وإمكانية لإعادة النظر في ما يبدو مكتملا أو نهائيا. وطالما أن التاريخ يحمل بصمات الرجل بقوة، فمعنى ذلك أن الرواية ستمثل بالنسبة للمرأة مجالا للمقاومة عبر إعادة كتابة تاريخ طويل من الصمت واللاكلام. ونجد لدى الناقدة المغربية زهور كرام تماثلا بين الطبيعة المنفتحة للجنس الروائي والأسئلة التي تحمل المرأة همومها إذ تقول: "ولعل من الصدف التاريخية أن جنس الرواية منذ تأسيسه انبنى على الانفتاح المحتمل على النصوص وأنماط الوعي والأصوات ومختلف أشكال الحوار مع الذاكرة والموروث وأسئلة المستقبل الشيء الذي يجعل المرأة حين تتعامل مع الجنس الروائي، فإنها تساهم انطلاقا من استعادة الصوت المغيب في تزكية الزمن التأسيسي للجنس الروائي بكل مظاهره وأبعاده . وهو الإحساس الذي شعرت به مجموعة من المبدعات اللواتي جربن الكتابة في أجناس أدبية أخرى فانتقلن إلى الرواية لعلها تستطيع أن تشخص جرح الذاكرة الأنثوية ".

إن الإشكالات التي يثيرها مصطلح النسوية في الخطاب النسوي العربي، أو ما يأخذه من وجود ملتبس في الكتابات التي تستثمره في فهم ما يرتبط بقضية المرأة، شأنه شأن الكثير من المفاهيم والمصطلحات المتداولة والتي تحتاج إلى فهم واستيعاب للخلفيات المعرفية الكامنة خلفها، إن هذا الوجود الملتبس للمصطلح، الكاشف عن الرغبة في تأصيله نظريا والشك في إمكانياته، هو أعقد من أن يحل بتوليفة سهلة. ويقدم سعد البازعي ملاحظة لماحة في سياق حديثه عن التفاعل الأدبي والنقدي مع معطيات الحضارة الغربية، مفادها أن تأصيل أي من تلك المعطيات لا بد أولا أن يمرّ بالوعي باختلافها، أي بما تتضمنه من موقف حضاري خاص قد يتضمن تناقضاته الخاصة، تماما مثلما هو الحال في الموقف الحضاري العربي الناتج عن ذلك التفاعل. لكن هذا القلق لا يمكن أن يحجب عنا امتدادات المفهوم في جسد الخطاب العربي المعاصر، خاصة الخطاب الأدبي. وهنا لا بد من الإشارة إلى التوسع الكبير الذي يحدث في مفهوم الأدب في الثقافة العربية المعاصرة، بفعل الانتهاكات والاجتراحات والكوى التي لا تكف عن إحداثها كاتبات عديدات من خلال نصوص تغامر بارتياد الحدود القصوى في استدعاء اللغة واستثمار إمكاناتها المختلفة في التعبير عن مجهولات الحياة وأنساقها المعقدة. وأعتقد أن أهمية هذه المغامرة لا يمكن الحكم عليها إلا انطلاقا من مصاحبات عميقة لهذه التجارب وإنصات لنبض الخطاب فيها. ويكفي الّإشارة ها هنا إلى ما أحدثته رواية "ذاكرة الجسد" للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي إبان صدورها وللسجال الذي برز على صفحات المنابر الثقافية العربية، وذهب فيه معلقون حد الارتياب فيما إذا كانت الكاتبة فعلا هي صاحبة العمل ! وهو أمر يكشف في تقديري المساهمة النوعية التي تقدمها الكتابة النسائية العربية على صعيد تطوير الإبداع العربي المعاصر ومده بعناصر ومكونات لا شك سيكون لها أثرها العميق على صعيد الوعي التاريخي بالثقافة العربية المعاصرة ومساهمة المرأة الكاتبة فيها. لكن هذا الجانب المشع لا ينبغي أن يحجب عن النظر التحديات الكبيرة التي يواجهها الخطاب النسائي العربي، خاصة ما له علاقة بإمكانية وصوله إلى فئات أوسع من النساء. إذ لا يزال هذا الخطاب نخبويا، وسجاليا، ومحصورا ضمن مجموعات ضيقة، ولا يصل إلى النساء الكثيرات اللائي يوجدن في الظل.


هل “الأنوثة” و”الأنثوي” و”المرأة” هي موضوع النسوية، أم أن النسوية استراتيجية لتفكيك الكيانات المتخيّلة التي شكّلت المفهوم الثقافي/الاجتماعي للجنس المؤنث والمذكر سواء بسواء؟ وبعبارة أخرى هل يمكننا أن نتحدث عن “أنوثة متخيّلة”، وأيضاً عن “رجولة متخيّلة” كما هو عنوان الكتاب الذي قامت بتحريره مي غصوب وإيما سنكليرويب ؟



أنت تعرف أن النسوية أصبحت من أكثر الحركات إثارة للجدل خلال القرن العشرين. فقد تطورت تطورا كبيرا بحيث أضحت أكثر ثورية في مجابهة ثقافة يهيمن عليها الذكور، وفي اجتثاث أنساق الهيمنة فيها. وقد اعتبرت مي غصوب في الكتاب الذي قامت بإعداده مع إيما سانكليرويب بعنوان: "الرجولة المتخيلة" أن النجاح المتحقق في ميدان النسوية هو الأكبر بين نجاحات التيارات المؤثرة فكريا واجتماعيا خلال السنوات الخمسين الماضية، بحيث زعزع منظروها كل مفاهيم الأنوثة وموقع المرأة داخل التركيبة البيولوجية. لكن أهمية هذه المساهمة تتجلى في تقديري في الإقرار بأهمية التحولات التي تشهدها الثقافات والسياقات المختلفة في عصر يتميز بتحول كبير في العديد من المفهومات والتصورات والرؤيات للعالم، مما يشكل نوعا من الرد على المقاربات وأشكال الفهم التي تحاول أن تقلل من أهمية ما تحدثه النسوية، فكرا وممارسة، في الحقل الثقافي العربي، خاصة فيما يتصل بإعادة مساءلة الأدوار والمواقع الخاصة بالأنوثة والذكورة في سياق مشوش وملتبس.

وما من شك أن النظر في الكتابات الهامة التي تحققت في هذا الحقل يؤدي بنا إلى القول بأن النسوية باعتبارها نظرية تشمل مختلف الكتابات والدراسات التي تشرح وتفسر وتحلل ظروف النساء. وهي من خلال هذه الإجراءات توفر مجالا لرؤية ما يجري وما يحدث من حولنا دون أن تبقى في حدود الوصف. فهي كذلك تطمح إلى بلورة الاستراتيجيات القمينة بتغيير أوضاع المرأة نحو الأفضل. وبهذا المعنى فهي تجمع بين النظرية والممارسة في علاقة متكاملة ومتواشجة. إذ "تؤدي النظرية بشكل مباشر إلى تحول في العلاقات الاجتماعية في كل من الوعي وفي الواقع بسبب ارتباطها الوثيق بالاحتياجات الحقيقية" (نانسي هارتسوك).

وثمة مسألة ذات أهمية خاصة في سياق هذا التحديد. ذلك أن حقل هذه النظرية يبدي بوضوح أننا أمام نظريات أو إجراءات متعددة للنظر في قضايا النساء ولسنا أمام مقاربة تنضبط مفاهيمها أنطولوجيا لحقل معين في المعرفة. لذلك تقدم النظرية النسوية مشهدا متميزا لتداخل المعارف(L’interdisciplinarité) أو النظريات المتداخلة أي فن الاشتغال بمنهجيات مختلفة من أجل بلوغ الفهم بموضوع محدد، بعيدا عن النزعات التكاملية التي قد تقع في شرك الخلط بين المناهج وخلفياتها المعرفية والإيديولوجية. ما أقصده ها هنا هو أن التداخل مبرر ومستدل عليه. مما يقود إلى التفكير بصيغ جديدة استنادا إلى مفاهيم مألوفة ومتداولة، وهذا حال النظرية الفرنسية (French Theory) كما بدأ تطبيقها منذ الثمانينات من القرن الماضي لدى النسويات الأمريكيات أوفي حقل الدراسات الثقافية.

طبعا يؤدي هذا التنوع في المقاربات وأساليب الاشتغال إلى تنوع وتعدد في زوايا النظر إلى الموضوع، وهذا ما يمكن تبينه من خلال الاقتراحات المختلفة التي تقدمها النظرية النسوية بمراجعها المختلفة. فمن الطموح إلى شرح الأسباب والظروف التي يكون فيها الرجال أكثر نفوذا، ويرى إنتاج الرجال وأفكارهم ونشاطاتهم على أنها ذات قيمة أكبر ووضع أعلى من تلك الخاصة بالنساء إلى شرح أنظمة الهيمنة سواء كانت مبنية على أساس الجنس أو العرق أو الطبقة أو العمر أو الجنسانية أو القومية، يتبدي لنا أن النسوية هي أوسع من أن يتم اختزالها في الاهتمام ب"الأنثوي" و"الأنوثة" (تركيب ثقافي يكشف عن مقاييس اجتماعية معينة مفروضة على الأنوثة ويجري ترسيخها كما لو أنها مقاييس طبيعية وجوهرية)، لأنها مزيج من الخيارات والرؤيات والمناقشات، من البيانات حتى الدراسات العلمية الرصينة. وفي خضم هذا التراكم تتميز النسوية الأكاديمية باعتمادها على ذخيرة من التصورات والمفاهيم والمرجعيات في مقاربة موضوعها بالارتكاز أساسا على نقد وتفكيك أنساق الهيمنة وتواطؤ الثقافة واحتكارات الحقيقة، على أساس أن الأنوثة كما الذكورة هي مبنية اجتماعيا، مما ينفي الإدعاء بوجود أصل جوهري أو عناصر دالة على هوية ثابتة. وإذا عرفنا ذلك أمكننا القول إن النسوية معنية بتأسيس سرديات مغايرة تنهض فيها النساء بالأدوار الحقيقية التي حرمت منها.



الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email