الأفق الفلسطيني (*)

 

سوف يواجه النظام العربي صعوبات كثيرة (لئلا أقول خطيرة)، وهو يحاول مقاومة شعوبه بإسرائيل بوصفها صديقاً، بعد تاريخ طويل وكثيف من كبح طموحات هذه الشعوب ومصادرة حقوقها، بإسرائيل بوصفها عدواً.

هذا المنعطف الجذري هو الذي تحاول السلطات العربية تحقيقه في ظروف غاية في التعقيد. فليس متوقعاً للنظام العربي، الذي يتخبط في العديد من الأزمات المتقاطعة مع بعضها، أن ينجح في الخضوع القسري للشروط الدولية التي تفرضها القوى العالمية. هذه القوى التي لم تعد تكترث بالحقوق الانسانية المرتبطة بالقضية الفلسطينية، ولا هي تكترث ايضاً بأزمة النظام العربي المريض بشعوبه.

 

*

عندما قلتُ مرة، أن فلسطين كانت الدرس السياسي الأول بالنسبة لجيلنا، كنت أعني أن تأسيس وعينا النضالي نشأ على مفهومٍ للعدالة يرى في حق الشعب الفلسطيني في العودة إلى أرضه نموذجاً للظلم العالمي الذي يتوجب عدم تجاوزه او تفاديه. ولعل ما اعتبره الدرس السياسي الاول في حياتي، ربما يكون صالحاً ليكون درساً اولاً في حقل حقوق الانسان والعدالة على المستوى الكوني.

 

*

دائماً، يتوجب أن نتذكر الفرق الواضح بين الموقف السياسي الرسمي للحكومات العربية، وموقف الشعوب العربية. خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية. وسوف يستدعي التذكير دائماً بهذا الامر في السنوات العربية الاخيرة. 

أصبح واضحاً التحول النوعي لدى النظام العربي برمته، (من أعلن ومن لم يعلن)، نحو اعادة النظر في الموقف من اسرائيل، دون الكلام عن الشأن الفلسطيني، في محاولة واضحة للفصل بين الحق الفلسطيني والعلاقة مع الدولة الاسرائيلية. وهو فصل يسعى للتمهيد السياسي من اجل فتح الجسور مع الدولة العبرية.

 

 

*

ولكي نرى المشهد على صعيد النظام العربي، فان التململ الشعبي في السنوات الاخيرة، ومن بينها ما يسمى (الربيع العربي)، جعل النظام العربي يضاعف حكمه الحديدي بقوانين أكثر تعسفاً، متضرعاً للقوى العالمية حمايته عارضاً عليها المزيد من ضمان احتياجاته من ثروات الطاقة في المنطقة. ومن المشاريع التي يجري ترتيبها مشروع الصفقات المتعلقة بالقضية الفلسطينية، واضعين الحق الاسرائيلي في مستوى الحق الفلسطيني. وبات علينا اعتياد هذا التعبير، ونحن نشهد الترتيبات اليومية، بإيقاع المتثائب (بلا يأس) الهادف لتجاوز القضية الفلسطينية، وحلها عن طريق تحويل اسرائيل حليفاً في ضوء منظورات سياسية مستحدثة.

 

*

فإذا نحن وضعنا في اعتبارنا تمسك الشعوب العربية بالحق الفلسطيني، لابد من الانتباه لآلة السياسة العربية التي تخلخل الموقف الفلسطيني بالروافع الدينية نفسها، التي تستشري في الجسد العربي، عاملة على تحويله الى جثمان. فالمرض الديني يقدر كل يوم على تفتيت الموقف العربي (وضمنه الفلسطيني)، تجاه مجمل القضايا السياسية. مما يجعل القوى العالمية تسهر على تشغيل ادوات البطش بالنظام والشعب العربيين.

وتنجح في ذلك بلا كلل.

 

لستُ من المعجبين بالنظام العربي في المطلق، ولا ارى في الوقوف مع اي من الحكومات العربية قاطبة، أكثر من هذا، فإنني أرى أن الاخطر في هذا المشهد العربي والعالمي الان، هو الاعجاب بأي من الاحزاب والمعارضات العربية برمتها. فلا أرى أن المثقف مجبرٌ على الاعجاب او الوقوف مع أحد هذه المعارضات، مهما كانت شعاراتها او مشروعاتها الوطنية والنضالية. فليس أسوأ من الأنظمة العربية إلا المعارضات العربية. واعتقد أن على المثقف العربي أن يكون حراً في اتخاذ الموقف المختلف ضد جميع المنظومات السياسية، وهي تمارس يومياً التغرير والعسف بالمواطن العربية وتضليله نحو أكثر المواقف اذلالاً وجهلاً.

 

*

لا ينبغي الغفلة عما يعانيه الفلسطيني من انشقاقات بنيوية في واقعه الاجتماعي والنضالي. وعندما قلت ذات مرة ان أحدنا لا يستطيع أن يكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين، إنما أقصد أن تدخل العرب في المسألة الفلسطينية هو ما أدى بالتعثرات التي لا تحصى، والذي جعل القوى الفلسطينية مرشحة دوماً للمزيد من الخسارات المتوالية، برغم التضحيات الاسطورية التي لم تتوقف منذ النكبة حتى الآن. والاتجار السياسي بالقضية الفلسطينية لم يتوقف طوال الوقت من قبل كل الانظمة والحكومات العربية، وكذلك الاحزاب والمعارضات العربية. وظني ان على المثقف العربي ان ينتبه للتدخل السلبي السافر للعرب في القضية الفلسطينية، ويسعى لوقف هذا التدخل، وينتبه لضرورة تفادي المزيد منه.

لنرى لمرة واحدة على الاقل، بعد هذا العمر الطويل، الفلسطينيين يبادرون باتخاذ قراراتهم وحدهم، بأنفسهم، بمعزل عن النظام والسلطات العربية، وهي سلطات نرقب دائماً انها تتدخل بأجهزتها وأدواتها المخابراتية بالدرجة الأولى.

 

*

 

سأجد في رأي "أدوارد سعيد"، الذي تحدّثَ عن الحقوق التاريخية لليهود والمسلمين في فلسطين، مع رفض الكلام عن إخراج أحدهما الآخر عن الأرض. ربما في هذا ما يتيح لنا جانباً من تفادي المزيد من التضحيات الجديدة. على الأقل لئلا يأتي علينا يومٌ نسمي شهداءنا ضحايا مجانية. لكن دون تفادي مواجهة الجناية التاريخية التي ارتكبتها الصهيونية، باسم اليهود. تلك وجهة نظر تصدر عن حقيقة الرغبة الكونية في الخروج من دائرة الدم بالدم. ترى هل يمكننا النظر في إمكانية تصعيد السجال من أجل حلٍ لا يعالج الجريمة بالخطأ؟ ذلك ما يتعرض له المثقف ليبدو لنا شخصاً يحاول رسم ظلال أشجار الغابة في عاصفة وتحت القصف.

ومثلما لا أستطيع أن أكون فلسطينياً أكثر من الفلسطينيين، أظن بأن أحداً مثل "أدوارد سعيد" يمكن أن يساعدنا على التبصر في المشهد الفلسطيني. "أدوارد سعيد" الذي عاش ودرس المسألة بالشكل الذي يؤهله لأن يقول رأياً، حتى لو اختلف معه بعضنا، إلا أن الخلاف سيكون (معه)، وليس ضده. فربما يريد "أدوارد سعيد" تفادي وطناً "يزداد سوءاً كل يوم" حسب تعبير محمود درويش.

ثمة اليأس الذي يتوجب علينا تفاديه، لكن، لابد من استدراك ما نخسره يوماً بعد يوم: الأرض.

 

فقد أخذ الإسرائيليون الأرض شلواً شلواً، (بعد أن اغتصبوا اللغة والعمل)، ويعملون، منذ سنوات، على سرقة التاريخ. ويحاولون اختزال ما يخسره الفلسطينيين، وما أصبحوا يحلمون به الآن. فهل يذهب الفلسطينيون الى حل الدولتين، حسب إشارة إعلان الدولة الفلسطينية أيام ياسر عرفات. أم إلى حل الدولة الديمقراطية (المستحيلة) الواحدة؟

هنا يتوجب التحديق وتأمل الفروق الجهنمية (التي نعانيها)، بين حلم الشاعر الجذري، ونضالات السياسي المشروعة. الأديب العربي ليس في مكان الرأي الحاسم، بدل الفلسطيني. فنحن أصحاب أحلام لا تقبل التنازل. فيما المناضلون هم أصحاب العمل المباشر. غير أن المفارقة الجارحة، أن إسرائيل لا تتوقف عن القتل، ولا يتوقف الفلسطينيون عن الأمل. وفي هذا محاولة للاحتفاظ بقناديل الروح، لئلا تنطفئ أو تترمّد، بفعل ما يحاك حولها من (مؤتمرات؟!).

ويصح لنا أن نسأل: متى، وكيف، يتمكن الفلسطيني من تجاوز حالة الانقسام المتوترة.  فالعدو قد أحسنَ عملية تفتيت الجسم الفلسطيني، في السياق المتدهور الذي يتعرض له الجسد العربي برمته. وما إن يقبلَ الفلسطينيون (برائحة) أرضهم، حتى تقفزت "الكناغر" متبرعة بالحلول الجاهزة، بغية الإجهاز على بقية الحلم. 

ثمة الأسئلة التي لا تتوقف ولا تنتهي.

ويصح لنا ايضاً، أن نسأل: كيف يمكننا تفويت الفرصة على مَنْ يعمل ويستعد لاقتناص فلسطين من أجل وضعها في (خرجه) الديني، وبالضبط من الجهة الطائفية. فحين تنجو فلسطين من (الخرج) الديني، لا نريد لها الوقوع في (الخرج) الطائفي، لئلا تفقد حريتها واستقلالها السياسي، ودلالاتها الإنسانية التاريخية.

فنحن الذين، عندما تلقينا الدرس الفلسطيني نضالياً، لم يكن الشأن الديني، (ناهيك عن الطائفي) وارداً في برنامجنا الفكري. بل أننا بدأنا، مبكراً، تفادي الكلام عن فلسطين من شرفة الدين، حيث انتبهنا لضرورة التفريق ببن "اليهود" و"الصهيونية". فليس مثل التعصب الديني لديه الاستعداد لتكريس دينيّة الحرب، لتشويه النضال وحرفه عن طريقه الإنساني، الأمر الذي يروق للطرف الآخر، من أجل توظيف النضال الوطني ووضعه في مهب الخسارات. 

هنا بالذات يكمن المقتل الذي يتهدَّد نضالنا الإنساني، مساوياً القتيل بالقاتل.

فحتى لو كانت اسرائيل دولة عنصرية وتقوم على تنشيط الروافع الدينية، في محاولة لجعل المسألة دينية، فإن اسرائيل ليست قدوة لنا، أو ينبغي ألا تكون كذلك. 

عندي، 

مَنْ يريد حقه الحضاري، يتوجب عليه اعتماد الرؤية والأدوات الحضارية. إسرائيل، بمكوناتها الصهيونية، تتفنن في جعل الخلاف دينياً، وبالتالي الحرب كلها دينية. وفي هذا استمرارٌ لانفجار المشاعر والتعصبات الدينية التي أخذت في التفاقم بالمجتمع العربي.

 

*

الهرطقة عنصرٌ مكوّن للتعصب الديني، وإذا كان هذا مرذول، رسمياً، عند المسلمين، (بالرغم من تفشيه الآن)، فهو في اليهودية الصهيونية جزءٌ من دعايتهم السياسية. وأظن أن الإعلان الاسرائيلي الأخير، الذي أطلقه "بنيامين نتنياهو"، يصبّ في نفس التوجه الصهيوني لتكريس الدين في الخلاف، وتحشيد الموقف الصهيوني، لجعل اليهودية علامة قومية في المجتمع الاسرائيلي.

وكان سبق للحاخام الألماني "موشيه هيرش" أحد أبرز الباحثين الدينيين اليهود في القرن التاسع عشر أن قال ذات تحليل، بأن الصهيونية تريد (إظهار الشعب اليهودي حول العالم على أنه قومية موحدة، وفي ذلك هرطقة فاضحة).

 

 

2

 

 

فلسطين، الدرس الأول

 

 

عندما بدأتْ خطواتنا الاولى في معرفة الحياة واختباراتها، كانت فلسطين هي الدرس السياسي الأول، وهو الدرس الإنساني بامتياز، وربما هو الدرس الذي منح انهماكنا في النضال طابعه الإنساني العميق.

بهذا الشكل أستطيع وصف علاقتي بفلسطين، عندما بدأت اتعلَم المعنى الجوهري للنضال.

وبالرغم من ارتباطنا بالعنصر القومي لمفاهيم العمل السياسي في (حركة القوميين العرب)، حيث "وحدة، تحرر، ثار"، إلا أن الدرس الفلسطيني ظل امتيازنا الثوري بالأفق الأكثر رحابة، مما جعلنا، مع التحولات الفكرية / التنظيمية، على استعداد لأن نرى في النضال العالمي أفقاً رفيقاً لكافة نضالات الشعوب.

وإذا بفلسطين ترافق تجربتي في نصوص كثيرة، معتزاً بأنني أتعلّم، لا أزال، من الدلالات، التي لا تُحصى، في هذا الدرس. دون أن يكون لوجود فلسطين في قصائدي، حكم قيمة فني، (أو موضوعي)، فالشعر يتوجب أن يكون شعراً قبل كل شيء وبعده.

 

*

ولعل من المفارقات التي لا تخلو من دلالة، أن هذا الدرس الفلسطيني ظل يرافق كافة مراحل حياتنا، بل ويعبر الأجيال معنا، دون أن ينال الشعب الفلسطيني حقه في أرضه، ودون أن تأخذ الشعوب العربية هذا الدرس مأخذ المعنى التراكمي للتجربة. ففيما يواصل الشعب الفلسطيني خساراته في معاركه مع العدو الاسرائيلي، تواصل الشعوب العربية فقدها لمجرد الأمل في نجاح نضالاتها، ونيل حرياتها.

 

*

والأنكى من هذا كله، أن السلطات العربية بشتى أنواع أنظمتها (بما فيها بعض البلدان التي حدث فيها التغيير (السياسي) بفعل الانقلابات العسكرية)، زادت فيها ضراوة الظلم والبطش والتخلف، وضربت لنا مثلاً ضارياً من بشاعة الأنظمة (الوطنية)، الى الدرجة التي سوف تدفعني للشعور بفداحة ما ورثناه من (حركة التحرر الوطني)، التي بذلنا في سبيلها حياة أكثر من جيل، لنوشك على القول بأن حركة التحرر الوطني كانت بمثابة (الخطأ)، لفرط ضراوة الحكم الوطني الذي جاءت به.

 

 

وكلما تواصل النضالُ الفلسطيني، مردوفاً بظهيره العربي، تضاعفتْ خساراتنا في حلم العودة الفلسطيني. حتى أن طعم (جيل النكبة/ جيل النكسة) صار يزداد مرارة وفقداً ومآس.

وإذا تأملتُ الآن ما نتخبط فيه من خيبة وخذلان والمزيد من التراجع، سأقول إن الاستغلال البشع وغير الأخلاقي، الذي مارسته الأنظمة العربية، منذ منتصف أربعينيات القرن العشرين حتى الآن، ساهم في مواصلة الفقد الفلسطيني العربي وتكريس الوجود الاسرائيلي بصفاقة المحتل.

 

*

اعتبر نفسي من الجيل المخضرم الذي عاش تجربتين في غاية الوحشية، في ظل سلطات عربية كانت تحارب أحلامنا في التحرر بإسرائيل بوصفها (العدو)، ثم صارت السلطات العربية، ذاتها، تحاربنا الآن بإسرائيل بوصفها (الصديق). 

كل ذلك يحدث رهن التصاعد الفجّ لحروب المصالح السلطوية العربية مستقوية بالنظام العالمي، دون أن يرفّ لهما جفن.

------------------------------

(*) مساهمة الكاتب، في ملف خاص بمجلة الدراسات الفلسطينية، تلبية لدعوة من إدارة المجلة.

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد