غوستاف مالر : أضربُ الجدار برأسي ، فينهار الجدار



في صيف عام 1910 التقى المؤلف الموسيقي النمساوي غوستاف مالر Gustav Mahler بالمفكر والعالم سيغموند فرويد في مدينة ليدن الهولندية، واستمر هذا اللقاء بينهما أربع ساعات متواصلة، كتب بعدها فرويد ملاحظة مقتضبة في دفتره:

" كان كمن يهدم عموداً واحداً في بناية شاهقة".

تلك كانت ملاحظة دقيقة عن الحالة الذهانية التي وصل إليها مالر، قبل عام من وفاته، فعقليته المعقدة، وعصابيته، وقلقه، وحصاره النفسي، وكآبته، وخوفه الدائم من الموت، وإيمانه بالقوى الغيبية، تجعل من المستحيل على أي محلل نفسي أن يعالج مثل هذه الحالة في جلسة واحدة.

هذا الوضع النفساني المعقد كان القاسم المشترك، في كل الأعمال الموسيقية العظيمة، التي أبدعها غوستاف مالر في سنواته الخمسين التي عاشها ( 7 يوليو 1860 – 18 مايو 1911).

يقول مالر إن من أراد أن يفهم حياتي، عليه أن يستمع إلى سيمفونيتي الأولى والثانية، فلقد وضعت فيهما كل خبرتي وآلامي.

في أغنية (الوداع) نستمع إلى صوت ميتزو - سوبرانو تنشد:

(في كل مكان، حيث الخلود، تشرق المسافات،

بلونها الأزرق،

إلى الأبد .. إلى الأبد)

وفي حين تتكرر كلمة (إلى الأبد) تبدأ الموسيقى في التراجع، حتى تصل إلى العدم، حيث لا وجود للحياة، ولا للموت.

ذات مرة قال مالر: ( إن زمني لم يحن بعد)، وكان محقاً في كلامه، فموسيقاه، التي كانت تمثل قمة القلق والألم والوضع الإنساني المتأزم في أوائل القرن العشرين، لم تحظ بالنجاح الكبير، والاعتراف من نقاد زمانه، ولم تثر إلا تلك المجموعة الراديكالية الشابة من المؤلفين الموسيقيين، الذين بدءوا بالتمرد على الأشكال النمطية والتقليدية للموسيقى الكلاسيكية، والذين كانوا يحظون بدعمه واهتمامه .. لذا كان أرنولد شونبرغ، رائد الموسيقى اللامقامية، يطلق عليه اسم (القديس) تقديراً لمكانته.

أن تأثير مالر يمكن ملاحظته بوضوح على أعمال المؤلفين الموسيقيين الطليعيين: ألبان بيرغ، أرنولد شونبرغ، ديمتري شوستاكوفتش، انطون ويبرن، أرثر هونيغر، كارل هانز شتوكهاوزن، والكسندر فون زيملنسكي. وامتد تأثيره إلى مؤلفي موسيقى الأفلام، خاصة ماكس شتينر، ولفغانغ كورنغولد، وجون ويليامز. ونذكر بوجه خاص استخدام الأداجيو، من سيمفونيته الخامسة، كثيمة لرائعة المخرج لوتشيانو فيسكونتي "الموت في البندقية" (1971)، وهي مقطوعة حالمة، بطيئة جداً، كتبت للقيثارة والأوركسترا.

لم يذع صيت مالر، كمؤلف موسيقى، إلا بعد منتصف القرن العشرين، بعد أن شاهد العالم كل الآلام والخطايا و الكوارث التي كانت سيمفونياته تنبيء بها، ساعده في ذلك اختراع الاسطوانات التي سهلت إعادة وتكرار سماع سيمفونياته الطويلة والمعقدة.

يصف المؤلف الموسيقي وقائد الأوركسترا المعروف ليونارد برنشتاين سيمفونية مالر العاشرة بأنها (إعلان عن موت القرن العشرين)، وبأنها (الوداع الأخير لحلم الرومانتيكية الجميل).

يستحضر غوستاف مالر الموت الشخصي، والفناء البشري، والبعث، في كل أعماله الموسيقية. وفكرة الموت استحوذت عليه منذ طفولته، فقد كان الابن الناجي من أربعة عشر طفلاً، مات منهم ثمانية وهم أطفال، بالإضافة إلى موت والديه، وانتحار شقيقه، ووجود أخ معاق عقليا احترف الإجرام، وجنون أخته الكبرى.

لكن فاجعته الحقيقية كانت في الموت المفاجيء لابنته الصغيرة (ماريا آنا)، التي لم تتجاوز عامها الرابع، نتيجة إصابتها بالحمى القرمزية في عام 1907، هذا الفقد الذي هز كيانه، وجعله يؤمن تماماً بأنه كان السبب في وفاتها بعد تأليفه موسيقى (أغاني موت الأطفال) للشاعر الألماني فردريك ركيرت.

تعلقه العاطفي بأمه(ماريا مالر)، العرجاء، المصابة بمرض في القلب، والتي عاشت حياة مضطربة مع زوج شديد القسوة ( بيرنهارد مالر)، وتحملها ضربه وطردها من البيت مراراً، جعله يبحث عن حب حقيقي يجد فيه سعادته المفقودة، وتمثل هذا الحب في زواجه عام 1902 من أجمل فتيات فيينا، البرجوازية آريان ألما شيندلر (1879 – 1964)، ابنة الفنان أميل جاكوب شيندلر، التي كانت في التاسعة عشرة من عمرها، وتصغره بعشرين عاماً.

ورغم انها كانت مؤلفة موسيقية، وفنانة تشكيلية، إلا أن مالر أنذرها قبل الزواج بأن عليها أن تترك كلياً التأليف الموسيقى والرسم لتتفرغ لبيتها، ولم يلتفت إلى أعمالها الموسيقية إلا بعد تسع سنوات من زواجهما، الذي بدأ يتفكك، ويهشم روح مالر بعنف، خاصة بعد اكتشافه لعلاقتها مع المهندس المعماري والتر غروبيوس، بعد لقائها به في مصحة لمعالجة إدمانها للكحول.

سيمفونيته العاشرة العظيمة كانت نتاجاً لانهياره العصبي الحاد، بعد اكتشافه لهذه العلاقة، مثلما كانت رائعته (أغاني الأرض) نتاجاً لوفاة ابنته الصغيرة.

مآسي مالر التراجيدية استكملت حلقاتها في عام 1907 بإقالته من إدارة أوبرا فيينا، نتيجة لتحريض الصحافة السياسية في النمسا، ثم اكتشاف إصابته بمرض خطير في قلبه لا علاج له، هذا المرض الذي أودى بحياته القصيرة في 18 مايو 1911 قبل أن يكمل سيمفونيته العاشرة، ويقال أن آخر كلمة رددها قبل موته كانت (موزارت)، وطلب أن يدفن بالقرب من ابنته الصغيرة خارج فيينا، وأن تجرى مراسيم جنازته دون موسيقى ودون كلام، وأن لا يكتب على شاهد قبره سوى اسمه، دون أية تفاصيل أخرى.

قال مالر ذات مرة : " هل أنا حيوان متوحش، في حديقة للحيوان، حتى يحدق فيّ الآخرون؟" .

قالوا عنه أنه مريض عصابي، ونرجسي، ومصاب بجنون الاضطهاد، وشاذ جنسيا، وعنيف في تعامله مع الموسيقيين في البروفات، وما تحوّله من اليهودية إلى المسيحية إلا سعياً وراء الوظيفة، إلا أن مالر سيذكر في تاريخ الموسيقى على أنه قائد أوركسترا من الطراز الأول، وأحد أعظم المؤلفين الموسيقيين المجددين في القرن العشرين، ويمكن مقارنة موقعه في تطوير الموسيقى بمكانة بيتهوفن وفاغنر، اللذين كان متأثراً بهما.

تولى مالر لثلاثة عقود قيادة أوركسترا أكثر من 2000 أوبرا و 300 حفلة موسيقية، بالإضافة إلى أعماله الموسيقية الضخمة، وكان مديراً لأوبرا بودابست، فيينا، ليبزغ، هامبورغ، براغ، و ميتروبوليتان في نيويورك.

كان أسلوبه في قيادة الأوركسترا نموذجاً لكثير من قادة الأوركسترا في القرن العشرين : برونو والتر، أوتو كليمبر، ليونارد برنشتاين، موريس ابرافانال، و بيير بوليز.

هذا الفنان، الذي ألف عشر سيمفونيات ضخمة ومعقدة ، كان يقول عن نفسه بسخرية : " أنا مؤلف موسيقي صيفي"، هذا لأنه كان يرهق نفسه طوال العام في قيادة الأوركسترا، وفي الصيف يعتزل ويقضي إجازته في تأليف أعماله السيمفونية.

أستخدم مالر في سيمفونياته الضخمة، التي تصل مدتها أحياناً إلى ساعتين مع ست حركات بدلاً من أربع، آلات لم تكن مألوفة في الاوركسترا كأجراس الأبقار، قرع المطارق، أصوات الطيور، أبواق الصيد، القيثارة، الماندولين، ونغمات المارش (كما في السيمفونية الثالثة)، وإدخال كورال الأطفال (كما في السيمفونية الأولى). واستفاد من استخدام فرانز شوبرت، وروبرت شومان، للأغاني وطورها في أعمال اوركسترالية متكاملة، بدلاً من مصاحبة البيانو لها فقط.

في سيمفونيته الثامنة التي تعرف باسم (سيمفونية الألف عازف) استخدم أوركسترا ضخم، مع ثمانية عازفين منفردين، وثلاث مجموعات كورال، بما في ذلك كورال الأطفال، وآلات موسيقية إضافية.

أما سيمفونيته العاشرة فقد بناها وفقاً للأسلوب اللامقامي، الذي أتاح له استخدام هارمونيات متغيرة ومتحولة، وإيقاعات معقدة.

أسماء سيمفونياته تعبير آخر عن أعماق نفسه المتعبة: فالأولى (الجبار)، والثانية (البعث) ، والخامسة (المأساة)، والسابعة (أغنية الليل)، أما التاسعة فقد اسماها (سيمفونية للتينور والألتو والأوركسترا) تطيراً من لعنة الرقم 9 التي أودت بحياة المؤلفين الموسيقيين: بيتهوفن، ولوي سبور، وبروكنر، وشوبرت.

في وقتنا الحاضر يتم تقييم الاوركسترات العالمية وفقاً لقدرتها على تقديم أعمال مالر الموسيقية، نظراً لتعقيداتها التقنية، وطرائقها الأسلوبية النافرة، وخصائصها الشكلانية الجديدة، وصعوبة تنفيذها، لكن مالر وحده كان يلجأ إلى هذه الموسيقى لبث النواح، والألم، والخيبة، والخوف، والحزن الذي يعتصر روحه المتشظية في عالم مرعب.




الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email