"سحر الترتيب".. فلسفة للتعامل مع الأشياء سعيا لإقامة حديث مع أنفسنا


ما من سعادة في الحياة أكبر من أن يكون الإنسان محاطا فقط بالأشياء التي يحبها فعلا، كتاب سحر الترتيب لـماري كوندو (الصادر عن الدار العربية للعلوم) يركز على الفن الياباني في التنظيم وإزالة الفوضى، فالفوضى سواء في الأشياء أو الأفكار هي ردة فعل فطرية تصرف انتباهنا بعيدا عن لب المشكلة الحقيقة. «سحر الترتيب» ليس مجرد مجموعة من القواعد حول كيفية فرز الأشياء وإعادة تنظيمها وضعها في المكان الصحيح، بل تؤكد الكاتبة على فلسفة التعامل مع الأشياء من حولنا بهدف توليد نظام نتبعه للتحدث مع أنفسنا وذواتنا بحكمة، وللتحول إلى شخص مرتب ومنظم حتى في المشاعر وطريقة التفكير، فهي تؤكد في صفحات الكتاب على الحوار مع الذات أثناء الترتيب، وتوصي على جعل حوار النفس متسما بالهدوء.


التوقف عن الشراء


لكن لو تساءلنا لوهلة لماذا أريد أن أرتب كل ما حولي؟ وهل هناك طرق محددة ومدروسة لطريقة الترتيب المثالية؟ ستجد الكثير من الاجابات المقنعة التي تنهال عليك دفعة واحدة، منها أن الترتيب يساعدك في وصولك للأشياء من حولك، كما يساعدك على التوقف عن شراء ما لا تحتاجه، لأنك مع ممارسة الترتيب ستعرف قدر ما تمتلك أصلا، وبالتالي سيؤدي بك الى التوفير وأدراك مقتنياتك مع الاستمتاع بها، اضافة الى أن الترتيب يجعل المكان أجمل وأكثر راحة وسهولة في العناية به وتنظيفه. وباختصار كل الاجابات ستأخذك إلى استنتاج بسيط هو الهدف الأهم وهو أن تكون سعيدا.

الكتاب بشكل عام بسيط وسلس وقد لا تحتاج لقراءته كاملا فيكفي أن تقرأ ملخصا جيدا لأفكاره لتستطيع اتباع طريقة «ماري كوندو» التي أصبحت مشهورة في العالم وفي الكثير من مواقع التواصل الاجتماعي واليوتيوب. كما أنها أصبحت مستشارة في هذا الفن تقدم المحاضرات والورش وتزور المنازل لتطبيق طريقتها الخاصة مع الزبائن. قد يحتاجون في الغرب والشرق وتحديدا (اليابان) لاختصار المسافات، إذ إن أماكن سكنهم صغيرة نسبيا لمتوسطي الدخل لهذا يتفنون في أساليب التخزين والترتيب، بينما نتفنن نحن في توسيع غرف التخزين التي تحتويها بعض المنازل، وتصنيفها إلى غرف تخزين لأدوات المطبخ وأخرى مختصة بالملابس وغيرها للأشياء الكثيرة التي نشتريها بدون تفكير، وبدون حاجة حقيقية لتكتظ بها منازلنا ونشعر بفرحة الامتلاك ونتحول لعالم استهلاكي بحت. إحدى النصائح القيمة في الترتيب «عليك الترتيب وفق الفئة وليس وفق المكان»، ويرجع سبب فشلنا الاساسي الى امتلاك الكثير من الأغراض وجهلنا لمقدار ما نمتلك، إذ يجدر بنا الاحتفاظ فقط بما نحب وليس ما نريد، والحل بأن تسأل نفسك عن كل غرض على حدة: هل يشعرني بالفرح؟ فاذا كانت الإجابة «نعم» احتفظ به، وإذا كانت «لا» فعليك التخلص منه في الحال، هذا هو المقياس، مع العلم انك قد لا تستطيع التطبيق بسهولة خصوصاً مع الأشياء التي تحمل معنى عاطفيا أو ترتبط بذكريات خاصة.


ترتيب نفسك وأفكارك


هناك من يجيد الترتيب فقط بإبعاد الأشياء عن مدى رؤيتهم، فيجعلها تحت غطاء أو في رف بعيد، لهذا يكون الحل التخلص من الأشياء التي لا تبعث السعادة لقلبك مع وجوب السيطرة الذاتية ومقاومة الرغبة في التخزين. فالترتيب مجرد أداة لا أكثر، فحين ترتب ما حولك فأنت في ذات الوقت ترتب نفسك وأفكارك الداخلية، وفي التخلص من الأشياء شعور بالتخفف مما لا تحتاجه، ومنح تلك الاشياء لمن قد يستخدمها أو يكدسها مثلما فعلت أنت، وهذا لا يهم فلا تكبد نفسك العناء بالتفكير في مصيرها لأنك تحررت منها ولم تعد لك. نظرت الى مكتبتي وانا أردد السؤال الذي طرحه الكاتب عبدالوهاب مطاوع الملقب بصاحب القلم الرحيم «متى يتسع العمر لكي يقرأ الانسان كل ما يريد قراءته ويعرف كل ما يريد معرفته؟». فماذا نفعل بكل تلك الكتب المكدسة في مكتبتنا؟ الكتب التي سبق وقرأناها والأخرى التي لم يحن الوقت لها بعد؟

كتبت مؤلفة الكتاب «كونماري» كما تحب ان تنادي «فلنواجه الحقيقة إنك لن تقرأ كتبك مجددا فالهدف من الكتب هو قراءتها لتمدك بالمعلومات فلا معنى أبدا ان يتم وضعها على الرفوف» نظرت الى مكتبتي بحب! كيف لي أن أتخلص من كل الكتب التي تتزايد مع الوقت وبعد كل معرض كتاب، فتشغل مكانا أكبر من غرفة المكتب والغرفة المجاورة؟ ولو طبقت المقياس الذي اقترحته المؤلفة بأن تتناول كتبك واحدا بعد آخر وتسأل نفسك أي الكتب التي تحبها فعلا لاستغرقني وقت طويل، فبعض الكتب قرأتها منذ عمر وحتى أحدد مشاعري الحقيقية تجاهها قد أحتاج لقراءتها من جديد، لكني قررت الأخذ بنصيحتها والتخلص من بعض الكتب لأجعل مكتبتي تتنفس قليلا، وأفسح المجال للكتب الجديدة التي سأستمر في جمعها رغما عن ماري كوندو، حتما سأجد الطريقة المثالية لترتيبها أو تحويلها لورق مستخدم في لوحاتي الفنية كما فعلت مع رواية «الساعة الخامسة العشرون» بتحويلها لعمل فني.

الكاتبة ركزت على قناعاتها الشخصية في فكرة الاحتفاظ بالتذكارات التي قد تربطك بها بعض المشاعر فكتبت «الذكريات النفيسة فعلا لن تختفي أبدا حتى لو رميت الاشياء المرتبطة بها فنحن نعيش في الحاضر ومهما كانت الأشياء رائعة، لا يمكننا العيش في الماضي، فالفرح والاثارة اللذان نشعر بهما الآن وهنا أكثر أهمية» فلا يجدر بنا تعظيم الذكريات وإنما الأشخاص الذين أصبحنا عليهم بسبب تجاربنا السابقة، وهذا هو الدرس الذي تعطينا اياه التذكارات التي احتفظنا بها.

حذف الحنين


حين تشعر بالتحرر وأنك لا تحتاج لأي شيء إضافي، يكون الرضا الذي يطغى على كيانك في هذا المرحلة محسوسا، فحين ترتب منزلك وتخفض كل مقتنياتك سوف تعرف قيمك الحقيقية، وما هو مهم فعلا في حياتك، فبدلا من التركيز على طريقة التخزين الفعالة، ركز على اختيار الاشياء التي تبعث الفرح في داخلك وعلى الاستمتاع بالحياة وفق معاييرك الشخصية، فصعوبة التخلي عن بعض مقتياتنا سببها إما تعلقنا بالماضي أو خوفنا من المستقبل، ومن خلال تأمل نفسك ستدرك من أي نمط انت! قد نكون غير واثقين مما يرضينا أو نتطلع اليه فنزيد من كمية مقتنياتنا غير الضرورية، كما ان عملية مواجهة مقتنياتنا والانتقاء من بينها قد تحمل بعض الالم فهي تجبرنا على مواجهة عيوبنا واخفاقاتنا والخيارات الحمقاء الي اتخذنها في الماضي. فالأشياء التي نملكها هي نتيجة خياراتنا في الماضي لذا من الخطأ تجاهلها وعلينا مواجهتها بشجاعة مع العواطف التي تنبع من داخلنا لتقدير علاقتنا الحقيقية بالأشياء والناس من حولنا. يقول وودي ألن: «نحن بحاجة لشجاعة الحذف، حذف التفاصيل، حذف الماضي، حذف الرسائل، حذف الأصوات، حذف الحنين وحذف بعض الاشخاص أيضا».

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email