يا للحسرة

قصة قصيرة بقلم: الكسندر سولجنتسين


ألكسندر سولجنتسين أديب ومعارض روسي. ولد في 11 ديسمبر 1918، كان روائياً وكاتبًا مسرحيًا ومؤرخًا. من خلال كتاباته جعل الناس يحذرون من الجولاج، وهي معسكرات الاتحاد السوفيتي للعمل القسري، خاصةً في روايتيه (أرخبيل الجولاج) و(يوم في حياة إيفان دينيسوفيتش)، وهما اثنتان من أشهر أعماله. ومن أعماله الشهيرة الأخرى (جناح السرطان) و(الدائرة الأولى) و(العجلة الحمراء) وله مذكرات بعنوان (الحلفاء غير المرئيين).

منح ألكسندر سولجنتسين جائزة نوبل في الآداب عام 1970. وكان قد طرد من الاتحاد السوفيتي سنة 1974 وعاد إلى روسيا سنة 1994. توفي في 3 أغسطس 2008.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المؤسسة التي كان ينبغي على آنا مودستوفنا التوجه إليها لأخذ المستند، أغلقت وقت الغداء. هذا الشيء كان باعثا على الحنق لكن لا بأس من التريث، والانتظار لخمس عشرة دقيقة أخرى فقط وسوف تنهي كل شيء قبل أن انتهاء استراحتها الخاصة للغداء.

لم تشأ آنا مودستوفنا أن تنتظر على السلّم، لذلك ذهبت إلى الخارج.

كان يوما من أيام أواخر أكتوبر، رطباً وليس بارداً. وكان هناك بعض الرذاذ الناعم خلال الليل وفي الصباح، لكنه توقف. اندفعت الشاحنات على طول الطريق الإسفلتي، أحيانا تتجنب المارة لكنها غالبا ما ترشّهم بوحلٍ رقيق. شيء ما جذبها حول الجادة الرمادية المرتفعة بين الحارتين وعبرت آنا مودستوفنا الطريق إليها.

لم يكن هناك أي شخص على الإطلاق في الجادة، حتى على مسافة منها. هنا إذا تجنبت البُرك تستطيع أن تمشي فوق الرمل الخشن بدون أن يتعرض حذاؤك لأدنى بلل. تحت الأشجار توجد طبقة داكنة من الأوراق الرطبة وإذا ما سرت قريبا يبدو لك أن رائحة ضعيفة تنبعث منها، ربما تبقت من الوقت الذي كانت فيه الأوراق حية أو ربما بداية التحلل. على أية حال، بين حارتي أدخنة العوادم، هذه الجادة تعتبر استراحة لرئتيك.

توقفت آنا. لم تكن هناك ريح والشبكة الكثيفة الكاملة من اللون البني الرطب والأغصان السوداء والأغصان الأصغر حجما وفروع الشجر والبراعم الصغيرة للسنة القادمة كلها كانت مصحوبة بقطرات لا حصر لها من الماء، جميعها بيضاء فضية في المكان المظلم. لقد كانت الرطوبة التي خلّفها المطر على القشرة الخارجية للأغصان، بسبب عدم وجود ريح، فتجمعت الرطوبة وتشكلت إلى قطرات معلقة، قطرات دائرية على أسفل الفروع الصغيرة، وقطرات بيضاوية على أسفل الأغصان المتقوسة.

أخذت مظلتها المطوية بنفس اليد التي تحمل شنطتها، وساحبة قفّازها، بدأت آنا تمرير أصابعها أسفل القطرات وزحلقتها. وعندما فعلت هذا بعناية كافية، انتقلت القطرة سالمة إلى أصبعها، غير متكسرة لكنها مسطحة قليلا. الأنماط المتسطحة على أصبعها ظهرت بوضوح أكثر خلال القطرة من أي مكان آخر، القطرة كانت أشبه بعدسة مكبرة.

لكن هذه القطرة الواحدة نفسها، بينما تكشف ما يقع خلفها، كشفت لها أيضا ما يقع أعلاها، القطرة كانت مرآة محدبة. في هذه المرآة الموضوعة على خلفية خفيفة من السماء المليئة بالسحاب، استطاعت أن ترى: نعم! كتفان داكنان في معطف ورأس في قبعة صوفية، وحتى الأغصان المتشابكة فوق رأسها.

لذلك نست آنا نفسها وبدأت في اصطياد القطرات الأكبر والأكبر، أحيانا تزحلقها على أظفر اصبعها وأحيانا أخرى على الجزء اللحمي من الأصبع. ثم، مباشرة بجانبها، سمعت خطوات صلبة وتركت يدها تسقط، خجلة بأن تتصرف بطريقة أكثر ملائمة لابنها الأصغر.

على الرغم من ذلك، لم يشاهد الشخص العابر اللعبة التي كانت تلعبها ولا آنا مديستوفنا نفسها. كان من النوع الذي لا يلاحظ أي شيء على الشارع باستثناء سيارة أجرة خالية أو كشك سجائر. كان شابا بِسِمة لا تخطئ من التعليم العالي، وكان يحمل حقيبة صفراء برّاقة منتفخة، ويرتدي معطفا زاهيا من الصوف الناعم وقبعة من الفرو مع تجعّد أسفل الوسط. فقط في العاصمة أنت تقابل رجالا بهذه التعابير، دائما واثقون بالنفس، دائما منتصرون. آنا مودستوفنا تعرف مثل هؤلاء الأشخاص وكانت تخاف منهم.

في حذرها الآن مشت وأتت عبر لوحة عرض جريدة منتصبة على أعمدة زرقاء شاحبة. تحت الزجاج يقع كل من الصفحات الداخلية والخارجية لجريدة "العمل". الزجاج كان به كسر في إحدى الزوايا وتسرب الماء إلى الداخل، وإحدى صفحات الجريدة كانت متشربة بالماء. لكن على قاعدة هذه الصفحة رأت آنا مودستوفنا عنوانا رئيسيا فوق عمودين من الطباعة: الحياة الجديدة لنهر تشو.

هذا المكان تعرفه، لقد ولدَت هناك، في منطقة الأنهار السبعة. ماسحة اللوح الزجاجي بقفازها، أخذت آنا مودستوفنا تقرأ المقال بسرعة. كاتبه لم يكن بخيلا في الكلمات. بدأ بالحديث عن مطار موسكو، كيف أخذ مقعده في الطائرة، وعلى النقيض من الطقس الكئيب، كان كل واحد في مزاج بهيج. ثم وصف زملائه المسافرين الذين كانوا يرافقونه الرحلة ولماذا. حتى أنه قال كلمة عن المضيفة. بعد ذلك: مطار فرونز وكيف كان منسجما مع الطقس المشمس وكل شخص كان في حالة بهيجة. ثم روى رحلته على طول وادي تشو. مستخدما تنوعا ثريا من المصطلحات الفنية، شرح الأعمال الهيدروليكية، وقناة تصريف الماء الفائضة، ومحطة الطاقة الهيدروكهربائية وقنوات الري، وتحمّس لرؤية الأراضي الصحراوية التي تمّ الآن ريّها وأصبحت مليئة بالثمار، وأعرب عن دهشته من إحصاءات الحصاد للمزارع الجماعية.

وفي نهاية المقال كتب: لكن القليلين يعلمون أن هذا التحوّل الفخم والمهيب لمنطقة كاملة من الطبيعة كان متخيلا للمرة الأولى منذ زمن بعيد. مهندسونا لم يضطروا لإجراء مسوحات تفصيلية للوادي وطبقاته الجيولوجية وأنظمة مياهه. كل المشروع المركزي تم إكماله على أساس الحسابات المجهدة التي أجريت في عام 1912م، قبل أربعين سنة، بواسطة المهندس الهيدروغرافي والهيدروليكي الروسي الموهوب موديست ألكسندروفيش الخامس، الذي قام في نفس العام بالأعمال الأولية، مخاطرا برأسماله الخاص.

لم تشعر آنا مودستوفنا بالصدمة ولم تنغمر بالفرح، بل بدأت ترتجف من الداخل والخارج كما لو كان بداية لمرض. انحنت إلى الأسفل لرؤية الفقرات النهائية مباشرة في الزاوية وحاولت أن تمسح الزجاج وتنظفها. بصعوبة قرأت: لكن في ظل النظام القيصري المتعصب، غير المبالي فيما إذا كان ذلك لمصلحة الشعب، فإن خطط هذا الرجل لم تبصر النور. انتهت بالغبار المتجمع عليها في دائرة تحسين الأراضي وتم هجر الحفريات التي أكملها مسبقا.

يا للحسرة! تعجب الصحفي في ختام مقاله: يا للحسرة أن ذلك الشاب المتحمس لم يعش ليشهد انتصار أفكاره العبقرية! وأنه غير قادر على رؤية الوادي المحوّل الآن!

شعرت آنا بخوف مفاجئ، يرتفع مثل الماء المغلي لأنها عرفت ماذا ستفعل الآن: سوف تسرق هذه الجريدة! كلص، نظرت حولها، أولا إلى يمينها ثم إلى يسارها: لم يكن هناك أحد في الجادة، فقط شخص على مسافة بعيدة. الذي تفعله كان غير لائق، مخزيا تماما، لكن ...

الجريدة كانت مثبتة في مكانها بثلاثة دبابيس عبر القمة. وضعت آنا يدها خلال الكسر في الزجاج. حيث أن الجريدة كانت رطبة في الزاوية، فتكومت في الحال إلى كرة رطبة صغيرة وانفصلت عن الدبوس. واقفة على اصبع قدمها، نجحت في الوصول إلى الدبوس الأوسط، فككته وسحبته إلى الخارج. لكن الدبوس الثالث، الأبعد، كان من المتعذر الوصول إليه، فاضطرت إلى سحب الجريدة، فتمزقت وأصبحت الصفحة بأكملها في يدها.

مباشرة على مسافة منها، سمعت خلف ظهرها اختراقا متقطعا لصافرة شرطي. كما لو كانت محترقة بماء حار (كان هناك القليل الذي لا تعرفه عن الخوف، وكانت صافرة الشرطي مرعبة بما فيه الكفاية في أي وقت)، فسحبت آنا يدها الخالية الآن واستدارت حولها.

كان الوقت متأخرا جدا لأن تهرب كما أن ذلك سوف يجعل الأمور أسوأ. قادما نحوها، ليس عبر الجادة، لكن خلال فجوة في سور الجادة التي لم تلاحظها آنا من قبل، كان شرطيا طويلا باديا بحجم أكبر بسبب معطف المطر الرطب الذي كان يرتديه مع قلنسوة ممتدة إلى الخلف. لم يصرخ عليهىا. جاء إليها بدون عجلة. نظر إلى آنا مودستوفنا ثم إلى الجريدة التي سقطت على الأرض، متكوّمة نوعا ما خلف الزجاج، ثم نظر إليها مرة ثانية. ارتفع فوقها، حازما وشديدا. كان من الواضح من يديه ووجهه الوردي العريض الأنف أنه شخص سليم بدنيا وقوي، نوع من الرجال الذي يسحب الناس إلى خارج حريق أو يقوم بالقبض على مجرم بدون استخدام أسلحة نارية.

سأل الشرطي دون أن يرفع صوته: ما كل هذا، أيها المواطنة؟ هل نريد أن نُغرّم بخمسة وعشرين روبل؟

(أوه، من فضلك اجعلها غرامة فقط! كانت خائفة من تفسير أقسى لسلوكها.)

"أو أنكِ لا تحبين أن يقرأ الناس الجرائد؟"

"ماذا تقصد؟ لا، لا! سامحني!" قالت آنا مودستوفنا وهي شبه متلوّية. "سوف أعيدها إلى مكانها في الحال... إذا سمحت لي..."

لا، من الصعب ذلك. حتى لو سمح لها، لن تكون إعادة صفحة من الجريدة مع زاوية رطبة وأخرى ممزقة عملية سهلة جدا.

استمر الشرطي في النظر إليها دون أن يعطي أي تلميح عن قراره. كان يؤدي عمله منذ ساعات طويلة وكان الجو ممطرا، سيكون لطيفا أن يُرجع المرأة إلى المحطة مع جريدتها. بينما هو يسجل تقريره سوف تجف ملابسه قليلا. لكنه أراد أن يفهم. امرأة بلباس محترم، في منتصف عمرها، وليست ثملة.

نظرت إليه منتظرة لعقابه.

"ماذا لديك ضد الجريدة؟"

"هناك شيء عن أبي!" قالت وكلها اعتذار، كانت تضغط بمقبض مظلتها وشنطتها والقفاز الذي خلعته على صدرها. لم تلاحظ بأنها جرحت اصبعها على الزجاج.

الآن فهمها الشرطي. أشفق عليها بسبب اصبعها الدامية فأعطى إيماءة برأسه.

"كان مُنتقَدا، أليس كذلك؟ لكن ما الفرق الذي ستصنعه نسخة واحدة؟"

"لا! لا، لا! العكس – كان ممتدحا!"

(حقيقة، لم يكن يبدو غير لطيف إطلاقا!)

عند هذه النقطة رأت الدم على اصبعها وبدأت تمصّها. واستمرت في النظر إلى وجه الشرطي العريض والبسيط. شفتاه بالكاد تفترقان. "لكن لماذا؟ ألا تستطيعين شراءها من الكشك؟"

"لكن انظر إلى التاريخ!" أخرجت اصبعها من شفتيها بسرعة وأشارت إلى الصفحة غير المتضررة من الجريدة أسفل النصف الثاني من الزجاج. "لقد كانت هناك منذ ثلاثة أيام. أين سأجد نسخة الآن؟"

نظر الشرطي إلى التاريخ. مرة ثانية إلى المرأة. ومرة أخرى إلى الصفحة المتكومة من الجريدة. تنهد قائلا: "ينبغي أن أسجل تقريرا، وأغرّمك... حسناً ثم لا تفعلي ذلك مرة ثانية. خذيها بسرعة قبل أن يراكِ أحد."

" أوه شكرا! شكرا لك! ما أعطفك! شكراً!" قالت آنا مودستوفنا الكلمات وكررتها مرة أخرى في نفس الوقت مبدية نوعاً من الاحترام أو الانحناء. وبدلاً من وضع منديلها على اصبعها زحلقت اليد ذات الأصبع الوردي تحت الزجاج بسرعة وأمسكت بطرف الجريدة، وسحبتها إلى الخارج. "شكراً لك!"

انفتحت الجريدة إلى الخارج. حاولت آنا قدر المستطاع، بطرف واحد متشبّع بالماء وبيد واحدة حرة فقط وطوت الجريدة. وباحترام إضافي مؤدب قالت. "أنا ممنونة جدا لك. أنت لا تتخيل ماذا سيجلب هذا من فرحة لأمي وأبي! هل يمكنني أن أذهب؟"

واقفا بجانبها، أومأ الشرطي بالموافقة.

ومشت بعيداً بسرعة، ناسية تماماً لماذا جاءت إلى هذا الشارع، ممسكة بالجريدة التي طوتها بصورة منحرفة وماصّةً اصبعها الآن ومرة أخرى.

يجب أن تسرع عائدة إلى أمها. لكي يستطيع كل منهما قراءة المقال مع بعض! حينما يتم تحديد مكان منفى والدها، سوف تذهب أمها وتزوره. تستطيع أن تأخذ الجريدة معها.

الصحفي لم يكن يعلم! لو كان يعلم لن يكتب أبدا ذلك! كما أن إدارة التحرير لم تكن يعلم، ولو كانت تعلم لن تسمح له أبدا بالنشر. هذا المتحمس الشاب قد عاش ليشهد هذا اليوم. عاش لرؤية انتصار أفكاره العبقرية لأن الحكم بإعدامه تم تخفيفه وأمضى بدلا من ذلك عشرين سنة في السجون والمعسكرات. ثم، وهو في طريقه تحت الحراسة إلى مكان بعيد من المنفى الأبدي، التمس بيريا نفسه، طالبا ارساله إلى وادي تشو. لكنه أرسل إلى مكان آخر ولم يكن لدى مكتب الشؤون الداخلية المحلية أية فكرة حول ما يفعله بالرجل العجوز، عديم الفائدة: لم يكن هناك عمل مناسب له، إضافة إلى أنه لم يشتغل سنوات كافية للحصول على معاش تقاعدي.

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email