الشعر العربي في مشهد ثقافي متحول

 

بداية، 

لا اعرف كيف يمكن ان نفهم التحول في المشهد الثقافي؟

 

نوعان من التحول في المشهد الثقافي:

الأول: التحول في الشكل، كأن يكون المقصود بالتحول هو التحول التقني، الذي بالفعل يضع الفعل الثقافي في منعطف نوعي، يجعل من فنون التعبير تجربة محفوفة بالمخاطر، إن لم نكن منتبهين لضرورات شرط التأهل التقني، لكي نقدر على جعل عملنا الإبداعي في سياقه الطبيعي. الامر الذي يتطلب من الشعر استعداداً مختلفاً وبأدوات وآليات تعبير جديدة.

الثاني: أن يكون التحول في المضمون. وهو ما أشعر بارتباك كبير إزاء التفكير فيه.

 

٢

 فبأي معنى يكون التحول في هذا المشهد، هل هو تحول نحو الافضل او الاسوأ.

فكل ما يحيط بالواقع العربي لا يسمح بالتحول الايجابي بالمشهد الثقافي، موضوعياً.

ان الفعل الجوهري للتحول بحاجة بنيوية لوضع حرّ وديمقراطي، يتيح للثقافة ان تحقق نفسها في الواقع.

ولستُ ممن يقولون بتوفر بادرة ديمقراطية حقيقية وجادة في الواقع، ولا حتى هامش ديمقراطي في البلاد العربية قاطبة. البلاد العربية بلا استثناء محاصرة بأكثر أنواع القمع والمصادرة سوءاً، وأخص بالذكر تلك المناطق التي تلهج معارضتها وسلطتها بالديمقراطية.

 

٣

اكثر من هذا فانني لا أصدق مزاعم الديمقراطية، التي تروّج لها الأنظمة العربية من جهة والمعارضات من جهة اخرى، واذا كان الموقف من الثقافة، مثل الموقف من المرأة في المجتمع، هو المؤشر الحضاري لمصداقية اية جهة تدعو الى التغيير، كما يقال عادة، فإنني أزعم بأن موقف المعارضات العربية من الثقافة وبالتالي من الديمقراطية، هو حتى الآن يضاهي سلبية موقف السلطات الحاكمة في كل البلدان العربية، واخشى انه موقف اسوأ ايضاً بحكم مفارقات الخبرات ومزاعم البرامج.

ففي مشهد سياسي واجتماعي كهذا، سيكون من الصعب، لئلا اقول المستحيل، الكلام عن امكانية تحول ثقافي، وفعل التحول المستحيل هذا، من شأنه ان يضاعف الصعوبات التي يواجهها الشعر في الواقع العربي.

 فإذا رأينا بأن الشعر هو من بين أكثر فنون التعبير نزوعاً للنقد والمجابهات مع الواقع، بشتى تجلياته، سنعرف أن تعثر وتعطيل المشهد الثقافي عن التحول، لن يسمح للشعر تخيل، مجرد تخيل، قدرته على المبادرات، في مناخ اجتماعي كثيراً ما يكون أكثر قسوة من الواقع السياسي.

 

٤

التحولات التي يجري الحديث عليها، نفترض انها المنعطفات التي تنقل المجتمع من حالٍ الى حال، 

فهل نتوقع مثلاً ان يجري للثقافة العربية تحولٌ ينقلها الى حرية المبادرة في مجتمعٍ لا يرى في الثقافة غير عدوٍّ يتوجب نفيه او كبحه او تفاديه؟

إذن، فالتحولات المنتظرة في المشهد الثقافي هي الانكفاء اكثر نحو التخلف، ولا أعرف تخلفاً أكثر من احتقار الثقافة والمثقفين.

تحولاتنا بدأتْ منذ سنوات، قبل التزمت الديني الجارف، حيث تحكمتْ التيارات الدينية المتعصبة، لتتصرف في حياتنا كما لو ان المجتمع العربي لم يعرف الدين ابداً. هذه التحولات التي ترى اننا مجتمع من الجهلاء، وعلى الدين ورجاله هدايتنا، وجرنا مثل البغال الى الحضيرة، تلك هي التحولات التي ترفض مظاهر الحضارة وفكرة المستقبل برمتها.

فإذن، كيف لي ان أتوقع للشعر أن يكون في سياقه الطبيعي، في مشهدٍ ثقافيٍ ثابتٍ، يتخلف يومياً، وغير قابل للتحول الايجابي؟

 

٥

من جهة اخرى، يبقى ان نفترض تحولاً تقنياً في المشهد الثقافي، يجعل أصحاب الثقافة والأدب يلتفتون، بانتباهٍ شديد، الى الوسائط الالكترونية التي تفتح لهم الأفق للتفكير بحرية أكثر في أخذ زمام المبادرة في حقل التعبير، الاجتماعي والفني. 

وإذا كان افتراضنا ممكناً، سنرى قطاعاً كبيراً من المجتمع، الادبي عموماً والشعري خصوصاً، سيبدأ في انتهاب هذه الفرصة انتهاباً، لكي يكتب نصه ويبعثه في الارجاء، ويبدأ مباشرة لتلقي استحسانات القراء الافتراضيين، وسرعان ما يبدأ عمل النقاد الافتراضيين في تكريس صاحب النص شاعراً كبيراً.

فإذا افترضنا، أولاً، أن ذلك التحول التقني هو مظهرٌ من مظاهر التحول في المشهد الثقافي، 

وافترضنا، ثانياً، اهتبال أصحاب الكتابة (بشتى تجلياتها) لفرصة النشر الالكتروني للانتشار والشهرة السريعتين، مظهراً لتأثر الشعر بذلك التحول،

وافترضنا، ثالثاً، أن ما يكتب وينشر وينتشر ويجري تداوله بوصفه الشعر العربي المتأثر بذلك التحول التقني في المشهد الثقافي،

سيترتب على كل ذلك، اختزالٌ مخلٌ لطبيعة العمل الشعري، ويضعنا في الوهم الثقافي الملتبس بزيفٍ يستعصي على العلاج.

والمشكل الآخر، على الجانب الثاني، سنجد أن المؤسسات الرسمية، لن تجد في هذا التحول التقني، الذي يفتح الأفق للمجتمع العربي المحبوس، لن تجد فيه فرصتها النادرة للانفتاح على السياق الحضاري، للدفع بتوسيع هامش حرية الانسان العربي.

على العكس، فإن المؤسسات الرسمية في السلطة العربية، ستسارع بتدارك هذا الفتق في حدودها الحديدية، وتبتكر السبل والآليات من أجل مصادرة هذه المصادفة الكونية، وتضع الحجب والموانع ضد هذا التحول التقني المخيف، ثم هي لن تتأخر عن وضع القوانين التي تشرّع الحدّ من ذلك التحول التقني وتعطيله، وتعمل على مراقبة كل استخدام شعبي لكل وسيلة تقنية، خشية حدوث أي تأثر في أشكال التعبير الادبي والفني، جراء هذا التحول التقني في المشهد الثقافي.

ومن المتوقع التسارع الفذّ للمؤسسات الرسمية وضع التحول التقني في خدمة تكريس ثقافة الاستهلاك في المجتمع العربي.

وتفاقم عقلية وهم الحضارة بشراء وسائل الاتصال الحديثة، لتمكين الناس من أوهامها وصرفها عن مستقبلها المصادر المغدور.

أسميه وهم الحضارة، لكي اعمل على تأكيد الحقيقة التي يستحيل تفاديها عندما يجري الكلام عن التحول الحضاري في حياتنا العربية. تلك هذ حقيقة الحرية، فمن غير الممكن، وربما من غير الأخلاقي، عدم الكلام عن الحرية عند، أو قبل، الكلام عن أية تحولات حضارية في واقعنا العربي. هذه الحرية المفقودة منذ وعينا الحديث وحتى إشعار آخر.

نقول الحرية، لكي نعني، فيما نعني، سلطة الشعب المتحضر، على الحكومة والعاهل وكافة مؤسسات الدولة الحديثة.

ترى هل ثمة ما يتصل بالتحول الثقافي الإيجابي في مشهدنا العربي الراهن؟

ليس من العدل الكلام عن التحولات الحضارية في مجتمع محروم من الحرية، فالكائنات المذعورة لا تصنع شيئاً في تنمية الحياة.

 

٦

لكننا، وبناء على ذلك كله، لا زلنا غير متأكدين ما إذا كان القصد من التحول في المشهد الثقافي، يتصل بالتقنية، أو مضمونها.

واخشى أننا، في مثل هذه الندوة، نحاول ان نرى حياتنا كنا لو كنا في رواية متخيلة. الحياة ليست رواية افتراضية. انها الواقع، وهو واقعٌ يختلف كثيراً عن الحقيقة، وربما هذا ما يسمح لنا، أحياناً، أن نتصرف كما لو أننا نعيش رواية متخيلة تقبل الشطح حدّ الهرطقة. 

————————

نص الورقة المقدمة في منتدى اصيلة ٥ يوليو ٢٠١٩.

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد