ناصر خمير.. من رحم الحكاية تولد حكاية أخرى




الفنان التونسي ناصر خمير (مواليد العام 1948) متعدّد المواهب والقدرات، فهو مخرج سينمائي، كاتب سيناريو، فنان تشكيلي، نحّات، مصوّر، خطاط، كاتب أدبي، حكواتي، محاضر.

عن سبب تحوّله إلى السينما، يقول: "أعتقد أن صنع الفيلم أفضل وسيلة لمخاطبة العالم. والسينما من أفضل الوسائل المؤثرة في التعبير عن المشاعر والأفكار. بالنسبة لي، الرسم والنحت فعاليات شخصية في المقام الأول. حتى مع انتقالي إلى السينما لم أتوقف عن الرسم والنحت.. كهوايات".

عن شغفه بالسينما يشير إلى أهمية المشاهدة السينمائية فيقول: "تشكلت رؤيتي السينمائية من خلال مشاهداتي للأفلام، حتى أنني في فترة من فترات حياتي كنت أعيش بالقرب من المركز السينمائي الفرنسي، وكنت أشاهد في اليوم الواحد قرابة خمسة أفلام، إلى جانب القراءات التي كنت أحرص عليها حول السينما وتقنياتها".

في ما بعد، حصل على منحة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) لدراسة السينما في فرنسا.

هو مقلّ في نتاجاته السينمائية لصعوبة توفّر التمويل لمشاريع لا يعتبرها المنتجون ناجحة جماهيرياً، وبالتالي غير مربحة. وفي هذا الصدد يقول خمير: "أجد صعوبة فائقة في الحصول على تمويل لمثل هذه الأفلام الخاصة جداً، مما جعل مني مخرجاً مقلاً في عمله السينمائي. وهذا لا يعني أني لا أريد أن أقدّم المزيد من الأفلام، لكن دائما هناك مشكلات التمويل، ففي حوزتي أكثر من 32 سيناريو فيلم جاهز للتنفيذ، إلا أن المنتج لا تغريه أفلامي لأنه يجدها صعبة وتخاطب العقل والروح. يضاف إلى ذلك أني مقلّ في عملي السينمائي لأنني سينمائي هاوٍ ولست محترفاً، بمعنى أني لا أكسب عيشي من عملي السينمائي، فأنا حتى الآن أكسب عيشي من أعمال أخرى مثل الرسم والنحت والكتابة ولم أربح طوال عمري من أموال تأتي من السينما".

في الثمانينيات، وبدعوة من المسرحي أنتوان فيتاز، مدير مسرح شايو الوطني، قدّم عروضاً حكواتية مستمدة من حكايات ألف ليلة وليلة. وقد صرّح في إحدى مقابلاته أنه يمارس مهنة الحكي التي ورثها منذ الطفولة "لتحميه من اليأس والانتظار وحماقة الآخرين".

في أعماله السينمائية نجد مزيجاً من الواقعي والأسطوري والفنتازي، وهو يستمد مادته من المعتقدات الشعبية والميثولوجيا الكلاسيكية والتراث العربي والإسلامي. من الحكايات القديمة وعوالم الخرافة الشفوية والأدب الشعبي يستل الدلالات الجديدة، المختلفة، والجماليات البصرية.

يقول: "السرد عندي في كل فيلم متغير، والهيكلة مختلفة، لكن فكرة ألف ليلة وليلة، التي تفرض نفسها عندي في الأفلام، ليست في عملية السرد السينمائي، إنما تتركّز في فكرة الجمال المبهر، والإحساس بالجمال بشكل غير عادي".

أفلامه تشفّ عن حساسية جمالية عالية. إن جمالياته البصرية نابعة من ميوله التشكيلية وممارسته لفنيّ الرسم والنحت. من هنا نجد اهتمامه باللون ودرجته وحساسيته في تكوين كل مشهد، مما جعل عدداً من النقاد يلتفتون إلى الجوانب التشكيلية في مشاهد أفلامه والتي تبدو أقرب إلى اللوحات التشكيلية.

يوضح خمير توجهه وميوله الأسلوبية فيقول: "بالنسبة لي، لغتي السينمائية فنية إسلامية بمواصفاتها رغم صعوبة تفسيرها، فأنا أميل للصورة المسطحة، وتغيب الظلال عن لغتي السينمائية في الأفلام الثلاثة الأولى. إلى جانب غياب بعض الألوان. كذلك عدم وجود البطل في عملية السرد، فالبطل متغيّر لأن التركيبة اللولبية تجعل نقطة الارتكاز في العمل السينمائي متغيّرة وفي حالة حركة دائمة، وتدور في اتجاهات مختلفة ومتصاعدة".

أفلامه ترتكز على ثيمة رئيسية ومتكررة، وهي البحث عبر رحلة مركّبة في الزمن والمكان. هناك بحث عن الهويّة، عن ماضٍ مفقود، عن ماهية الحب، عن الذات ومحاولة استعادتها، وعن الجذور.

في أفلامه، للبعد الإسلامي حضور قوي. يقول خمير: "يعود اهتمامي بالحضارة العربية الإسلامية إلى أنها مكوّن أساسي لحياتي وعقلي وكياني الإنساني، وهذا يدفعني للاهتمام بهذه الحضارة بكل تنوعها".

لكن الثقافة العربية، من منظور خمير، تدّعي أنها تمتلك الحقيقة، ولم تعد حضارة سؤال.. لذلك هو يسعى لإيجاد الحقيقة وراء ما هو ظاهر وخارجي.

وللبعد الصوفي حضوره المحسوس أيضاً. هذه الأبعاد تتخلّل مضامين أفلامه. إشراقات صوفية ذات طبيعة جمالية حسيّة ومعرفية.

أما الصحراء فهي المسرح الدائم في أعماله، بكل رمالها وتضاريسها ومساحاتها ورواياتها وغموض الهائمين بين كثبانها. وعنها يقول خمير: "الصحراء أقرب شيء يعطي تجسيداُ للكون عندما يتحول الإنسان إلى نقطة لا نهائية في فراغها الشاسع".

بدأ ناصر خمير مساره السينمائي بتحقيق أعمال وثائقية، فقدّم أول أفلامه في العام 1975 بعنوان "حكاية بلاد ملك ربي" عن هجرة الشباب العربي الذين لا يجدون لهم مستقبلاً في أوطانهم.

وفي العام التالي قدّم فيلم "الغولة" الذي يتحرّى فيه عالم الخرافة في إحدى القرى، وهو مأخوذ عن روايته "الغولة" التي صدرت في كتاب مصوّر عن دار فرنسوا مسبيرو في باريس. في العام 1984 قدّم "الهائمون" أول أفلامه الدرامية الطويلة.

في حديثه عن الفيلم، يقول خمير: "هو أول أفلامي، وفيه حاولت أن أضع كل الأجيال بمستوياتها المختلفة السياسية والاجتماعية والثقافية من بداية النهضة حتى الآن، إلا أن هذه الأجيال، رغم تضحياتها ومثابرتها، لم تستطع أن تخرجنا من الضياع الذي نعيشه، بما في ذلك القضية الفلسطينية. فالمساءلة التي حملها الفيلم قضية تمتد لحضارة عربية كاملة ولا يمكن حصرها في تونس أو أي بلد عربي آخر على حدة".

من خلال قصة متخيلة، أقرب إلى الأسطورة، يطرح خمير تأملاته الفلسفية حول الوجود والقدر والوضع الإنساني. مدرّس جديد يصل إلى قرية تقع في وسط الصحراء ليلتحق بالمدرسة الوحيدة هناك. انطلاقاً من هذا الحدث العادي يدمج الفيلم العرض الواقعي للأحداث اليومية مع العناصر الخيالية والميثولوجية، حيث يضفي هذا الدمج خاصية واقعية سحرية.

يقول خمير: "الفيلم يتركّز على منطقة الشمال الأفريقي. في جزء من العالم، والذي هو ليس أفريقيا، شاهدنا انكفاءً عن أوروبا، خصوصاً فرنسا، خلال فترة الاستعمار. فرنسا حاولت أن تحوّل بلادنا. أرادوا أن يخلقوا ثقافة ثانوية. كانت وسيلة لخلق ثقافة فرنسية ثانية. الفيلم يتعامل مع ثيمة الأجيال المختلفة، والتي اسميها الأجيال الضائعة. الفيلم يتحدث لصالح الناس الذين حاولوا تحرير أنفسهم سياسياً، اقتصادياً، وفنياً من هيمنة الاستعمار".

حاز الفيلم على جائزة أفضل مخرج في مهرجان قرطاج العام 1984، والجائزة الذهبية في مهرجان فالنسيا بأسبانيا عام 1985.

"طوق الحمامة المفقود" ثاني أفلامه الدرامية الطويلة. حققه العام 1987.

رداً على سؤال عن علاقة الفيلم بكتاب العلّامة العربي الأندلسي ابن حزم "طوق الحمامة"، والذي يعد من أبرز كتب العشق في الحضارة العربية، يقول خمير: "الفيلم يحمل إشارة لكتاب ابن حزم مع إضافة (المفقود) من طرفي، لأن سؤالا كان يلاحقني وكنت أسعى للإجابة عنه، والسؤال هو: ماذا وقع قبل تسعة قرون، ولماذا يتحوّل هذا المجتمع إلى مجتمع يحرّم الحب على أبنائه؟ وكيف يمكن لمجتمع يعيش ويتبلور ويتطور من دون حب؟ حاولت الإجابة عن هذه التساؤلات من خلال إعادة استنطاق التراث وإعادة خلق شخصية تقترب من طوق الحمامة بربطها بالواقع المعاصر، عبر قصة خيالية لكنك تنسجها وتصورها على أساس حقيقي مرتبط بالإحساس والتجربة الذاتية".

يبحث خطاط شاب عن أسرار الحب منطلقاً من كتاب “طوق الحمامة”، في رحلة بين الخيال والواقع. الفيلم مغمور بالحالات الفنتازية، ويتضمن شخصيات خيالية تجسد تراث وأساطير الماضي: قرد قد يكون أميراً مسحوراً، حروب، مدّعو النبوّة، لعنات غابرة، وأميرة جميلة من سمرقند.

يقول خمير: "هذا الفيلم يتعامل مع الثقافة العربية، تحديداً ثقافة الأندلس في جنوب اسبانيا خلال الفتح العربي. الحضور العربي في أوروبا، في جنوب اسبانيا، أثّر في النهضة الأوروبية. لذلك ليس بإمكانك أن تشرح النهضة الأوروبية من غير التحدث عن تأثير الحضور العربي".

حاز الفيلم على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان لوكارنو، والجائزة الكبرى في مهرجان القارات الثلاث.

"بابا عزيز، الأمير السابح (أو المتأمل) في روحه" فيلمه الثالث. كتب سيناريو هذا الفيلم عام 1992 ولم يتمكن من تنفيذه إلا في العام 2005، بعد عامين من حصوله على تمويل، حسب تصريحه.

يطرح خمير في فيلمه مجموعة متداخلة من القصص والحكايات، القريبة من عوالم ألف ليلة وليلة، حيث داخل كل حكاية تنشأ حكاية آخرى، وعبر هذا النسيج يتشكل البناء السردي.

إن خمير، على حد تعبيره، يحكي بالكاميرا أو يعيد ترتيب الحكايات القديمة والجديدة معاً، غير مبال بتداخل الأزمنة، مقدّماً رموزاً تعبّر عن الحضارات الإنسانية.

في حديثه عن الفيلم، يقول خمير: "كلمة (بابا) بالفارسية والهندية والتركية تعني الدرويش، وقد حاولت في هذا الفيلم مسح الوحل عن وجه الإسلام بعد تفجيرات 11 سبتمبر 2001 وبعد أن أصبحت نظرة العالم للإسلام مخيفة. حاولت أيضاً أن أوضح صورة الإسلام بعد أن أصبح العالم بأطفاله ينظر إليه وكأنه منبع للشر".

في العام 2017 حقّق "البحث عن محيي الدين"، وهو عمل وثائقي عن الفقيه والفيلسوف والشاعر المتصوف محيي الدين بن عربي، الذي عاش في القرن الثالث عشر الميلاد، ويُنظر إليه بإجلال كواحد من أكبر علماء المذهب الصوفي في الإسلام. ولد ابن عربي في مرسيه في الأندلس عام 1164، ونشأ في إشبيليه التي عاش فيها ما يزيد عن ثلاثين عاماً، وتوفى عام 1240 في دمشق.

قضى خمير ثلاث سنوات لتقصّي سيرة بطل فيلمه، وطاف عدة بلدان والتقى بخبراء في هذا الشأن. وأشار إلى أنه فكّر بأن أفضل طريقة للتعريف بالشيخ محيي الدين بن عربي هو معرفة سيرته من محبيّه.

يقول: "الفكرة ليست في تجسيد شخصية ابن عربي وإنما في جعل الأفراد الذين يحبونه يباشرون في التحدث عنه، سواء أكانوا من الغرب أو من المشرق. في الفيلم، تجد أشخاصاً من أوكسفورد، انجلترا، نيويورك واسبانيا يتحدثون عنه إلى جانب أشخاص من دمشق واليمن واسطنبول وقونيا وبورصه. أثناء تصوير الفيلم، التقينا بالعديد من الأفراد، من مختلف أنحاء العالم، الذين تحدثوا عنه.. بالتالي فإن الفيلم يحتوي على ست لغات مختلفة، وتم تصويره في عشرة أقطار وفي 15 مدينة، واستغرق تنفيذ العمل أربع سنوات".

آخر أفلامه كان "همس الرمال"، عرضه في العام 2017. عن دليل سياحي يروي لسائحة كندية من أصل عربي، في الجنوب التونسي، حكايات قديمة متوارثة عن الطفولة ومحن البشر وعن الدراويش الهائمين في الصحراء بحثاً عن الحقيقة ومعنى الوجود. السائحة تبحث عن بقعة نائية في الصحراء حتى تفي بوعد قطعته لأمها على فراش الموت (دفن رفاتها بين شلالين في الصحراء)، والدليل يرافقها في هذه الرحلة المادية والروحانية معاً.


بابا عزيز.. الأمير السابح في روحه

فيلم "بابا عزيز" يستهل افتتاحيته بهذه الجملة "الطريق إلى الله بعدد نفوس الخلائق". ومع أسماء العاملين في الفيلم نرى درويشاً يرقص بحركة دائرية.

بعد عاصفة رملية هوجاء، تنبثق من بين الكثبان صبيّة في العاشرة اسمها عشتار (مريم حميد). تجد جدّها بابا عزيز (برفيز شاهنخو) مغموراً بالرمل، فتنفض عنه الرمل وتساعده على النهوض، ليستأنفا معاً رحلتهما الغامضة سيراً على الأقدام في صحراء شاسعة، ممتدة، كل شيء فيها يتحرك حتى الكثبان، كما تلاحظ عشتار. إنهما ينويان حضور ملتقى للدراويش في مكان ما في الصحراء لكنهما لا يعرفان مكان انعقاد التجمّع، في الواقع لا أحد من المدعووين إلى الملتقى يعرف المكان. هذا الملتقى ينعقد مرّة كل ثلاثين سنة. وهناك سوف يقدّمون رقصاتهم وأغانيهم إلى المحبوب.

عندما تسأله حفيدته: كيف تذهب إلى هناك من دون أن تعرف المكان؟ يجيب: يكفي أن نمشي، أن نمشي فحسب. المدعوون سوف يجدون طريقهم إلى هناك.

بالسير والغناء سوف يصلون. وعلى أية حال، البحث يعني أكثر مما يعنيه إيجاد الشيء. والملتقى ليس غايةً بذاتها. إنه محض محطة للانتقال إلى مستوى جديد في حركة الحياة. لكن الصغيرة قلقة وترتاب في إمكانية عثورهما على مكان التجمع والوصول إليه في الوقت المناسب، حيث مضت أيام على انطلاقهما نحو الصحراء بلا خرائط ولا بوصلة، بلا طرقات سالكة ولا ممرات واضحة محدّدة سلفاً، ولا مقرات دائمة يمكن اللجوء إليها. إلا أنه يطمئنها ويؤكد لها بأن "من لديه الإيمان سوف لن يضيع أبداً. من يشعر بالسلام والطمأنينة سوف لن يضلّ طريقه".

مع ذلك، عندما ترى مجموعة من الأشخاص يتجهون ناحيةً ما، ترغب في الذهاب خلفهم، فيطلب منها ألا تفعل لأن كل شخص سيعرف كيف يجد دربه الخاص الذي يوصله إلى هناك. يكفي أن يصغي المرء بقلبه إلى صمت الصحراء اللانهائي كي يجد محطة سفره.