غرناطة مدينة الحلم


هي رحلة اشبه ما تكون بالحلم، لفرط جمالها وحميميتها ولسرعة انقضائها. بل كانت اشبه ما تكون بحب حالم، تماما كما غنت السيدة فيروز: "لم يكن وصلك الا حلما"، هكذا كانت زيارتي الاولى للأندلس، كنت أدندن ألحانا من كلمات الشاعر لسان الدين بن الخطيب، كلمات كانت محفورة في ذاكرتي، حفظتها من أيام المدرسة الثانوية، وزادها تنغيم السيدة فيروز ثباتا ورسوخا. ربما كانت كلمات ليست كالكلمات، إلا أني لم اكن لأعرف سحرها الحقيقي الأخاذ، حتى وصلت غرناطة. نعم، كانت رحلتي للأندلس كالحلم الخاطف، كل شيء فيها كان يحبس الانفاس، ويأخذ العقل: جمال شوارعها الضيقة التي تطل عليها أشجار بيوتها من بين الجدران، نهرها الواسع حين يرى بين البيوت أسفل التلة، عمرانها الذي امتزج فيه الغرب والشرق، كل ذلك مر كتلك الأحلام الجميلة التي لا اريد الاستيقاظ بعدها أبداً. حين وصلنا الى اسبانيا قررنا احياء أيام الأندلس المليئة بالأنس والحب واللهو وذلك خضوعاً لرغبة السيدة فيروز ولسان الدين بن الخطيب حين طالبنا: " فأعيدوا عهد أنس قد مضى". ايّام تحسر عليها العرب ولا يزالون يتحسرون، مُذ أسدل الستار على تاريخ المسلمين في الأندلس عام ١٤٩٢م.


لم يمكن اختيار وجهتنا الأولى، التي سنبدأ منها تحقيق أمنية السيدة فيروز، صعبا. بالتأكيد هي غرناطة القديمة، المدينة التي صمدت الى اخر نفس بعدما سقطت مدن الأندلس واحدة تلو الأخرى، لتبقى هذه المدينة العتيقة جامعة بين فلك وطب المسلمين وفلسفة اليهود وملاحة المسيحيين تحت راية بني نصر المسلمة. جمعت هذه المدينة، في قالب أسطوري، علوم كل هؤلاء وثقافتهم وعمارتهم في صورة واحدة. "يا أهيل الحي من وادي الغضا" هكذا نادت فيروز أهل حي البيازين الذي بدأنا منه رحلتنا، تجذبنا موسيقى الفلامنكو المدوية حين نزلنا من سيارة الأجرة بين زحمة السائحين، وعلى وقع الأنغام، ظهر قصر الحمراء متربعاً على تل الحمراء في الجهة المقابلة للتلة الأخرى. كان منظرا خرافياً جعل السائحين يرقصون على الفلامنكو عشقا في المكان. كان الوقوف أمام ذلك المشهد الجميل للقصر والتلة ومن ثم النهر الفاصل بين التلتين كما وصف بن الخطيب حين استقبلته غرناطة: "السماء كأنها لصفائها مرآة الهند، اخرج الحلى من الاحقاق، عقد أزرار الحلل على الأعناق"، هكذا وقفنا مذهولين بصفاء سماءها، وتلالها وأنهارها التي تطل من بين بيوتها القديمة فوق تلة عاشت الكثير من القصص التي روتها كتب التاريخ، وبقي بعضها يتناقل بين الأندلسيين الباقين في التلة لأجيال أندلسية جديدة، ومنها قصص بقيت سراً داخل حجارة وأشجار البيوت القديمة .


حين غنت فيروز" غارت الشهب بنا او ربما اثرت فينا عيون النرجس"، هل كان الشاعر يعلم ان السعادة التي كانت في الأندلس ستغار منها شهب السماء لتغير أقدارها ، او ربما كان خائفاً من حسد النرجس المتربص بهم في كل زاوية من طرقات تل حي البيازين؟ شعرت بحزن أهلها الباقي بين جنبات بيوتها القديمة المشتاقة لليالي الأندلس. بيوتٌ محاطة بحدائق وعرائش العنب التي جعلت الأندلسيين يسمون تلك البيوت كرميه، من كرمة العنب. تسمع أصوات أهلها الأندلسيين في البيوت خلف جدرانها، اعترتني رغبة طاغية في سؤالهم هل " حبس القلب عليهم كر ما افترضون عفاء الحبس" كما غنت فيروز؟ هل مازال قلبهم ينبض بحب عظيم لذلك الزمان المليء بالكرم والحب والعشق؟ هل رضوا بتحول ذلك الحب الى كره وعدم مبالاة؟ كانت الأسئلة لا تنتهي، وانا امر بتلك الطرقات الضيقة من اعلى التل وصولا الى أسفله عند نهر دارو المحاط بأشجار البلوط التي بانت أعمارها في عروق سيقانها المتينة، وأوراقها تظللنا ونحن نبحث عن طريق لتلة الملوك.

حين غنت فيروز "والحيا قد جلل الروض سنا"، كانت الطبيعة من حولنا تشاركنا سعادتنا وكأن المطر قد ألبس الارض ثوباً جميلاً استعدادا لأحياء حفلة راقصة بموشحات أندلسية، اما الأزهار فكانت تبتسم لتشاركنا في الحفلة المليئة بالحب والأنس واللهو، حين كنّا متوجهين الى قصر الحمراء. كان السائحون يملؤون الطرقات المؤدية الى قصر الحمراء، تماما كما غنت فيروز " مثلما يدعو الحجيج الموسم"، كنّا بين وفود حجيج قصر الحمراء. صعدنا تل الحمراء عابرين غابات البلوط التي تحجب وصول الشمس عن الطريق، نعبر أبوابا قديمة كان الهدف منها تأمين المكان، وابوابا جديدة زينت تلك الطرق. بعد مسافات طويلة وصلنا أخيراً ونحن نردد " اذ يقود الدهر أشتات المنى، ننقل الخطو على ما يرسم" كما غنت فيروز تماما، هكذا كان الدهر قد حقق أمنياتنا بدخول قصور كانت في يوم ما تضج بسلاطينها واهلها وعاملين يسهرون على راحة سلاطينهم. كنا كمن ينتظر سلطانا في بلاط السلاطين داخل قصورهم. غنت وتراقصت معنا الطبيعة بموسيقى مياه النوافير والبرك بين أعمدة وفي ساحات وغرف القصور لتكتمل حفلتنا المقامة في الأندلس.

نوافذ قصورها المطلة على تل حي البيازين المليء بالبيوت والأشجار "زمراً بين فرادى وثنى" كما غنت فيروز. انها أمنيتنا التي رغبناها وأكثر من ذلك. كل قطعة وضعت في تلك القصور أذهلني فيها الإبداع والجمال، وكأن الإنسان حين يعيش في جمال يصنع جمالاً، كما غنت فيروز" فكساه الحسن ثوباً" هو ليس حسن الأشجار والأنهار والأزهار فقط، بل حسن جمال ممرات قصورها المزينة بالزهور، حسن روعة أقواسها وأعمدتها المنحوتة، حسن جمال حروفها التي رصعت في ممراتها، جمال أشكال وزخرفات جدرانها وأرضيتها، وأخيرا تكتمل صورة الحسن والجمال بصوت خرير الماء. قاطعنا العاملون في القصر وهم يعلنون انتهاء وقت الزيارة، حينها غنت السيدة فيروز للشاعر لسان الدين بن الخطيب الذي ترك غرناطة غصباً "وطر ما فيه من عيب سوى انه مر كلمح البصر"، نعم "يا زمان الوصل بالأندلس".

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email