صوت الموت


فوتوغرافيا : عباس المعلم


لا صوت يثير الرعب في نفوس الناس مثل صوت صرير دواليب العربات الثقيلة المليئة بالجثث، وهي تجوب الشوارع المقفرة عند صباح كل يوم. ولا صوت أكثر صلافة ووقاحة من أصواتهم الخشنة العالية وهم ينادون السكان (اخرجوا الموتى)، طالبين منهم إخراج جثث أحبتهم وفلذات أكبادهم، أو رميها من الطابق الثاني إذا تعذر اخراجها. عند ناصية الشارع كانت تقف عربة أخرى تجمع أكوام الملابس والشراشف والفرش وغيرها من أمتعة الأموات التي تُلقى في الشارع لكي تُحرق.

منذ أن انتشر الوباء في المدينة قبل أسبوعين، من دون أن يعرف أحد السبب، مُنعت الجنازات، وزيارة المقابر، ولمس أجساد الموتى. حبس الناس أنفسهم في بيوتهم، تاركين أعمالهم وتجارتهم وأهاليهم، لم يعد أحد يهتم بما يحدث في البيوت الأخرى، الكلّ أصبح يخاف من العدوى، وهناك حكاياتٌ تروى عن هجر الأبناء لآبائهم، وهجر الزوجات لأزواجهن، وتخلي الآباء عن ابنائهم، وفراق الاخوان لأخواتهم. الذين نجوا هم أولئك الذين فكروا في الفرار من المدينة مبكراً، لكن يقال أنّ المدن كلها موبوءة، وأن المرض انتشر في كلّ مكان وأصبح خارج السيطرة. قيل أن أكثر من ألف انسان يموتون في اليوم الواحد، ولم يعد أحد يستطيع عدّ الموتى وحصرهم، أو يهتم بمن مات، الأهم هو كيف يمكن البقاء في ظل هذا الوباء المخيف. لم يكن هناك من يبكي على موتاه، لأن كلّ إنسانٍ كان يتوّقع الموت لنفسه. الذين بحثوا في أسباب الوباء قالوا انّ اقتران كوكب زُحل والمشتري والمريخ أثارَ وباءً عظيماْ في الهواء، لا سيّما عندما يحدث في برجٍ فلكي دافئ ورطب. آخرون قالوا أنّ عبور المذنّبات أحدث انقلاباً في الجو فصار الطقس حارّاً وجافّاً، فالمذنّبات تمتصّ كلّ الرطوبة أينما تَطِر، ويؤدي ذلك إلى فساد الهواء. لذا كانت النصيحة التي تسمعها من الجميع: اغلق النوافذ والفتحات الخارجية الأخرى للحيلولة دون دخول الهواء الفاسد. البعض قال أنّ الهزات في الأرض أحدثتْ شقوقاً في سطح الكرة الأرضية، وأطلقتْ أبخرة سامة أفسدت الهواء. أما عامة الناس فقد رأوا في الوباء غضباً من الله على عباده الكفار الظالمين، الذين يعيثون في الأرض فساداً، على غرار ما وقع لقوم فرعون، حين دعا عليهم النبي موسى بالجراد والقمل والضفادع والدم والطاعون، كما لو أنّ الجوعَ وانحباس المطر والشتاء القارس ومجاعة السنوات السبع لم تكن كافيةً للقضاء عليهم، حتّى جاء هذا الوباء ليحصد ما تبقّى من أرواحٍ متعبةٍ وفاقدة الأمل في الحياة، داخل مدينةٍ تعاني من آلام الاحتضار البطيء. التائبونَ الخائفونَ من غضب الله صاموا استدراراً لعطف السماء، وأقيمتْ ابتهالات جماعية كبيرة، ورغم تفشي الخوف بين الناس إلا أنّ التائبين كانوا يسيرون بصمتٍ اثنين اثنين، عراة تماماً إلا من خرقة بيضاء تكسو عوراتهم وصولاً إلى الكعبين، ويضربون أنفسهم بسياطٍ معقودة، فتتناثر قطرات الدم على الطريق، كل ذلك لم يُسفر عن أيّ نتائج فورية، بل على العكس تراجع عدد التائبين ووقعوا موتى في الشوارع. (اخرجوا الموتى) هذا كان واقع كلّ يوم بغض النظر عن سبب المرض، فلا أحد يستطيع ردع الموت القادم. صار بوسع المرء أن يسمع صوت ارتطام جثةٍ بالأرض على إثر قذفها من سطحٍ او شرفة بيتٍ ما، مع عويل وصراخ صادر من أولئك الذين فرض عليهم الحال رمي جثة إنسان عزيز في الشارع، ثم جثة أخرى، وأخرى. في آخر الأمر يأتي أولئك اللصوص والانتهازيون ويحملون الجثث على أكتافهم، كأنّها أكياس، ويلقونها بكل إهمالٍ في العربات، ليبدأوا بعد قليل في البحث عما يمكن أن يسرقوه من الأموات، مثلما يسرقون البيوت والقصور، التي هجرها سكانها أو مات أصحابها، كانوا يسرقون كلّ شيء، وأي شيء يمكن أن تصله أيديهم، كنت أتمنى لو أرى جثثهم وقد تحللتْ وتعفنتْ في الشارع، لكن من غيرهم سيتولى مهمة جمع الجثث؟. تحركتْ العرباتُ الثقيلةُ المليئةُ بالجثث المتعفّنة، المنتفخة، والمتحللة بروائحها الكريهة، بعضهم بلباسهم الكامل، وآخرون عراةٌ ملفوفون بملاءات، وآخرون عراة كما خلقهم الله. في هذه العربات ترى الغني والفقير، الحرّ والعبد، الشيخ والصبي، الملاك والشيطان، كلهم سواسية في حضرة الموت. لا كرامة ولا اعتبار لأحدٍ فوق عربة نقل الأموات. كلهم يلقون المصير نفسه، سيرمونَ في حفرةٍ مفتوحةٍ كبيرة، في مكانٍ مجهول، ويهيلون عليهم التراب حتى يختفوا من الدنيا. تستطيعُ أن تسمعَ بكاء المكلومين والثكالى، وهم يلقونَ النظرة الأخيرة على أحبائهم عبر النوافذ. كان صوت ارتطام الجثث بالأرض رهيباً ومرعباً. يمكن أن تتخيّلَ المعاناة والألم جراء اتّخاذ قرار برمي جثة شخص عزيز إلى الشارع. وهذا كان أشدّ ما يقلقني: هل أجرؤ أن أرمي جثة ابنتي الصغيرة؟ قبل أسبوعٍ ظهرت على ابنتي علامات اصابتها بالمرض، فطلبتُ من زوجتي أن تغادر المنزل إلى مدينةٍ ذات هواءٍ أفضل، حفاظاً على حياتها وحياة طفلنا الرضيع. لم يكن القرار سهلاً، ولم تكن الموافقة سهلة، لكنها خضعتْ في نهاية الأمر، وغادرا في مساء اليوم نفسه، مع مجموعة من الأشخاص، الذين فروا من منازلهم إلى المدن المجاورة. قالت بقلبٍ مكسورٍ وصوتٍ متعثر: " (ع) أرجوك لا تدع ابنتي تموت". " – لن تموت". ابنتي الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها العشر سنوات أصيبتْ بالمرض قبل أسبوع، في البدء شحب لونها، وجفّتْ شفتاها، ظهرت دمامل وبثور على ساقيها وتحت الإبطين، يصل حجم الدمل منها قدر حجم البيضة أو أكبر قليلاً، وبدأت تعاني من السعال، وقصور في التنفس، وسرعة في خفقان قلبها الصغير، وتشتكي من ألمٍ شديد في رأسها، وحرقة في جميع مفاصلها، كما لو أنّها تحترقُ من الداخل. كان المرض يتطوّر بأسرع مما يمكن تصوره، فقد انتشرتْ الدمامل في انحاء جسمها، وارتفعت حرارتها، وشعرت بآلام وأوجاع الرأس، واصيبت بإسهال، وصار برازها ذا لون أسود، وصار البلغم يخرج ممزوجاً بالدم، ويصدر من داخلها نفس كريه. تفشّتْ البقع السوداء على جسمها، وتشكّلت دمامل كبيرة مخيفة على الساقين والذراعين، يخرج منها عندما تفتح كميات كبيرة من القيح الكريه الرائحة. بلغت الصغيرة الحدّ الأقصى من العذاب، فالمرض كان يزحف إلى كامل جسدها الضعيف بلا رحمة، ولم تعد تعي ما يدور حولها. كانت تتدحرج بين طرفي السرير كأنها ترقص رقصة الموت الأخيرة. كنت أعدّ لها الطعام والأدوية، وأضعُ لها الكمادات الباردة لخفض الحرارة، وأنظفُ ملابس نومها المليئة بالعرق، وأغسلُ جميع الأواني والأوعية والملاءات بماءٍ ساخنٍ مالح، وأحرقُ البخور واللبان والهيل حتى أغير الهواء الفاسد، وأجلسُ بقربها محاولاً تهدئتها، والتخفيف من آلامها، لكن دون جدوى، كان يمكن أن ترى الموت لا يفارق عينيها الغائرتين. صباح الأمس أصيبت بحمى شديدة، واخذت تضرب برأسها المخدة من شدة الألم، وعانت من انعدام النطق وفقدان الشعور، ثمّ بدتْ كأنها غارقةٌ في سباتٍ عميق. بعد قليل استفاقتْ ونظرت إليّ كأنها ترغب في الكلام، كان واضحاً أنها تريد أن تفصح عن شيء ما، لكن صَعُبَ عليها تحريك لسانها، فاستجمعتْ قوتها واصدرت اصواتاً غير مفهومة، وأصفرّ وجهها اصفرارا شديداً، ثم توقفتْ عن الحركة تماماً. ماذا عساي أن أفعل الآن؟ امتزجتْ في الغرفة الروائح الكريهة برائحة الدخان، وهذه الطفلة البريئة فاغرة الفم والعينين في راحتها الأبديّة، وأنا حائرٌ في ما يمكن أن أفعله الآن. فتحتُ يديها المتصلبتين فوق صدرها، وغطيتُ وجهها، وقبلتها على جبينها قبلة الوداع الأخيرة، وقلتُ لها بأنني لن اسمحَ لأحدٍ أن يرميها من هذه النافذة، ولن أسمحَ لهم بنقلها في عربةٍ مليئةٍ بالجثث إلى قبرٍ مجهول، سأحتفظ لها بما تبقى لنا من كرامةٍ بشرية، سأدفنها في فناء البيت. أمضيتُ الليل كله أحفرُ عميقاً في الأرض، أعدّ لابنتي قبراً يسع جسدها الصغير. عدتُ إلى الغرفة وأدرتُ جميع المرايا نحو الجدران، وأغلقتُ جميع النوافذ والمنافذ ونزعتُ ثيابها، وغسلتها واكثرت صبّ الماء عليها، مسحتُ وجهها، وبللتُ شفتيها، ومسحتُ أسنانها، ونظفتُ منخريها، وفرّكتُ جسمها بدهنٍ عطري، أعدتُ إلباسها ثوباً نظيفاً، وضفّرتُ شعرها الكستنائي ثلاثة قرون كما كانت تحب، وقبلتها في عينيها كما كنتُ أفعل من قبل. الآن يمكنكِ أن تستريحي يا صغيرتي. برفقٍ شديدٍ حملتها بين يديّ، إنها هي تلك الصغيرة التي كنتُ أحملها وأناغيها، وأذرع الغرفة جيئة وذهاباً حتى تنام على كتفي. مشيتُ على مهلٍ خشية أن تقع من يدي، وصلتُ إلى القبر المفتوح وأنزلتها فيه، وبيدي أهلتُ التراب عليها حتّى اختفت تحت التراب. عدتُ إلى الغرفة مهدود القوى وقلبي يتفتّتُ من فرط الحزن. فتحتُ النوافذ كلها كي يدخل الهواء الفاسد، وجلستُ أنظر إلى المرايا المقلوبة، وتساءلتُ: لماذا لا أستطيع أن أبكي عليها، لماذا لا أنوحُ كالثكالى والمفجوعين، لماذا لا تسقط من عيني دمعة واحدة على فراقها. أغمضتُ عينيّ محاولاً أن أنسى كل شيء. فتحتهما ببطء، فرأيتُ زوجتي وأخاها وابني. استجمعتُ قوتي كلها لأسألهم عما يحدث، وماذا يفعلون في هذه الغرفة، كانوا يبكون بحرقةٍ شديدة، وابنتي الصغيرة تطلّ عليّ من وراء أمها. كانت زوجتي تبعدها وتحاول أن تخرجها من الغرفة، لكنها كانت تطلّ برأسها وتمسح دموعها. كانت تلك آخر صورةٍ أراها، قبل أن أتوقف عن الحركة تماماً، هدأتْ النار التي كانت تشتعل بداخلي، وانزاحَ الألم تماماً، الآن أشعرُ براحةٍ عميقة. أستطيع أن أنام نوماً لا ينتهي ولا أحلام فيه. (أخرجوا الموتى) تحركوا نحوي ولفوني في الملاءة البيضاء، وربطوني بإحكام. فتحوا النافذة، وارتفعت أصواتهم بكاءً ونحيباً، ترددوا للحظات ثم رموا بي إلى الأرض عند العربة الثقيلة المليئة بالجثث.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email