عندما تختلف النيات فإن العقل يعلل سوءات القلب

 

إن من غير المألوف الخروج على المحظورات إلا في النادر من الأمور، فكيف الحال والمرء موثوق بعهود غليظة ومشددة تمنع كشف ونقل الوثائق البصرية والسمعية؟ لقد شاهدت من وقت قريب فيلم ريد جوان للمخرج تريفور نون، وتعود أحداث القصة للعام 1938 في جامعة كامبريج بلندن، وقد جسد دور البطولة جوان ستانلي في دورين: العجوزة، والشابة وهي تلميذة الفيزياء النجيبة وخريجة جامعة كامبريدج (صوفي كوكسن) والتي بهرت بتفوقها مديرها السيد ماكس ديفيس، قام بدور البطولة (ستيفن كامبل) والذي انتقاها من بين العديد من الخريجين لتكون أحد أعضاء الفريق الذي عهد إليها العمل على مشروع دراسة أولية لعمل الانشطار التسلسلي للذرة.

 

كانت خطوات بطيئة في الانتقال من نجاح إلى نجاح، فبريطانيا العظمى تكره أن تتخلف في السباق العالمي لتفتيت الذرة، وصولا للهدف المنشود وهو صناعة القنبلة الذرية، والحصول على سلاح رادع يضع حداً للحرب المستعرة بعد أن تمددت أذرع النازية وابتلعت العديد من دول أوروبا، وزادت عليها في أن الجيش النازي هاجم روسيا في حزيران من عام 1941 واحتل ثلثها وصولا إلى حصار لينين كراد الشهير.

 

من جانب آخر دخلت الإمبراطورية اليابانية الحرب، واستطاع سلاح الجو الياباني إغراق سفن الأسطول الأمريكي القابعة في خليج بيرل هاربر عام 1941 مما أثار غضب أمريكا ودفعها لإلقاء القنبلة الذرية لأول مرة فوق مدينتي هيروشيما وناغازاكي وهو أول سلاح فتاك في التاريخ حيث أودى بحياة الآلاف من الناس الأبرياء للوهلة الأولى، إضافة إلى المصابين بالحروق وآخرين بالإشعاعات، هذا غير الدمار الذي أحرق المدينتين عن بكرة أبيهما، وكانت تلك الواقعتين السبب الرئيسي في استسلام اليابان.

 

بالعودة إلى جوان، حيث أنها عندما بدأت بالعمل مع فريق السيد ماكس أخذت عليها المواثيق للعمل والحفاظ على السرية التامة وقد أبدت مهارة جيدة أشاد بها مرؤوسيها، ولكن وفي تلك الظروف الملتهبة وبعد أن تحملت روسيا نصيب الأسد من تلك الحرب القذرة رأت أن في دخولها الحلف الذي أنشأه الرئيس الأمريكي روزفلت ورئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل وضم في نخبته أمريكا وبريطانيا وغيرها هو الحل الأمثل إذا أخذ هذا الحلف على عاتقه الالتزام بتحقيق الدمار الشامل للطغيان النازي، وهكذا قضي على أسطورة الجيش النازي، تبعه انهيار الإمبراطورية النازية وانتحار هتلر ووضع ألمانيا تحت شروط قاسية ومشددة ودفع تعويضات مجزية لليهود بعد محرقة الهولوكوست الشهيرة.

 

وكان من ضمن شروط  ذلك الحلف أن تقوم بريطانيا بمساعدة السوفييت في العلوم الحديثة وعلى رأسها صناعة القنبلة الذرية ولكن بريطانيا لم تبدِ التعاون المأمول من ذلك الاتفاق مما دفع الروس اللجوء إلى الطرق الملتوية فعهدوا إلى أحد جواسيسهم ليو (توم هيوز) للتقرب إلى جوان ومحاولة الإيقاع بها عاطفيا عن طريق زميلة أخرى هي سونيا (تريزا سابروف) مهاجرة روسية يهودية.  كان ليو شابا ماركسيا وسيما وكانت له بين الشباب من جيله صولات وجولات بعد أن وثق علاقته بجوان وأوقعها في حبائله محاولا إقناعها أن تمده بالمعلومات الأساسية من موقع عملها عن أسرار صناعة القنبلة الذرية فامتنعت بشدة وصدته مرة تلو الأخرى مع الإبقاء على حبها له، ولكن الروس لم يعدموا حيلة أخرى فعهدوا إلى زميلتها سونيا مجددا  للتقرب من جوان مرة أخرى في هذه الإثناء وفي يوم 7 ديسمبر عام 1941  قامت أمريكا بضرب مدينتي هيروشيما وناغازاكي كما أسلفت مما اثأر عاصفة من السخط لدى الرأي العام العالمي بسبب الدمار الشامل الذي أحدثه هذا السلاح، أما جوان فقد بلغت بها الصدمة حد التفكير مجددا والبحث عن مخرج يقي العالم من هذا العمل الجنوني، في الحال اتصلت بصديقة ليو سونيا وطلبت منها تطوعا إمداد الاتحاد السوفيتي بالمعلومات اللازمة لصناعة القنبلة الذرية فمدها أحد عملاء الـ ك ج ب بجهاز تصوير متطور سهل الإخفاء، مكنها من تصوير كل المستندات التي تحت يدها والأخرى واستمر العمل على هذا النحو لسنوات حتى تيقنت الاستخبارات البريطانية عن تسرب فاضح في المعلومات فقامت أجهزة المخابرات بتطويق موقع العمل بشكل مفاجئ وتفتيش كل الأشياء الشخصية التي في عهدة كل الموظفين، استطاعت جوان بأعجوبة إخفاء الكاميرا في علبة الفوط الصحية النسائية.

 

وبسبب فشل جهاز المخابرات في الوصول للفاعل اعتقلوا رئيس القسم السيد ماكس ديفيس، كان السيد ديفيس رجلا نزيها وفي تلك الأجواء من العمل واللقاءات المكثفة والحميمة أحب جوان وأخبرها بحبه وبادلته الحب في أول الأمر ولكنه أبقى على حبه نزيها بسبب زواجه من امرأة أخرى، وبقي على هذا الحال يطلب الطلاق من زوجته الأولى مرة تلو الأخرى دون جدوى، ولكن ما أن تناهت إلى أسماعها اعتقاله والتحقيق معه في قضية التجسس لصالح الاتحاد السوفييتي حتى وافقت على الطلاق فأسرع إلى جوان يعرض عليها الزواج، وكانت المفاجأة فقد امتنعت جوان بل وأخبرته الحقيقة بأنها هي من كانت تمد السوفييت بالمعلومات فصعق في الحال وخاف عليها ولكنها لم تكن أقل منه خوفا على نفسه، في هذه الأثناء طلبت جوان من الروس إنهاء العملية ولكن قبل ذلك وبسبب أنها بعيدة عن الشبهة زارت ليو في منزله وصعقت عندما رأته معلقا مشنوقا، علمت لاحقا أن الأمر من تدبير ستالين فقد كان ليو ينتقد همجيته وأسلوبه من وقت لآخر. لقد بلغ الأمر حدا عاليا من الخوف والترقب، طلبت جوان من رابطها بالسوفييت أن يهربوها هي خارج بريطانيا وبعد صعوبة بالغة وافقوا وخيروها بين موسكو واستراليا، وهكذا عمل السوفييت جوازي سفر لجوان ورئيسها وسافرا إلى استراليا وانتهى الأمر عند هذا الحد.

 

في العام 2000 حصلت المملكة المتحدة بريطانيا على معلومات فائقة الأهمية تعود لعميلة بريطانية في الفترة من عام 1938 حتى 1945 قد خرقت 27 بندا سريا وزودت الإتحاد السوفييتي بكل المعلومات المطلوبة مما سرع في وتيرة صناعة الإتحاد السوفييتي للقنبلة الذرية، كانت تلك المعلومات من جاسوس روسي منشق. في ذلك العام كانت جوان تحث الخطى نحو التسعين من العمر وقد اعتقلتها المخابرات البريطانية وبعد مواجهتها بالحقائق اعترفت بكل ما وجه إليها وأصر ابنها وهو محامي قدير أن يدافع عنها في البداية ولكن ما أن اعترفت بالتهم المنسوبة إليها حتى ثارت ثائرته وأعلن الرفض التام الوقوف إلى جانبها إلا أنه تراجع في نهاية الأمرو أعلن الوقوف إلى جانب والدته.

 

إن أجمل ما في الفيلم هي تلك الحوارات الصريحة بين الإقرار بالجريمة والإنصات لمبرراتها بين جوان العجوزة وابنها، فقد كررت مرارا وتكرارا أنها لم تكن تقصد خيانة الوطن وان الأمور كانت مختلفة في ذلك الوقت وإنما إمداد الروس بما يحتاجونه لصناعة القنبلة النووية جاء برغبة منها في أن تكون روسيا على قدم المساواة مع بريطانيا وأمريكا فينجو العالم من شرور حرب مدمرة قد تقدم فيها أمريكا على ضرب روسيا بسلاح نووي فتاك مثلما فعلت في ضرب هيروشيما وناغازاكي،  لقد كان امتلاك السوفيت للقنبلة النووية رادعا قويا ضد الغرب بأن لا يتكرر نفس الفعل، وهكذا رأينا كيف شرعت العديد من الدول لاحقاً في بناء ترسانة نووية رادعاً لأعدائها كالهند وباكستان وكوريا الشمالية، هذا بعد أن بات الأمر في إمكان الكثير من الدول، لذا مازلنا نرى حتى اليوم تشبث أمريكا والغرب في منع أي من دول الشرق الأوسط من امتلاك القنبلة الذرية ، ولنا في أزمة الملف النووي الإيراني خير دليل.

 

إن خرق قانون السرية الذي وافقت ووقعت عليه جوان يضعها أمام أمر محير جدا لقد أقدمت جوان منذ البداية على خرق هذا القانون بدوافع قلبية كما تدعي، ولكن هذا لا يبرئها من الخيانة العظمى للوطن ولو ضبطت في مقتبل العمر لانتهى بها الأمر دون شك  إلى السجن وربما الإعدام، ولكن ما حصل هو ضبطها وهي على أعتاب التسعين واستطاعت بدهائها أن تقنع ابنها المحامي والمحكمة أنها لم تكن جاسوسة بقدر ماهي شخص محب للإنسانية، وكان لها الفضل في أمرين هما: بلوغ السوفيت صناعة القنبلة الذرية، واتساع حدة الخوف والحذر بين الطرفين، الغرب وروسيا، وهو صمام الأمان الذي  أفضى في نهاية المطاف إلى منع الحرب مع روسيا من عام 1945 واستبدالها بالحرب الباردة لأربعين عاما قادمة حتى سقوط الاتحاد السوفيتي رسميا عام 1991.

 

أجل لقد كسبت القضية وفازت ربما بسبب سنها فقد بلغت الثالثة والتسعين من العمر دون أية ملاحقة قانونية، لقد كانت محظوظة فشيخوختها كانت شفيعتها، وليست مبرراتها الأخرى، ولكن الأمور لاتسير دائما على هذا النحو فما يقدم عليه البشر من تجاوزات وأمور خطيرة ومصيرية أحيانا وبدوافع قلبية ليس هناك أدني شك بأن للعقل فيها نصيب الأسد، ففي الوقت الذي يكون فيه العقل هو الرقيب والقاضي والحكم، يتراجع تحت بعض الدوافع القلبية الملحة وخصوصا نداءات الطبيعة ولذلك يجنح العقل إلى وضع المبررات المختلفة لتمرير رغبات القلب وما أكثرها فما من شك بأن الموبقات والفواحش التي يقدم على اقترافها الكثير من البشر يلجأ العقل إلى رفض بعضها، ولكن يستحسن بعضها الآخر، فيوجد لها المبررات المناسبة تأسيا بالقول المشهور "أتوب إلى الرحمن في حجة أو حجتين". 

 

وفي الحياة العامة نلاحظ أن العديد من المصالح المتشابكة والحرجة لا يرفضها العقل بل يعللها ويرجح كفة المصلحة فيوجد لها مخرجا أو سببا مقنعا، وما عملته  جوان هو خيانة سافرة للوطن والأمة مع سبق الإصرار والترصد، وقد قامت بتلك العملية إبان فترة حكم ستالين والأمور تقبل  الكثير من الاحتمالات، فماذا لو أقدم ستالين على استعمال السلاح النووي ضد أحد أعدائه وهو يعد رجل دموي، هذا الأمر لم يخامر عقل جوان أبدا لسبب بسيط، لقد كانت الماركسية في نظر الكثير من شباب ذلك الوقت الملاذ الآمن للبشرية، لقد أوجد عقلها المبرر المناسب وهو حفظ السلام دون النظر إلى عواقب الأمور الأخرى، اعني بذلك الخيانة العظمى وغيرها تأسيا بالمقولة المشهورة "عندما تسوء النيات فإن العقل يعلل سوءات القلب" ولذلك قيل أن في الحب العاطفي طرفان، فالعقل يقر بأن "الحب اعتداء على العقل والواجب" في حين أن القلب يجاهر باعتدادٍ أن "لا سلطان على القلب".

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد