ليف أولمن في كتابها "أتغير" تكتب لنفسها.. لتعيش وتفهم وتتغير

تقول الروائية آيزابيل الليندي التي تعتبر من أهم كتاب أميركا اللاتينية إن الأدب منحها وهي في المنفى صوتا لتنقذ ذكرياتها من لعنة النسيان، ومكنها من خلق عالمها الخاص، اذ أبقتها الكتابة سليمة العقل بعد أن تحولت حياتها إلى جحيم إثر وفاة ابنتها باولا عام ١٩٩١، ومن خلال كتابة رواية «باولا» طرحت الكثير من الاسئلة المهمة: ماذا يوجد في الجانب الآخر من الحياة؟ هل هو الليل فحسب والصمت والعزلة؟ ماذا يبقى إن انتهت الرغبات والذكريات والآمال؟

كل صباح كانت آيزابيل تسحب نفسها من السرير متوجهة الى مكتبها لتضيء شمعة أمام صورة ابنتها، وتفتح جهاز الحاسوب لتحدق في الشاشة لساعات وتبكي غير قادرة على الكتابة، فكتاب «باولا» الذي كتبته كان مجموعة من المذكرات التي تحكي قصة مأسوية لفتاة توفيت قبل أوانها، وعلى رغم ذلك فالكاتبة جعلته احتفالا بالحياة، احتفالا بالأشياء التي تحبها مثل الأسرة والحياة والحب، ولم يكن عن الموت أبدا. أحيانا تكون الكتابة علاجا للروح وقد نجحت الكتابة كعلاج مع كثير من الكتاب لما تمنحه من حرية لهم، اذ يمتلك كاتب القصص والروايات حرية حقيقية في نسج ما يشاء، تصرح إليف شافاق الكاتبة التركية «الكتب أنقذتني من الرتابة والغضب والجنون وتدمير الذات وعلمتني الحب».

كتاب «أتغير» الذي بين يدي كتبته ليف أولمان (صدر عن دار المدى وترجمة أسامة منزلجي) وهي سيدة الشاشة السويدية، بدأت مشواره الفني في مطلع الستينات، وهو يحتوي على حديث النفس واستعراض لأسئلة كبيرة وعميقة دون اجابات مقنعة، مثل سؤالها الذي كتبته على لسان ابنتها لين: ماهي الحياة يا ماما؟ هل هي فقط الناس؟ لا أنكر الحكم المسبق السلبي نوعا ما على هذا الكتاب باعتباره مجاملة من الناشر لفنانة مشهورة، اعتقدت أن هذا الكتاب نال شهرته بسبب اسم كاتبته الفنانة السينمائية ليف أولمان، لكن بعد أن استغرقت في قراءته وجدته يتسم بالعمق والصدق الشديد، بالرغم من وجود الكثير من الأحاديث والمواقف الشخصية التي لم تشدني وتجعلني أرغب بمواصلة القراءة.

ما أدهشني حقا هو السبب الحقيقي من كتابة هذا الكتاب، فهي تورطت بعد أن اتصل بها صحافي ليسألها عما كانت تفعل أثناء توقفها عن العمل، وادعت أنها متفرغة للكتابة بدلا من الاعتراف بالحقيقة، وراح الجميع يسأل عما تكتب وما هو الكتاب، وتسابق الناشرون للحصول علي حقوق النشر، مما أصابها بالخوف من تلك الفكرة والالتزام الذي وضعته على نفسها بسبب كذبة عابرة.

السؤال الذي يطرح نفسه، ما جدوى كتابة هذا الكتاب؟ هل هو سيرة ذاتية ونقل لتجربتها الشخصية كممثلة، التي حتما تمتلك ذكريات عامرة بالمواقف والانجازات، مع العلم أنها ليست أول ممثلة تكتب مذكراتها اذ سبقتها أشهر نجمات هوليوود مثل جوان كولينز وجين فوندا، أم هو استعراض لمهارتها في الكتابة التي أجدها متواضعة، اذ لا يوجد خط زمني واضح للأحداث، فهي تكتب على قصاصات من الورق تتركها في كل مكان كما ذكرت ثم جمعتها في كتاب؟

هي تكتب عن المواقف التي أثرت في حياتها وعن الأشخاص الذين تفاعلت معهم، عن علاقتها بزوجها ووالد ابنتها، وكل تلك الكتابات لم تكن سيرة ذاتية تروي قصة حياتها إنما شذرات من هنا وهناك بعثرت عملية القراءة نوعا ما، وكانت باعثة للتشتت لهذا افتقد الكتاب السرد المتزن الذي يثير فضول القارئ ليستمر في القراءة بشغف.

أن تكتب سيرة ذاتية، يعني أن تكشف أسرارك وأن تهدم سورا شيدته بينك وبين الآخرين، وهذه السيرة كانت ممتلئة بالإنسانية وعميقة في بعض الصفحات، مما كتبت: «أريد أن أكتب عن الحب، عن كوني كائنا بشريا، عن العزلة، عن كوني امرأة»، كما وصفت شعورها تجاه أبيها «والدي الذي هو موجود في حياتي على مدى ست سنوات لم يترك لي ذكرى حقيقية واحدة عنه، إنها ببساطة خسارة فادحة»، ليف أولمن تكتب لنفسها، تكتب لتعيش وتفهم ولتتغير.

كتب علي حسين ضمن كتابه «في صحبة الكتب» مخاطبا جبرا ابراهيم جبرا: «لو تفحصنا تاريخ الأدب والفن لوجدنا نوعين من الأعمال والمؤلفين، ففي بعضها مثلا تكون حياة الكاتب أهم من أعماله، مثل حياة جان جاك روسو واعترافاته، اذ ان حياته نفسها أصبحت أهم وأبقى من أعماله، بينما أعمال أخرى يختفي فيها المؤلف وتبقى أعماله، فوكنر مثلا فنحن لا نعرف كيف كان يعيش، اذاختفى الفنان داخل عمله، السؤال هنا: هل معرفة الحياة الشخصية للكاتب تساعد على فهم أعماله؟».

وقالت ليف أولمان: «انني أحيا باستمرار في حال من التغير، على الرغم من أني في أعماقي فتاة صغيرة ترفض أن تموت»، وهذا باختصار ما يدور حوله كل ما كتبته ويتصدر عنوان الكتاب «أتغير»، فهو عنوان استمر في جميع الصفحات ويرصد التغيرات التي مرت بها، وليلة ترشيحها للأوسكار، حين تحدثت عن نفسها بصيغة الآخر ولم تكتب مشاعرها على لسانها، ويبدو أنها لم تتقبل الخسارة في تلك الليلة.

من الممتع تسليط الضوء في الكتاب علي حياتها كفنانة سينمائية، والكتابة عن زيف العالم الفني، وعن الابتسامات التي ترسم كما الأقنعة التي لا تفارق الوجوه ولا تمتد الى العيون، تحدثت عن النجاح بالمعنى الانساني وعدم إمكانية الحصول عليه في تلك الاوساط التي كانت تعيش فيها، اذ تقول: «إن العيش في حالة من الحيرة أمر ممزق وصعب، ولكن بات من الأفضل الآن أن أقبل بهذا الوضع بوصفه جزءا من الحياة، أن أعايشه لا أن أحتقره»، اذ توصلت أولمان مع استمرار الكتابة في فصلها الأخير بعنوان «الأقنعة» إلى حالة من السلام مع الذات، وفهم نفسها وقراءة الواقع على نحو سليم، وذاك ما نحتاجه جميعا، أن نفهم ذواتنا ونحاول الوصول لحالة الاتزان وتقبل أنفسنا ومحاولة فهما أكثر.

يصف الشاعر والكاتب ابراهيم نصر الله الكتابة بأنها المحاولة الأصفى لتأمل ذواتنا، فالسر من وراء تعلمنا من كتابتنا، يعود الي أننا نتجمع في لحظة الكتابة كما لا نتجمع في لحظة سواها! هنا الانسان كله، حواسه كلها، فيبدأ ضجيج العالم الخارجي بالتلاشي شيئا فشيئا، لتصل حواسنا الي أقصى طاقتها وهي تتكثف وتتكاتف، لتسمع أدق الهمسات البعيدة الصادرة من الاْعماق، بحيث تغدو القضية التي تؤرقنا تحت ضوء هذه اللحظة أكثر وضوحا منها حين تكون بعيدة ومجرد هاجس من هواجسنا اليومية الكثيرة.

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email