تاريخ الفلسفة الحديثة


 

 

 

صدر عن دار التنوير في يوليو 2019 النسخة العربية لكتاب (تاريخ الفلسفة الحديثة) لوليام كلي رايت، الذي تولى ترجمته الأستاذ محمود سيد أحمد. يتناول الكتاب تاريخ الفلسفة الحديثة، الذي قام الكاتب بتقسيمه على ثلاث مراحل: مرحلة عصر النهضة (1453)؛ مرحلة عصر التنوير مع إصدار لوك لمقالته حول (الفهم الإنساني) في 1690؛ المرحلة المثالية التي بدأت مع كانط؛ المرحلة المعاصرة التي دشنت مع شوبنهاور في 1831، حتى الزمن الذي نشر فيه الكتاب نفسه — وذلك كان في 1941. 

 

إن الكتاب موجه للقراء المبتدئين في مجال الفلسفة، ولذلك الكتاب معروض بطريقة نسقية ومدرسية بالغة. لم يخف رايت ذلك، وقام بذلك عن وعي حيث قال: ((الكتاب صمم أساساً للطلبة الجامعيين)). ولكن ذلك لا يعني أن علينا أن نفترض سهولة الكتاب كشيء معطى. فهو مكتوب بشكل مكثف جداً — كماً (حيث يتجاوز 600 صفحة) وكيفاً (من حيث المعلومات الواردة فيه). لكن لغة الكتاب مصممة لتكون سهلة ومفهومة رغم كثافة النص. 

 

لا يقدم الكتاب الذي بين أيدينا عرضاً تاريخياً للفلسفة عامة، بل يختص في تاريخ الفلسفة الحديثة. ولكن في مثل الوقت، لا نجد أن رايت يقدم للقارئ أي تعريف حول الفلسفة؛ ورغم أننا نتفهم بأنه قد يتغاضى عن ذلك لأسباب منهجية، فأنه من الصعب التغاضي عن حقيقة أنه لا يقدم أي تعريف للفلسفة الحديثة ايضاً. إنه يكتفي، بدلاً من ذلك، بإستحضار تشخيص لملامح هذه الفلسفة. ما يترافق ذلك هو، بالنسبة لنا، اخطاءاً منهجية يتبناها الكاتب نفسه. فحسب رايت، يمكن تشخيص الفلسفة الحديثة عبر ثلاث مميزات: 

 

الأولى - علمية الفلسفة الحديثة، حيث على العكس من الفلاسفة القدامى (الذين تبنوا نظرة جمالية للعالم)، والفلاسفة الوسيطيين (الذين تبنوا نظرة ثيولوجية للعالم)، يتبنى الفلاسفة الحديثين نظرة علمية للعالم. 

 

الثانية - للفلسفة الحديثة روحية فردانية، وذلك يأتي عكس روحية الفلاسفة القدامى والوسيطيين؛ الذين كانوا فلاسفة نظاميين ومؤسساتيين. إن الفيلسوف الحديث هو متمرد بطبعه وضد-السائد. 

 

الثالثة - للفلسفة الحديثة طابعاً كونياً، فيما كانت الفلسفة القديمة والوسيطية فلسفة محلية، مؤطرة وطنياً. 

 

يمكننا أن نكرر في هذا المقام حقيقة أن الكاتب لا يوفر أي تعريف للفلسفة بشكل عام (ناهيك عن الفلسفة الحديثة)؛ وهذا لا يعني سوى أنه يفترض بأن هناك تعريف جاهز ومعروف للفلسفة كتحصيل حاصل. ولكن أي متمعن في تاريخ الفلسفة سيجد اختلافاً هائلاً عند كل تيار فلسفي في تعريف ماهية الفلسفة. أهناك، إذن، تعريفاً موضوعياً لها؟ ما نجد جواباً لهذا السؤال عند الكاتب. أو ربما، وهذا الأرجح، وقع في وهمها — بأن لها استقلالية تامة عن واقع الممارسة. 

 

ذلك قد يفسر التشخيص الغريب من أمره للفلسفة الحديثة الذي يقدمه رايت: "علمية الفلسفة الحديثة". يا ترى أليست الفلسفة مرتبطة بالعلوم منذ نشأتها؟ إن الفلسفة بمعناها الحقيقي، ايّ اللوغومركزي، وجدت في الغرب، وتاريخها هو تاريخ غربي (أولم يقل هايدغر ذلك سابقاً؟ بأن تاريخ الفلسفة هو تاريخ غربي اساساً؟)، وبالتحديد عند بلاد الأغريق— مع أفلاطون، الفيلسوف الأول. كيف حصل ذلك؟ ألم توجد مختلف الفلسفات قبل أفلاطون، كالصينية، والمصرية، والفارسية، والهندية، والأغريقية حتى؟ بلا شك، لكننا لا نتحدث هنا عن الفلسفة بمعناها هذا (وتسميتها الدقيقة ستكون الحكمة لا الفلسفة). تمكنت الفلسفة من الظهور عبر تقليدها، وتبنيها، لإطار النسق العلمي، وبالتحديد علم الرياضيات (أو الهندسة) الذي افتتحه طاليس. 

 

إن الفلسفة لم تظهر، إذن، إلا على أساس تقليد العلوم؛ حيث إنها، عبر هذا التقليد، أعطت لنفسها شكلاً تجريدياً متسقاً بالتجريدية العلمية التي تواجدت مع علم الهندسة (أو الرياضيات) الطاليسية. فأصبحت الفلسفة لأول مرة، مع أفلاطون: "التفكير في التفكير" أو "تجريد التجريد" بدلاً من "التفكير في العالم" (الحكمة). لهذا قال أفلاطون: على الجاهل بعلم الهندسة ألا يتفلسف. 

 

هذا يعني بأن الإطار العلمي للفلسفة ليس محصوراً، كما يدعي رايت، بالفلسفة الحديثة، بل الفلسفة في عمومها. بينما ميزة الفلسفة الحديثة هي أنها تجددت في إطارها وتنظيمها مع إكتشافين علميين جديدين: علم الفيزياء مع غاليليو غاليليه، وعلم التاريخ (أو المادية التاريخية) مع كارل ماركس. إنه جانب آخر أهمله رايت. رغم أننا قد نجد في توصيفه للفلاسفة ذكراً لظروفهم التاريخية والاجتماعية، إلا أننا لا نرى كيف تلعب الصراعات الآيديولوجية، التي هي سياسية (ايّ طبقية) في نهاية المطاف، دورها في الفلسفة نفسها، وكيف ترتبط بها أساساً. إن الفلسفة تظهر هنا ككل كامل، والتناقضات التي تحملها هي ليست سوى تناقضات في وجهات النظر؛ وكأنها لا تحمل أي تناقض آيديولوجي-سياسي.

 

هكذا، إنعكست آثار الصراع ما بين الفيزياء الأرسطية، التي كان يستند إليها الكهنوت الظلامي، والفيزياء الغاليلية مباشرة في الفلسفة — كصراع ما بين الثيولوجيا والفكر العلمي، أو قل للدقة: الفلسفة الثيولوجية (لا الدين كدين) والفلسفة "العلمية" (ديكارت، سبينوزا، إلخ..). إن هذا الصراع الذي دمغ شكل الفلسفة الحديثة، وبالتحديد الفلسفة البورجوازية، يعكس الصراع الآيديولوجي الذي بدأ يظهر ما بين الطبقة البورجوازية الصاعدة والطبقة الإقطاعية المسيطرة. نقول "يعكس" دون أن نعني بذلك إنعكاس ميكانيكي مباشر، بل هو إنعاكس دائم مضاعف في تحديده وميلي (علوم - آيديولوجيا - سياسة - فلسفة). لهذا السبب تجد الفلسفة أيضاً، بدورها، ميلية: إما مادية وإما مثالية (كان أفلاطون أول من عبر عن ذلك حين قال بإن الفلسفة هي عبارة عن صراع الجبابرة ضد الآلهة). 

 

ولما كان رايت يعامل الفلسفة (الحديثة، ولكن هذا يطبق على الفلسفة عامة أيضاً) كما لو كانت كتلة واحدة، فأنه لا بد أن يجعل لها تاريخاً موحداً. إن هذه النظرة تنعكس في ما حدده كالطرق الثلاث لدراسة مكانة أي فيلسوف في الفلسفة الحديثة. الطريقة الأولى هي قياس علاقته المنطقية بالذين سبقوه والذين لحقوه؛ وذلك لأن الفيلسوف الحديث دائماً مرتبط بعدة فلاسفة. (ولكن ألا يمكننا أن نقول بإن كل الفلاسفة مترابطين منذ نشأة الفلسفة؟ بما أن الفلسفة ليست سوى فراغ أبدي لمثل الصراع الأبدي ما بين المادية والمثالية؟). أما الطريقة الثانية هي ربط هذا الفيلسوف بوقته وزمنه (سياسياً، واجتماعياً، وثقافياً، ودينياً، إلخ). والطريقة الثالثة هي ربط الفيلسوف بحياته الشخصية. ويبدو لنا أن الطريقتين الأخيرتين تعبران عن بديهية ضرورية. 

 

إن القارئ الذي يبحث عن مفهوم الفلسفة لن يجده في هذا الكتاب، ولكن إن كان يبحث عن عرض مكثف ومجهد للفلسفة الحديثة منذ عصر النهضة حتى القرن العشرين فأن هذا الكتاب سيكون مناسباً له. يمكننا أن نقول بإنه يشكل مقدمة مناسبة لكل من يسعى التعرف على شخوص الفلسفة الحديثة وأفكارهم الفورية، دون أن يعني ذلك بأنه سيفهم (ولا هو ذلك غرض الكتاب) ما هي الفلسفة بالتحديد. هناك الكثير من المثقفين يأخذون الفلسفة ترفاً، وحتماً سيروجون لفكرة فهم شخوص الفلسفة ككتلة واحدة كاملة.

 

يمكن الواحد منا يرى ذلك في تعاملهم مع مؤلفات أخرى شبيهة لهذا المؤلف: من (تاريخ الفلسفة) لهيغل، إلى (تاريخ الفلسفة الغربية) لراسل، و(تاريخ الفلسفة) لفريدريك كوبلستون، و(تاريخ الفلسفة البورجوازية) لهوركهايمر، إلخ. سيتصفحون هذه الكتب، كتاباً تلو الآخر، وسيلتهمون كل فيلسوف على حده، إلى أن يعلنوا بأنهم متخمون بالمعرفة الفلسفية. القراءة أمر مضر للغاية وباعث للمرض — هذا ما قاله نيتشه قديماً. الفلسفة ليست تسامحاً أو حواراً، ناهيك عن كونها متماثلة لتعبر عن هدوء كوني. على الفلسفة أن تكون أداة كفاحية، شفرة حادة تقطع الآخر حتى الموت. ألم يحن الوقت بعد لأن نقول: على الجاهل بفنون الكفاح ألا يتفلسف أبداً؟ — هكذا، بهذه الطريقة وحدها، تكون الفلسفة أمينة لقانون الحياة الأوحد: الصراع، وهكذا هي تموت بدورها.

 

 

 

 

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد