الكتابة… أجنحة كثيرة في مكان جديد


كلما تلقيتُ الدعوة للكتابة والنشر في مكان جديد، تصيبني تلك الرعدة العميقة. رعدة غامضة عصيّة على التفسير. أنا الذي أمضيتُ سنوات العمر في الكتابة، تظل الدعوة الجديدة، رغم الصداقة والألفة التي يغمرني بها الداعون، دافعاً للقلق المقيم. ثمة ما يجعلني مستنفراً وغير منسجم. وسوف أحتاج بعض الوقت لاستعادة لياقة تناسب الفكرة والمكان، وتلك الاحتمالات الغامضة، رغم أنني لا أذهب إلى الكتابة في الصحافة بشرطها. لستُ متأكداً بعد، ما إذا كانت هذه الرعدة العميقة فرحاً بالدعوة، أم توجساً وقلقاً منها. ينبغي التأمل بدون وجل، ففي الكتابة شيءٌ من الجنة، كما ستقول لي الآلهة دوماً.


2

ليستْ الكتابة وحشاً، على العكس إنها ضربٌ من الصلاة، مثل يدٍ ممدودة في العتمة، حسب (كافكا). وعندي، الكتابة هي نجاة مستحيلة من الحياة. ربما لأنني أرى إلى الكتابة كما لو أنها الحصن الذي يحميني من الواقع، فمنذ سنوات طويلة، وربما بفعل تجربة الحياة، لم يعد الواقع يعنيني، ولَم أعد مكترثا بالواقع، لأن الواقع، في اعتقادي ليس هو الحقيقة. الواقع هو الأكذوبة التي يروّج لها الآخرون تيمناً بالدين.


3


قيل له: أكتبْ، ففي الكتابة شيء من الجنة. غير أنه أقرب إلى القراءة، فهو يَرُوزُ الكتبَ مثلما يرضع طفلٌ حلمة الطفولة، ويجد الجنات في الكتب. فلما استوى على الغمر، غمرته نشوة الكلمات، واستعاد توازنه، وصارت له اللياقة.


4


قيل له: أكتبْ،

فكتب، وعرف أن يكتب، وصارت الكتابة إليه.

5

ليست نزهة، أعرف.

الكتابة اكتشافٌ وكشفٌ، ومتعاليات تضاهي الحرية. ففي الكتابة خارج النص سوف أكتبُ ما لم أكتبه في القصيدة. الأفق هنا أكثر رحابة وحناناً من النص. ثمة مراوحة تشبه استراحة النزال بين النصل والمقاتلة. لا تكفّ المزاعم، ولا تتوقف المجابهات، ولا نهاية للأمل. أمل هو النقيض الجوهري لليأس. فاليأس هنا أكثر حرية من الأمل الرائج. هناك يتوجب عليك الإعجاب بما يقولون وما يجترحون وما يطرحونه على جسدك وجثمانك. هناك، يتوجب أن تكون حراً في اليأس. هنا، في الكتابة، يتوقف عليك ابتكار الأمل اليائس من مشاريعهم. ليستْ نزهة، لكنها المجابهات النزيهة مما تؤمن به الجموع. الحشود التي يسمونها الجماهير، تكفُّ هنا عن سطوتها. فليس ثمة خطأ فادح أكثر مما تذهب إليه الجموع. الحشد الأعمى لا يروق لي لا سطوة له على ما أذهب.


6


جالسٌ في اليأس، مكترثٌ بالأمل،

سيد اليأس،

لستُ إلا إذا صَحَّ لي حضَّ الناس على تفادي الأمل الرائج.

لقد قلت لهم إن اليأس هو السعي الحثيث نحو الأمل.

فمن يأمل معنا لا تصيبه الندامة.


7


واقفٌ فوق ظلي

لعلي أرى الشمسَ مكسورة في المرايا

لعلى، إذا انهارت النار في كاهلي،

صحَّ لي أن أصوغ الوصايا

وأخرج عن وهم أهلي.


8


كلما انتبه الناس قبل الحريق،

يجيْ الطريق.


9


أرى إلى الفن والأدب طاقة روحية تحرر الإنسان من مشاعره السلبية تجاه الحياة وعناصرها. وهو، أيضاً، كل ما يدفع الإنسان نحو الحب. ويحقق له الصداقات الجميلة. الإعصار يجرف النهر ويُؤرجح الجسور، غير أنه لا يغير لون الأشجار، ولا يمحو كلمات الحب في القلب. جوهر الإبداع يكمن في شغفٍ متواصل بالصداقة، فهو يصقل الصداقات القديمة ويعقد الصداقات الجديدة.


10


عندي بيت وزوجة وعائلة تزخرف الوقت والمكان. اكتسبت مع زوجتي زرقة السماء، ومع أبنائي صداقات جديدة مفعمة المشاعر الإيجابية. فليس من غير دلالة أن يكون ابناؤك أصدقاء لك. بالنسبة لي، أصبحت المشاركة مع أبنائي في عمل فني، تجربة مشوقة في أكثر من جانب. وتصير للكتابة أجنحة كثيرة وهواء.

فلم يكن في تجربة الكتابة القدر الكافي من المتعة والفخر، لولا دهشة المكتشفات/ وجديد الخبرة. ثمة فضة تتناسل وأجنحة تأتي. أجنحة تمنحني المزيد من الريش. وتجعل من فكرة المتعة الفنية حواراً معرفياً يصعب على الآباء تصوره، تجربة تسكب الأمل في روحي.

أعرفُ.

ذلك ما كان يغيب عن ولعي وانهماكي.

أتأكد الآن بأن معرفتي ليست كما كانت قبلهم.

أبناء/ أصدقاء يذهبون بي إلى الماء والموسيقى وفنّ الحياة.

أكتبُ حيث ما يذهبون، لئلا أهرم.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email