فلسطين… الأحلام الباسلة


في المرة الأولى، فشل الأصدقاء في بيت الشعر الفلسطيني، استصدار ترخيص عبور لصبحي حديدي ولي، من أجل دخول الضفة الغربية في فلسطين للمشاركة في مهرجان الشعر العربي الأول في رام الله. كان ذلك في ذروة انتفاضة محمد الدرة، عام 2000 . وبعد سنوات عشر تيسر لمتحف محمود درويش استصدار ذلك الترخيص، لكي أشارك مع إبراهيم نصرالله وبثينة العيسى وحمّور زيادة، في ندوات ثقافية في عدد من المدن الفلسطينية.


2

الحق إنني لم أكن مستعداً لخسارة فادحة الى هذا الحد مرة ثانية. لأن حلم زيارة فلسطين بالنسبة لي ليس شأناً عابراً، فعندما خسرت الزيارة في المرة الماضية، كاد محمود درويش ان يشمت بي قائلاً: (إذا كانوا أحنا ما بدهم يسمحوا لنا). غير أنني كنتُ أتشبث بالفكرة كلما التقيتُ بالأصدقاء، وأردد عليهم (لابد من رام الله، رام الله أم لم … )، دون ان يكون في ذلك تجديفاً.



3

قلتُ لهم:

الآن،

أريد أن أصدق أنني هنا. كما أريد أن يصدّق الأصدقاء العرب، بأنه ليس من العدل الشكوى من صعوبات زيارة فلسطين، بالمقارنة مع معاناة الذين يقيمون تحت سطوة محتليها. الآن، ها أنا في فلسطين، بالنسبة لي، هذه الحقيقة مذهلة. لكأن كل ما كتبتُ من شعر هو بمثابة الرشوة لآلهة مازالت تعبث بمصائرنا، رجاةَ أن تهبني نعمة هذه الزيارة قبل أن أموت.


4

قلتُ لهم، إسمحوا لي أن اعتبر هذه الزيارة وهذا اللقاء رحلة الروح. فأتلمسُ الدم الناعم الذي يمنح جراحي نكهة الهواء وجسارة الأحلام. وأن يكون هذا الدم النبيل الدليلَ الحميم على الحياة في كائنات هذه الأرض. فأنتخبُ لحبي القديم نبيذاً على شاكلته، يترنح لفرط الذاكرة، مفعماً بلامبالاة الشعر ويقظة القلب. فإذا جاء موتٌ ما، لا يراني. فمَنْ تضحك له هذه الأرض ينساه الله، حتى إذا هو ماتَ… لا يفنى.


5

هذا وقتٌ يستعصي على الوصف، هذا اللقاء النادر الغامض الفاتن المرتبك الشفيف القليل الكثيف. هذا الذي، فيما يرأفُ بالروح، ينهرُ أحلامنا ويصقل ما تبقى من الأمل.

ولولا خشيتي من أن كلمات الشكر تجرح الجمال، لشكرتُ أولاً محمود درويش على هذه الدعوة التي تأخرتْ. ولكنت شكرتُ، أولاً كذلك، الأصدقاء في متحف محمود درويش، الذين سهروا على ترتيب هذا اللقاء الرحيم. ولكنت، أولاً أيضاً، شكرتُ جميعَ الأصدقاء في فلسطين، الذين شاركوا في حراسة هذه الدعوة منذ سنوات لئلا تتأخر أكثر. وأشكركم شخصاً شخصاً أيها الصديقات والأصدقاء على حضوركم لتبادل أنخابَ الشعر والحوار. ها أنا الآن أشعر بالغبطة الشاهقة في حضوركم.

الآن، أحب أن أتأكد أن كل هذا يحدث لي فعلاً.




6

ليست مصادفة أن تكون في فلسطين، وعندما لا تكون فأنت في خسارة دفء المنفى الوطني، وليس من الحكمة المزايدة على الذين يسهرون في شجرة الوطن تحت وطأة العدو. يبقى أن تتوقع من العدو كل ما يتصل بالضغينة والمحو، لكن من المستبعد أن يأتيك هذا كله من ذوي القربى. على أن لا تقلل من حضور (طرفة بن العبد) في تجربتك الراهنة.


7

بيني وبين الأرض لغة ورسائل، غير أنني شعرت فعلاً بفداحة خسارتنا، فيما كنت أتوغل في الأرض الفلسطينية المسورة بالمستوطنات الإسرائيلية، لقد كانوا يعرفون ماذا يأخذون منا.


8

وجوه فقدت الاتصال بها منذ سنوات بيروت والمنافي العربية والغربية. وجوه أتعرف عليها، شخصياً، للمرة الأولى، وجوه تحدثت معها وأنا في رام الله بالهاتف، وهي أسيرة في أكثر من حكم مؤبد، وجوه تعرفني عن بعد، وجاءت تريد العتب على تأخري في الزيارة. وجوه جاءت من القدس وحيفا، تبدي استعدادها لمرافقتي إلى القدس تفادياً لانتظار ترخيص زيارة القدس. وجوه تأخرت عن حياتها، فسمعت القصص الكفيلة بوجع الروح التي تركتها لنا قبل أن تذهب. أي وجوه لم نعرفها بعد يمكنني الكلام عنها.

9

كنت ألتفت، بين وقت وآخر، أسأل مرافقيّ، هل نحن في مكان نعرفه. لئلا نزعم أننا نعرف فلسطين، خشية أن يصدق العرب الآخرون أنفسهم، في ما ينافحون صادقين عن فلسطين طوال أكثر من خمسين عاماً، أنهم يعرفونها. الحق أننا لسنا فلسطينيين، لكن من العدل أن نزعم ذلك، لئلا يستفرد العدو بهم. وظني، إذا سمح لي البعض، بأن التردد في زيارة فلسطين الصغيرة، نوع من ترك أصدقاء الروح لاستفراد العدو بهم.


9

سمعت ما قاله بعض الأصدقاء عن زيارتنا، وسمعت جانباً من سجالهم حول الزيارة، وكنت أبتسم متوهماً أن ثمة ما يدّخره لنا الوقت، فنرى الأكثر مرارة مما يحاول الأصدقاء تفاديه. الآن، فيما أستذكر تلك التجـــــربة (البعيدة)، أثق بأننا لم نزل نحسن (الكلام عن)، في حين يحسن الآخرون (فعل ما يريدون بنا. نحن الكائنات الأضعـــف من الأوهام، والأقل بسالة من الأحلام).

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email