الناقد في الشاعر


من ورشة الشعر:


في الشاعر يكمن ناقدٌ مستعد للمشاغبة والتحرش بالنصوص وهي تتخلّق. لا بد أن يكون في كل شاعرٍ ناقدٌ يسهر على صنيع الشاعر. هذا الناقد من شأنه أن يمنح النصوص المزيد من المرايا والرؤى. فربما احتاج ليل المعنى شموساً كثيرة، كيلا تفسد العتمة سهرة الدلالات.


2

للنقد في تجربة الشاعر دورٌ يضاهي ميزان الذهب. فبعد الاندفاقة الأولى للعواطف والمخيلة النشيطة والشطح الذي يشبه الهرطقة، يأتي وقتُ المراجعة الرصينة، والتأمل الصارم، ليأخذ العقل مجراه الطبيعي، في ترتيب فوضى السديم الذي رافق الخلق الأول. فالنص لحظة انبثاقه، يكون مثل الجنين وهو يخرج، صارخاً، من بطن أمه، ويكون عادة مشبعاً بالأخلاط، ملطخاً بزرقة الخلق الأول. وسوف يحتاج للعديد من عمليات التطبيب والتطهير، ليكون مستعداً للحياة الجديدة خارج مكانه السابق، غرفة المياه اللزجة. النقد للقصيدة، مثل التطهير والتطبيب للجنين بعد الولادة.

3

بقيَ ألا يغترّ الشاعرُ بما يفعل. فليست الكتابةُ سوى محاولة وضع الروح في مهبّ رغبات الجسد، بدون الامتثال لها. ذلك هو الامتحان الأول أمام الشاعر لكي يدرك كم أن الشعر صنيع الملائكة المتواضعين. وكلما شكّ الشاعرُ في صنيعه، صارَ له أن يتقدم أكثر نحو التجربة، بقدرٍ كاملٍ من القلق. فيأتي النقد لكي يرصد هذا القلق، ويبحث له عن المزيد من المرايا، التي تكشف جماليات الشك في تجربة الشاعر. ثمة ما يشبه البرزخ الفذّ بين الغرور والثقة. النقد يحضر لمراقبة الثقة، لئلا تصبح غروراً، فالغرور، بأي درجةٍ كان، سلوك يضرّ الشاعر على غير صعيد.


4

الشاعر الذي لا يُحسن الإصغاء للناقد فيه يكون عرضة لخسارات كثيرة، تبدأ بارتباك صنيعه الشعري، ولا تنتهي بضعف وعيه الفني وخلل في معرفته وتصدّعٍ في كيانه الإبداعي. فالناقد في الشاعر حصنٌ يصونه من الشطط، ويساعده على ترصين نصوصه. من هنا يمكننا رصد أهم التجارب الشعرية، التي تتصل بالنقد بشكل من الأشكال. وغالباً ما نلاحظ أن معظم الشعراء لهم نصيب واضح من النقد، ممارسة في التنظير وفي المعالجات التطبيقية، حتى إن بعضهم يبالغ في تورطه في العملية النقدية، لدرجة يبدو كما لو أنه ينظّر لصنيعه الشعري، ويدافع عما يعتقده من مذاهب الكتابة الشعرية، وفنونها المختلفة.


الإعجاب بشكلٍ ما لا ينفي الأشكال الأخرى


1

عادة، عندما نتحدث عن أحد أشكال التعبير وحسب، يتوجب الانتباه إلى أنه «أحد» الأشكال فقط، وليس هو الشكل الوحيد لكتابة الشعر. فأشكال التعبير لا تُحصى، وربما كانت أشكالاً بعدد الشعراء. ولا يجوز الظن أن حديثنا عن هذا الشكل، مثلاً، هو ضربٌ من الإعجاب بهذا الشكل، باعتباره الشكلَ الأفضل من بين أشكال التعبير قاطبة.


2

في الشعر، «لئلا نقول الكتابة»، يصبح الشكل ضرباً من التعبير، ويصير مكوّناً أساسياً من المضمون، الأمر الذي يدفعنا إلى الشعور بالطاقة المادية التي تتحقق من الطبيعة التقنية التي تتجلّى في النص. ويتجاوز الشكل المفهوم الخارجي المجرد، كما ورثناه في الثقافة العامة، لكي يأخذ أهميته ودوره التعبيري في سياق تجربة الكتابة الجديدة.


3

نحن الآن بصدد «الشكل ذي المغزى»، وهو التعبير الذي أقترحه في سبيل وضع شكل الكتابة في مكانه الجديد، محمّلاً الشاعر «لئلا أقول الكاتب»، مسؤولية ابتكار شكل تعبيره، بوصفه تعبيراً، أو جزءاً من التعبير. عندما نقول «الشكل ذا المغزى» نعني بالضبط أننا نوشك على تفادي الكلام عن شكلٍ بمعزل عن المضمون، بل التخلص من هذه الازدواجية المربكة. ترى إلى أي حدّ نستطيع الكلام عن أشكال التعبير بوصفها تعبيراً؟ أميل الى اعتبار الشكل جزءاً من المعنى، إذ لا شكل زائد، ولا نقصٌ يكتمل بالشكل. بهذا المعنى ليس عبثاً القول بتفادي التفكير بازدواجية المعنى بمعزل عن الشكل. هل نستطيع تحقيق هذه المعادلة في مستقبل شعرنا؟ ظني أن مسؤولية الشعر المقبل إخبارنا بالجواب.


4

حاول السيرياليون في أيامهم اجتراح هذه الفكرة، عندما جرّبوا كتابة نص القصيدة منحوتاً في أشكال مجسَّمة، مثل أجسام الطيور والأشخاص والأشجار أو الكائنات الأخرى. بعضهم استعاد محاولات بعض خطاطي الشرق كتابة الكلمات في أشكال الحيوانات. كل تلك كانت محاولات تشي برغبة وضع الشكل في المحل الجديد، وتحريك محله كملحق نحو تفعيل الإطار بهدف أن يصبح لوناً وخطاً وحركة في اللوحة. غير أن تلك المحاولات لم تنضج بما فيه الكفاية، أما بسبب تواضع المخيلة المقيدة بالخطّ، أو الانشغال بمهمات فنية أخرى في التجربة السيريالية.

يبقى أن إحساس المبدع بأن ثمة طاقة معطلة في طريقة القول ينبغي اندلاعها في صلب الموضوع، هو إحساسٌ طبيعي، وينبغي عدم تفاديه، أو التقليل من أهمية بلورته من أجل أن يصير الشكل معنىً، والمضمون شكلاً. في محاولة لإحلال التعبير بشخصيته الكاملة، متحرراً من ثنائية الشكل والمضمون، متجسداً في اكتمال النص في كيانه.


5

أذكر أن كتاب «التاو»، عندما أراد القول عن تداخل الشكل والمضمون، أشار إلى تمثالٍ لأسد من الذهب الخالص، حيث تنظرُ إلى التمثال، فترى الذهب والأسد في اللحظة نفسها. إذا ركّزت على الأسد كقوة رمزية، وإذا أعطيت عنايتك للذهب، ستجد القوة المادية التي لا تقل أهمية عن الأسد. قوتان متكافئتان في العمل الفني نفسه. قوة الذهب وقوة الأسد. سيعجبني هذا المثال، لمقاربة الشكل والمضمون في صنيع فني واحد.


6

لكن من المؤكد أن ثمة أشكالا مختلفة كثيرة للتعبير الفني، وإذا نحن تحدثنا باجتهادنا في هذا الحقل، لا يعني أننا ننفي الأشكال الأخرى. فالفن ليس بهذا الشكل فقط، ولا بشكلٍ آخر أيضاً.


7

في الشعر، أكثر من الفنون الأخرى، ينجحُ الشكلُ عندما يكون لا مرئياً. فالتوصيف المتوارث المتعارف عليه، من التقليد العمودي والتفعيلي وقصيدة النثر، فهي ليست أشكالاً، لكنها قوالب، الشكل أكثر عمقاً وجوهرية، وغير منظور. الشكل هو روح النص واللغة والعناصر المتماهية في المعاني الأخرى، في المضمون. الشكل هو معنىً يأخذ طبيعة مضمون. فكلما عجزتَ عن تحديد الشكل في العمل الفني أو النص.. استعصى عليك التوصيف حين يتعلق الأمر بالشكل؛ صار النجاح الفني أكثر احتمالاً في التجربة. علينا أيضاً إعادة النظر في مفهوم الشكل بالنسبة للعمل الفني. سيسهل هذا في فنون التجريد، كالموسيقى والتشكيل، لكن فنون الكتابة ستحتاج جهداً فنياً نوعياً أكثر، وسيكون الشعر أكثر تجليّاً في النص، وأقرب إلى التحقق المجرد عندما يكون الشاعر نشيط المخيلة قوي الشكيمة في سجاله مع اللغة. لكي نتذكر أن الشاعر هو السيد، عندما لا ينحني للشكل.

0 عرض

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email