زائر ثقيل

 

كنت أتجوّل في سوق الباشرجة (1) المكتظ بدكاكين الهدايا والتذكارات للسيّاح القادمين ، وبعد أن أحسست بالتعب ، رحت أبحث عن مقهى أستريح فيه وأتناول القهوة . كان الشارع ضيقاً وتتفرع منه ممرات جانبية توجد فيها مقاه وصالونات حلاقة وأكشاك بسيطة .

الجو كان ملتهباً والشمس في كبد السماء ، فأخذت أبحث عن مكان ظليل ، فوجدت إحدى الكافتيريات وسألت صاحبها : هل أجد عندك قهوة بالحليب ؟ فأشار الرجل إلى المقهى المقابل. دخلت المحل وكان صغيراً نسبياً ، به موظف شاب ، باسم الوجه ووسيم . رحب بي وقال : اجلس إلى أي طاولة تحب . اخترت طاولة على الزاوية وأخبرته بطلبي . سألني أي حجم أريد، فرددت بالحجم الصغير .

 

كانت هناك فتاة تجلس إلى طاولة قريبة مني . ملامحها تدل على أنها من أهل هذا البلد . فتاة شقراء فاتنة ، ظننت لأول وهلة إنها إحدى الزبائن ، لكن ، من خلال حديثها الهامس مع الموظف ، وقيامها إلى الكاونتر ، حيث يقف ، أدركت أنها تعرفه . كان الموظف يشتغل بنشاطٍ وهمة ، بينما الفتاة تتكلم له بانكسار ، كأنها تعاتبه بلغتهما التي لا أفهمها ، وكان الشاب يرد عليها بهدوء . شيئاً فشيئاً أخذت الدموع تنحدر من عيني الفتاة وقامت إلى المغسلة ورشحت وجهها بالماء ثم جففته ، وعادت إلى الكرسي . 

جلب الشاب القهوة إلى طاولتي ومعها كأس من الماء البارد . سألته هل عندكم " واي فاي" ، فرد بالإيجاب ، فطلبت الرقم السري له ، فقال : أعطني هاتفك لكي أدخل الرقم . أعطيته إيَّاه فأوصلني بشبكة الإنترنت .

واصلت الفتاة الحديث الهامس مع الشاب وكان يبدو عليها الحزن والتأثر . قامت مرة ثانية وأخذت بعض المحارم الورقية ومسحت الدموع من عينيها ، وكانت على وشك أن تنفجر بالبكاء . سمعتها تسأله بلغة إنجليزية مكسّرة : ماذا تحب منها ؟ فاعتقدتُ جازماً إنها تقصد ماذا تحب فيها ؟ 

كان الشاب يرد ببرود وثقة بينما الفتاة تشتعل غيظاً وتكبت حزناً دفيناً . 

أدركت حينها أن هناك مشكلة عويصة بين الشابين ، وشعرت أن وجودي بينهما سوف يمنعهما من الحديث بحرية . شربت القهوة على عجل ، وقد كان في نيتي البقاء في المقهى لبعض الوقت ، لأتصفح على الأقل الرسائل الواردة عبر " الواتس آب " ، لكنني أحسست بأنني ضيف ثقيل ويجب عليَّ أن أغادر فوراً .

 

  1. الباشرجة : السوق القديم في سراييفو ، عاصمة البوسنة

 

أغسطس 2019

Please reload

 الأصدقاء

لسنا سلفا لخير خلف،

نحن التجربة الخائبة التي يكترث بها قليلون

 وهم ينتظرون حافلتهم على رصيف حياتهم …..

                                                                                   الشاعر  قاسم حداد