اللغة في متواليات الكتابة



اللغة نظامٌ مؤلفٌ من عدة مستويات: المستويات الصوتية، النحوية، الدلالية وغيرها.

القصيدة متوالية لفظية، تتكرّر من خلالها العلاقات بين تلك المستويات المختلفة، يقول ميتشيل ريفايتر. غير أن هذا ليس كافياً، الشاعر يكتشف، أعني يقدر أن يكتشف، الآفاق الأخرى.


2


(ليس من الحكمة، فيما تكتب الشعر، الاقتناع بحروف الأبجدية. قلْ إنها لا تكفيك وأنها أقلّ من قصيدتك. عليك تخيل المزيد من الحروف كما يحلو لك وتقدر).

دائماً، عندما يتعلق الأمر بالكتابة، اللغة هي موضوعنا أولاً وأخيراً. لن نتكلم في شيءٍ خارج اللغة. اللغة هي مصدر الشعر وأفقه ومداه. فأنت لا تصل إلى الشعر إلا بلغتك، بخصوصيتك اللغوية. لذا يتوجب أن تتصرف، شعرياً، كما لو أن اللغة هي ملكيتك الخاصة، إن كنتَ مبصراً فهي ضوء عينيك، وإن كنتَ ضريراً فهي بصيرة قلبك.

من دون ذلك، فأنت لا تصل إلى الشعر ولا تدخل فيه. فلا تزعمنَّ لنا المزاعم.

3


اللغة بوصفها شعراً. ليست أقل من هذا، إن كنا نحترم لغتنا ونحبها حدّ العشق.

(يتوجب أن تحسن التعبير عن شغفك بحبيبتك، قبل أن تفكر في كتابة الشعر. وإذا كنتَ تريد النزهة فاذهب بعيداً عن البحر. فلتذهب بعيداً .. في البحر). اللغة هي التي تتكلم، ولا يتكلم الإنسان إلا بقدر ما يصدر عن بوح اللغة من خلال إصغائه إلى ما تقوله.

تقريباً، هكذا قال هيدغر في معرض كلامه عن هولدرين.


4


فيما اللغة هي أحد تجليات الفكر الإنساني، سوف ننتظرها لكي يتجلى الشعر فيها، ويجلوها الشاعر لتصعيد مشاعرنا الإنسانية المندلعة في النص. سوف تأخذ اللغةُ طبيعتها الروحية من الأنفاس البشرية التي تنفثها أثناء الحياة وهي تعمل، عمل الأبجدية في الكتابة. وكلما سهر الكاتبُ على أبجديته، وهي تتماثل للنص، تسنى للغة إنجاز عملها بجدارة.


5


وبعد كل نص، تنشأ اللغة مثل أطفالٍ يهرعون في حوش البيت، فيما يكبرون كل نهار. هنا تبدأ اللغة في التعرّف على دورها المتسارع المتجدد، حيث النص بيتها، والكتابة حقلها كثير الخضرة والرواء. فاللغة لا تتوقف عن النمو، ولا تكفّ عن الولادة. خصبها يمتح من عذوبة الأعماق، يَنْهَرُ الروحَ لتنهضَ بالأجساد المتعبة، ويشهق فتعتدل الأعضاءُ المتهدّلة والعناصر الضامرة. اللغة هي خلاصنا من أسطورة الصمت.


6


اللغة للعشق وليست للقداسة. فالإخلاص للغة لا يتمثّلُ في تقديسها، لكن في حبها حَدّ الاحترام، بدون تصعيدها حد التبجيل، فهي ربما تكون في منزلة الآلهة بدون تقديس. فلا صلاة لها ولا خضوع لها ولا امتثال. (مثلما بين الماء والثلج. كأنما عطرٌ فائحٌ بلا ورد ولا بخور. هل طابَ لك الصمتُ في ضجيج الزوابع. هل في جناحيك ريشٌ يكفي الريحَ والهواء؟).


7

كيف تقدّس اللغة، فيما تنزع القداسة عن المقدسات؟

اللغة، عند الشاعر، ملكةٌ في خدمة العبيد.

هل صادف أن سمعتَ هذا من قبل؟

هذا ما ادَّخره نبيذ التجربة. ليس ثمة طريقة ولا طريق إلا الإيمان بآلهة وشيكة التخلّق، على يد/ كلمات الشاعر. سوف يتبجل الشعر بصنيعك، وأنت تعيد خلق اللغة بمخيلتك النبوية النشيطة. في الكتابة، في الشعر خصوصاً، ونحن نقول بأن الشعر يتجلى في كل مطلق الإبداع البشريّ، كل ما يتحرك بوحي من مخيلة المبدع، هو ضرب، من الجمال، يتوجب عدم تفاديه.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email