مخاطر تآكل الهويّة  في دول مجلس التعاون الخليجي



∗ جاء هذا البحث كملخص عن تقرير مفصل قد أصدره المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون بعنوان "تقرير المخاطر الاجتماعية في دول مجلس التعاون وسياسات المواجهة" في العام 2016م.


تشكل الهويّة الصورة الكربونية للمجتمع، وهي تجريد عن المقومات الأساسية له، وتعبير معنوي عن عقله الجمعي، وتتشكل الهويّة من عدة متغيرات أساسية تتفاعل مع بعضها البعض، ونتيجة لهذا التفاعل تبدأ الهويّة في التبلور.


وحيث أنه من الطبيعي أن تكون لكل وحدة إنسانية هويتها، فالحضارة لها طبيعتها وهويتها، فمما لا شك فيه أن الحضارة العربية الإسلامية لها هويتها التي تختلف عن هوية الحضارة الصينية أو الهندية أو الحضارة الغربية المعاصرة.


وكذلك المجتمع له هويته، فبرغم أن مجتمعات الخليج لها هوية واحدة متجانسة، إلا أنه بدأت تتشكل هويات – ما زالت جنينية – لكل دولة على حدة. كذلك للقبيلة أو العائلة أو الأسرة الممتدة هويتها التي تميزها عن الهويات الأخرى في ذات المكان أو السياق الاجتماعي.


والإنسان الفرد له أيضاً هويته الخاصة، فلكل "أنا" هويته التي تختلف عن هوية الآخر، برغم أنهما يعيشان في مكان أو أسرة واحدة وينتميان إلى مجتمع واحد.

فإذا تأملنا طبيعة الهويّة فسوف تواجهنا بعض الحقائق الأساسية، حيث تتمثل الحقيقة الأساسية الأولى في أن الهويّة تشكل وحدة في بناء رأسي لتدرج وتباين الهويات. فعلى المستوى الرأسي لتدرج الهويات، نجد أن الهويّة الحضارية هي أشمل الهويات وأعلاها في التدرج، ثم يلي ذلك في التدرج هوية المجتمع التي تتشكل من إسهام الهويّة الحضارية، ومن الهويات الأقل من المجتمع، ثم هوية المجتمع المحلي. فهويات القرية أو البادية أو المدينة التي تختلف عن بعضها البعض، ثم هوية القبيلة أو الأسرة، ثم هوية الفرد عضو الأسرة، واستثناء تشكل الأسرة هوية الفرد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، أما ما عدا ذلك من الهويات فإن التراتب الرأسى للهويات يغذيه التفاعل الرأسي هبوطاً وصعوداً.


الهويات الأدنى للبشر والأسر تشكل من خلال التفاعل والامتزاج هوية المجتمع، وهويات المجتمعات ومن خلال التفاعل والامتزاج تتشكل هوية الحضارة، وتفاعل الهويات الحضارية يؤدي إلى نشأة هوية الحضارة الإنسانية التي هي هوية القرن.


بالإضافة إلى ذلك هناك تفاعل أفقى بين الهويات في أي مستوى يساهم في تشكيل الهويّة الأعلى، فتفاعل هويات الأسر والأفراد من خلال التفاعل والامتزاج تساهم في تطوير هوية المجتمع.


وتفاعل هوية المجتمعات التي تنضوي في ظل هوية حضارة معينة يؤدي إلى نشأة الهويّة الحضارية ودعمها. وتفاعل هويات الحضارات في عصر معين يؤي إلى نشأة وتبلور هوية الحضارة العالمية أو الإنسانية.


وتتمثل الحقيقة الثانية في أن الهويّة هي كائن عضوي ينطبق عليها قانون الكائنات العضوية، فهي تولد وتقوى أو تضعف وقد تموت. مثال على ذلك مع بداية القرن الثامن عشر كانت هناك الهويّة العربية في نطاق الخلافة الإسلامية العثمانية، ثم انفصلت الهويّة العربية، نتيجة لاتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت العرب إلى وحدات قطرية أقل، فنشأت الهويّة الخليجية، والهوية الشامية أو الشرقية، والهوية المغربية في المغرب العربي، وشكلت مصر والسودان هوية واحدة. وفي مرحلة أحدث مع نهاية الربع الأول بدأت كل هوية من الهويّة الفرعية تنقسم إلى هويات قطرية أقل، فبدأنا نشاهد هويات ما تزال في بداياتها الجنينية، كالهوية السعودية، والاماراتية، واللبنانية والجزائرية.


وبإعتبارها ذات طبيعة عضوية، نجد أن الهويّة تقوى وتضعف، حيث تقوى الهويّة إذا هي استطاعت خلال تفاعها مع الهويات الأخرى، أن تهضم المضامين التي انتقلت إليها من هذه الهويات، فتزيدها عافية وقوة، وتضعف، إذا عجزت عن هضم المضامين التي وفدت إليها، أو هضمت كثيراً من هذه المضامين فأصيبت بالتخمة وتغيرت طبيعتها، وهو ما يعني أنها ماتت.


ويلعب التاريخ دوراً محورياً في قوة بناء الهويّة، فكلما امتلك المجتمع تاريخاً ضارباً في الزمان، فإننا نجد التراكم الحضاري والاجتماعي الذي تراكم خلال المسيرة التاريخية من شأنه أن يساعد على بلورة الهويّة كهوية قوية ومتماسكة. وذلك يختلف عن الهويات الهشة أو الضعيفة التي لم تمتلك التراكم الذي يحدد لها طبيعتها ويعين لها خصائصها، وذلك بسبب افتقادها للعمق التاريخي.


بالإضافة إلى ذلك فإن للهوية مقوماتها الأساسية التي تشكل متغيرات بنائها. وتعتبر الجغرافيا من حيث طبيعتها ومناطقها والثروات الكامنة في باطن جغرافيتها أحد المكونات الأساسية، فإذا كانت الجغرافيا قوية ومصانة فإن ذلك يساعدها في الإسهام بفاعلية في بناء المجتمع.


إضافة إلى الثقافة التي تنتج عن مصار عديدة ابرزها تفاعل البشر مع بعضهم البعض بما يؤدي إلى نشأة الهويّة وتبلورها من خلال تفاعلهم، والدين باعتباره قاعدة للثقافة ولتنظيم المجتمع، بحيث يعد حضوره في المجال العام من العوامل الأساسية التي تدعم بناء الهويّة، كذلك هي اللغة التي تشكل وعاء القيم والأفكار وبها يتم التعبير عن الثقافة، تعد أيضاً من مقومات الهويّة. ويأتي أيضاً التراث المادي والمعنوي الذي أبدع غالبيته الإنسان، والذي تراكم عبر مسيرته في مختلف مراحل التاريخ، يعد من المقومات الأساسية في بناء الهويّة. وأخيراً تأتي علينا الاختراقات المعاصرة التي تطرأ على المجتمع وتتغلغل في بنائه، فلا شك أنها تلعب دوراً محورياً في بناء الهويّة كاختراقات العمالة الوافدة، وكذلك مضامين العولمة.




  • تعريف الهويّة وتعيين طبيعتها:


يعرف أحد الباحث حمزة الحسن الهويّة بقوله " المقصود بالهوية الوطنية في معناها العام، ذلك الشعور الجمعي المشترك والشامل لمواطنين في دولة ما، وهو الشعور الذي يقربهم من بعضهم البعض، ويولد لديهم إحساساً بالانتماء للأرض التي يعيشون عليها، ويعزز الحاجة المشتركة للتعايش معاً إلى حد ربطهم بمصير واحد. إنه شعور يولد في أدنى درجاته الاختلاف عن الهويات الأخرى، وفي أعلاه رابطة قوية أقوى من عوامل التمزق والاختلاف مهما تعددت أنواعه، سواء كانت عرقية أو دينية أو قبلية أو غيرها" (ملاحظات غير حذرة حول أزمة الهوية الوطنية في المملكة العربية السعودية، موقع مقالات خليجية على شبكة المعلومات العالمية www.gulfissues.net).


وفي نطاق هذا التفاعل ينبغي أن تحافظ الهوية على بعدين رئيسين، حيث يتمثل البعد الأول في أهمية أن تعمل الهويّة في دول مجلس التعاون الخليجي على تنشئة الهويّة الفرعية حسب طبيعتها ومفرادتها حتى تستوعب هذه الهويات روحها وجوهرها. بحيث تلعب الهويّة الخليجية دورها هنا في التأكيد على ما هو مشترك بين الهويات الفرعية، ومن ثم تلعب الهويّة دورها على هذا النحو في تأكيد التماسك الاجتماعي.


والبعد الثاني– أي الهويّة الجامعة– أن تبارك تنوع الهويات الفرعية، كما تساعد على توفير الظروف الملائمة لتعبر كل هوية عن نفسها، عن تراثها وطبيعتها وطموحاتها، شريطة أن لا يصاحب ذلك غلو قد يفت في عضد الهويّة الجامعة للدولة والمجتمع.


والمتأمل لواقع الهويّة في مجتمعات دول مجلس التعاون يدرك أنها تعاني الآن من حالة تراجع تشكل خطورة اجتماعية، وهي الحالة التي لها أسبابها العديدة.





أ- ظواهر تتعلق ببناء الهويّة:


الظاهرة الأولى في أن الهويّة حقيقة كلية، تتبدى كليتها من خلال امتدادها الزماني لتاريخ الجماعة والمجتمع بما في ذلك طموحاتها المستقبلية، ثم هي تمتد اجتماعياً لتعكس وتحتوي التفاعل الحادث في المكان الاجتماعي لذات الجماعة والمجتمع.


وتشهد الظاهرة الثانية على وجود متغير محوري يشكل قاعدة الهويّة، ليكن هو المتغير القاعدة، من هذه المتغيرات الرواسب البيلوجية التي قد نترجمها بالعرق أو السلالة، وقد تكون اللغة أو الثقافة أو هما معاً، أو الدين، أو البيئة الجغرافية التي تعيش في نطاقها الجماعة ويقع المجتمع. بحيث يؤدي دعم المتغير المحوري في الأغلب إلى دعم الهويّة، كما يؤدي هدر فاعلية هذا المتغير في الأغلب إلى هدر أو فرض تآكل الهويّة.


الظاهرة الثالثة هي أن الهويّة تلعب دورها في تأكيد تماسك الجماعة أو المجتمع، حيث يتحقق هذا التماسك من خلال الثقافة المشتركة التي تنظم التفاعل بين البشر.


ب- حقائق كاشفة لطبيعة وأبعاد الهويّة:


الحقيقة الأولى: في أن الحديث عن الهويّة يعد من الأسئلة أو المسائل الكبرى، لكونها تتصل بهوية جماعات ومجتمعات وربما حضارات.

الحقيقة الثانية: أن الهويّة لها وجودها الفاعل الحي والمنتج.

الحقيقة الثالثة: على أن "الهويّة بهذا الاعتبار فيض متجدد لا تمنعه نواته الصلبة من إمكاناته للتفاعل مع الواقع المتغير". وفي إطار ذلك فإن الهويّة تقود تفاعلاً على ثلاث جبهات.


الجبهة الأولى تسعى الهويّة إلى التأكيد على عناصرها وإعادة دعمها بما يجعلها قوية غير قابلة للأختراق.

الجبهة الثانية تسعي الهويّة إلي تهيئة البيئة المحيطة لها، بما يجعلها بيئة ملائمة لها.

الجبهة الثالثة في اتجاه المستقبل، حيث تطرح على الهويّة في اللحظة الحاضرة، التي هي باب أو عتبة المستقبل، كثيراً من المتغيرات التي على الهويّة أن تتفاعل معها بما يقوي بنيتها ويؤكد فاعليتها.


الحقيقة الرابعة: إلى أن البيئة العالمية التي تعيش في إطارها الهويّة تشكل ساحة لتفاعل المجتمعات والدول، التي تتفاعل مع بعضها تبادلياً، وعبر هذا التفاعل تتدفق قيم مضافة هنا، ومستلبة من هنا أو هناك. (فالهوية هي أشبه ما تكون بجهاز المناعة في الجسم الذي يحول دون فتك الأوبئة به، والذي يعتبر نقطة انطلاق لكل الأدوية اللازمة لعلاج الأمراض الطارئة والعلل المهددة) لأمن القومي العربي في عصر العولمة: اختراق الثقافة و تبديد الهوية/صـ 99-علي ليلة.


الحقيقة الخامسة: بطبيعة التفاعل الكائن بين الهويات الحضارية والمجتمعات التي تجسد واقعياً متضمناتها، ففي عالم تتفاعل فيه أو تتصارع المجتمعات بهوياتها، من الطبيعي أن تسعى كل هوية الى أن تعبر عن كيان واقعي يجسد مضامينها إلى توفير البيئة الملائمة لتحقيق مصالحها، بعض الهويات تمتلك القدرة على اختراق بنية الهويات الأخرى، إما بفعل تقدم وسائل الاتصال وتكنولوجيا المعلومات، إضافة إلى وسائل عديدة، آخر مراتبها استخدام القوة المسلحة والصراع المسلح لفض عذرية الهويات الأخرى، واخضاعها أو تبديد معالمها. في مقابل ذلك فقد تتحرك هويات أخرى عديدة لتشكل تحالفات تسمو بأوضاعها إلى هوية أشمل تمتلك القدرات التي تمكنها من الممانعة، والوقوف في مواجهة الاختراق.


نطاق الأسلوب الثالث تقف الهويّة موقف الممانعة، تحافظ على طبيعتها، تحصن ذاتها ضد الاختراق بأشكاله العديدة. لا تدخل صراعاً غير متكافئ، حتى تمتلك كل أسباب القوة التي تحسم الصراع لصالحها، ولدينا الهويّة الصينية، وتجسدها الصين باعتبارها كياناً واقعياً لها، نموذج لهذا السلوك.


وفي الاسلوب الرابع تقف الهويّة ساكنة بلا حراك، جسدها تهرأ من كثرة اختراقه، لا تسعى إلى استنفار قدراتها وإرادتها للتماسك ناهيك عن استدعاء قدرتها الممانعة أو المقاومة. لا تفعل أكثر مما يفعله الخروف أو الدجاجة التي تنتظر الذبح.


الحقيقة السادسة: على أن تراتب المواطنة والانتماء من شأنه أن يضعف الهويّة، فكلما زاد التراتب والتفرقة بين المواطنة والانتماء كلما زادت رقعة الوهن الذي يصيب الهويّة.


الحقيقة السابعة: أن إبراز حالة تجاذب الانتماءات وسيولة الحدود والعلاقات والوعي والولاء والعصبية، وجميعها تتصل بجوانب الهويّة، على ساحتها تتلاقي الدوائر أو تنفصل أو تتصادم، تنسجم أو تتنافر، تندمج أو تتنابذ. في دوائر الهويّة هناك من يعتبرون خارج الدائرة بفعل النزعة الإقصائية، ومن يعتبرون داخل الدائرة بفعل النزعة الاستيعابية.


الحقيقة الثامنة: أن الهويّة برغم طابعها المعنوي فهي بناء يتشكل من مجموعة من المتغيرات التي تتفاعل مع بعضها البعض لتشكل بناء الهويّة. وبقدر ما تكون المتغيرات المشكلة لبنية الهويّة قوية ومتعافية كانت الهويّة الناتجة عن تفاعل هذه المتغيرات تمتلك ذات القوة.


استناداً إلى ذلك فإن تشكل بناء الهويّة يعتمد على متغيرات عديدة، أول هذه المتغيرات الجغرافيا التي تضم الأرض والمناخ والثروات القائمة على سطح الأرض أو في باطنها، العنصر الثاني هي الثقافة التي تحتوي على منظومات قيمية بداخلها، وكذلك قدرت المجتمع على الاحتفاظ بالتراكم الثقافي، بحيث تتوفر له الخبرة الثقافية التي توفر للمجتمع آليات التكيف مع السياق المحيط، ثم يأتي الدين، وإذا كان الدين يشكل طاقة روحية تدفع الإنسان إلى الإنجاز، فإن نمط التدين السائد في أي مجتمع من المجتمعات يمكن أن يكون له تأثيره الإيجابي على التفاعل الاجتماعي الذي يؤدي في النهاية إلى دعم الهويّة، كما يمكن أن يكون لنمط التدين آثاره السلبية التي تضعف هذه الهويّة وتؤسس لديها قابلية الانهيار أو على إعادة التشكل والظهور بهوية جديدة.


وتشكل اللغة من حيث اكتمال بنيتها وتماسكها، إلى جانب مدى حضاريتها وتطور تراكيبها عنصر هام في تدعيم الهويّة، في هذا الإطار توجد اللغات المتقدمة في مقابل اللغات البدائية، وكلاهما يؤدي دوره في تشكيل الهويّة.


بالإضافة إلى ذلك يشكل التراث الحضاري والاجتماعي، المادي والمعنوي مكونات في بناء الهويّة، ويعنى التراث في جوانبه المتعددة الإبداعات الحضارية والثقافية للمجتمع في جوانبها المادية والمعنوية، كما أن للتنظيمات الاجتماعية التي يصطف من خلالها الأفراد في بناء المجتمع جزءاً من هوية المجتمع، وفي هذا الإطار من الضروري التعرض لطبيعة التنظيم الاجتماعي لمجتمعات الخليج ومدى كونها تلعب دوراً محورياً في بناء الهويّة. وأخيراً تأتي تأثيرات العولمة أو البيئة العالمية المحيطة التي من شأنها أن تلعب دوراً أساسياً في بناء الهويّة.


تهديد التراث من الأخطار المفضية لتبديد الهويّة:


يعد التراث مقوماً أساسياً من مقومات الهويّة، والإضرار به يعني أضراراً بالثقافة والهوية، والتراث دائماً هو درع الأمة التي تستدعي معانيه لشحذ همتها واستنفار إبداعها في أوقات الأزمات. في هذا الإطار يدرك المتأمل للجزيرة العربية في الفكر والثقافة والفنون والعمارة،


العنصر الأول بكونه عنصراً عقلياً وروحياً بالأساس، يتمثل في علوم الدين والعقيدة والشريعة والفقه وعلم الكلام والفلسفة البحتة والتصوف، إضافة إلى ما تميز به العرب من شعر وآداب وفنون.


العنصر الثاني على الفنون والأزياء الشعبية والرسم والنحت وفنون العمارة والخط العربي والألعاب الشعبية، والأغاني والأهازيج والنكتة والطرفة والأحجيات وغير ذلك، سواء كانت موروثات قديمة أو مطورة.


العنصر الثالث في التراث العلمي العقلي الذي قدمه علماء عرب ومسلمون نذكر منه "موسوعة الشفاء" لأبن سينا التي شكلت صدمة للغرب، والتراث الذي تركه الفيلسوف ابن رشد، والذى قدم للغرب فلسفة أرسطو مشروحة وموضحه.


عنصر رابع يتمثل في فن العمارة الإسلامي العربي، العنصر الخامس الذي يتشكل من الأعياد والمناسبات الاحتفالية التي تقع على الأرض الخليجية، سواء كانت هذه مناسات أو احتفالات عربية، أو إسلامية. أو كانت مناسبات واحتفالات ذات طبيعة وطنية، حيث ينبغي أن يكون الإنسان في دول مجلس التعاون الخليجي على معرفة بها.


العنصر السادس الذي يتشكل من التراث المادي الذي تحتوية، والذي يضم الآثار التي كانت لحضارات وسياقات اجتماعية سابقة على الأرض الإسلامية العربية في مجتمعات الخليج.





اختراق الثقافة لتبديد بناء الهويّة:


تعد الثقافة ومنظومات القيم المتضمنة فيها أحد المكونات المحورية في بناء الهويّة كما تشكل الثقافة ومنظومات القيم المتضمنة فيها مكوناً محورياً في بناء المجتمع وكذلك في بناء الهويّة كتعبير معنوي عنه.


المصدر الأول في التراث المتدفق تاريخياً من الماضي، حيث منظومات القيم التي تأتي عن أجيال الماضي، وتنقلها مؤسسات التنشئة الاجتماعية إلى أجيال الحاضر.


المصدر الثاني من القيم المتضمنة في الدين، حيث يصبح الحلال والحرام الديني في هذه الحالة قاعدة للصواب والخطأ في الثقافة والقيم.


المصدر الثالث الذي تتدفق منه القيم والمعاني لتضاف إلى بنية الثقافة والقيم.


وتشكل الثقافة الغربية أو ثقافة العولمة مصدراً من مصادر القيم والمعاني التي تتدفق إلى ثقافة المجتمع، حيث تشكل الثقافة الغربية مكونًا ولو محدودًا في بناء الثقافة المعاصرة لمجتمعات الخليج العربي. وقد بدأ تدفق سمات وعناصر الثقافة الغربية نتيجة للاتصال الكثيف بين مجتمعات الخليج والعالم الأوروبي مع بداية القرن التاسع عشر. حيث بدأت قيم الثقافة الغربية في الانتقال إلى الثقافة الخليجية،


الظاهرة الأولي في انتقال بعض عناصر الثقافة الغربية إلى ثقافة الحياة اليومية في مجتمعات الخليج، حتى أن بعض التخاطب اليومى يتم باللغة الإنجليزية، فقد كان النقل عن الغرب – في فترات ضعف المجتمع - أيسر من العمل على تطوير التراث. الظاهرة الثانية في المحاولات المستميتة للقوى الاستعمارية للقضاء على الثقافة العربية الإسلامية في مجتمعات الخليج.


البعد الأول في وجود منظومات قيم الثقافة في مستواها الرمزى لتشكل قاعدة للاتفاق الاجتماعي بين أفراد المجتمع، إضافة إلى كونها مضامين رمزية تشكل أساس عقدهم الاجتماعي.


البعد الثاني بتسرب قيم الثقافة ومضامينها ومعانيها إلى داخل شخصيات البشر من خلال عملية التنشئة الاجتماعية لتشكل ضميرهم الداخلي، الذي يوجه سلوكياتهم في مختلف مجالات الواقع الاجتماعي.


البعد الثالث لوجود قيم الثقافة في المجال الاجتماعي من خلال صيغة التوقعات المتبادلة، حيث نجد أن أفعال البشر وسلوكياتهم في مختلف المجالات الاجتماعية لا تقع بصورة عشوائية، بل تتم بالنظر إلى منظومات القيم الثقافية المتفق عليها اجتماعياً،


البعد الرابع لتواجد وفاعلية نسق الثقافة والقيم في المجتمع إلى وجودها على هيئة معايير وتقاليد وأعراف وقوانين وقواعد مشتقة من نسق الثقافة والقيم.


خلاصة الأمر أن تعامل سكان دول مجلس التعاون الخليجي مع شبكة الإنترنت هم من الشباب بالأساس، وأن هذا التعامل يتزايد مع الوقت بحيث نجد أنه كلما كثر عدد المتعاملين مع شبكة الإنترنت من السكان وبخاصة الشباب يعني ذلك اتساع قنوات تدفق القيم والمضامين الإيجابية والسلبية على السواء إلى ساحة الثقافة التقليدية.


وتشكل الثقافة الإستهلاكية والترفية الظاهرة الثقافية المرضية الثانية التي أصبحت تعاني منها ثقافتنا، وهناك عوامل عديدة ساعدت على انتشار القيم الاستهلاكية في فضائنا الثقافي.


أصبحت مجتمعاتنا تعاني أيضا من ثقافة المخدرات والهروب إلى التطرف، وهي الثقافات التي أصبحت الأكثر انتشاراً بين الشباب.


خطر تآكل الهويّة:


تتعرض الهويّة الاجتماعية في دول مجلس التعاون خاصة والهوية العربية عامة لمخاطر كثيرة قد يكون لها انعكاساتها على واقع المجتمع. وإذا كنا قد تناولنا بالتحليل تفاعل متغيرات الجغرافيا والتاريخ والسكان والدين واللغة والثقافة وهي المقومات التي تنتج بنية الهويّة. التي هي نتاج تفاعل قيم متنوعة امتزجت فشكلت تكويناً كلياً جديداً هو أشمل من كل المتغيرات التي تفاعلت ولعبت دوراً في تشكيلها. وتظل الهويّة متماسكة وسليمة طالما أن المتغيرات التي تتفاعل إنتاجاتها سوية وسليمة. فإذا تأثرت أي من المتغيرات المشاركة في بناء الهويّة أو تشوه أداؤها، فإنه من الطبيعي أن يؤثر ذلك سلبياً على بناء الهويّة، فتنتج لنا هوية ناقصة أومشوهة.


على هذا النحو فإننا نجد أن هناك ثلاثة مصادر لتشوه الهويّة، أول هذه المصادر أن تؤدي أي من المتغيرات المشاركة في بناء الهويّة دورها بصورة سلبية، بمعنى أن لا تقدم قيمة مضافة تلعب دوراً في بناء الهويّة، كأن تتأكل فاعلية اللغة أو الدين أو الثقافة، أو لا يتعرف المواطنون على خبرات تاريخهم، فيزيدهم ذلك صلابة في الأوقات الصعبة، التي تتعرض لها أوطانهم، أو أن يضعف دور الدين والأخلاق في بناء الهويّة.


بينما يكون المصدر الثاني على عكس المصدرالأول. وحيث يلعب أي من المتغيرات المشاركة في بناء الهويّة دوره بأكثر مما هو مطلوب منه، ومن ثم يشوه الهويّة لأنه يلونها بطبيعته. مثال على ذلك أن يكون التدين المشارك في بناء الهويّة متطرفاً، فيؤثر بطبيعة الحال على طبيعة الهويّة، أو نعيش كثيراً في الذكريات التاريخية والماضية متغافلين عن الحاضر، فيكون ذلك تعبيراً عن هوية مشوهة.


يتمثل المصدر الثالث لتشويه الهويّة في الاختراق الخارجي الذي يضعف فاعلية أي من المتغيرات المشاركة في بناء الهويّة، كإضعاف الدين أو اللغة أو الثقافة، ومن ثم يساعد ذلك على انتاج هوية ناقصة أو مشوهة. أو يعمل الاختراق على تسريب عناصر غريبة، ومضادة للمتغيرات المشاركة في بناء الهويّة أو مضادة للهوية ذاتها.


فقد يظهر ما يمكن أن يسمى بالهوية الناقصة أو المشوهة، مثال على ذلك أننا إذا تأملنا الشرائح الاجتماعية التي تعلمت تعليماً أجنبياً أسقط من حسابه اللغة العربية. ولم يؤكد كثيراً على استيعاب التراث العربي والديني بداخل الشخصية، فإننا سوف نجد في النهاية شريحة اجتماعية تشكلت هويتها بمتغيرات غير تلك التي شكلت هوية بقية فئات المجتمع. ومن ثم فإننا نجد أن الشريحة الحاملة لهذه الهويّة، أو التي تتصرف بحسب مرجعيتها المختلفة نسبياً عن هوية المجتمع، تكون الهويّة الكلية للمجتمع باهتة لديهم نسبياً. فهم يعيشون على هامش الهويّة، لا يعبرون عن طبيعتها الأساسية.


وفي الحالة الثانية قد تتشوه الهويّة أو تتحول إلى هوية ناقصة عند بعض الفئات الاجتماعية.


مثال على ذلك يعد الشباب من أصحاب الهويّة الناقصة فهم لم يستوعبوا بصورة كاملة هوية المجتمع بعد. فهم الأقل ارتباطاً بين فئات المجتمع بالتراث والتقاليد، عواطفهم الدينية في الأغلب ليست عميقة، وأحياناً يبتدع الشباب لغة غريبة على لغة المجتمع. فإذا أضفنا إلى ذلك أن الاختراق الثقافي لثقافة العولمة ينتشر بين الشباب بصورة أساسية، وإذا كان هؤلاء الشباب قد تلقوا تعليماً أجنبياً فالمعتقد أنهم لن يكونوا في الأغلب مكتملي الهويّة.


وفي الحالة الثالثة تحدث ظاهرة يمكن تسميتها بفوضى الهويّة، وهي الحالة التي يؤدي الاختراق الثقافي إلى إنتاجها، حيث تصبح الهويّة التي تعبر عنها بعض الفئات ليست ذات الهويّة التي عينتها الهويّة الاجتماعية الجامعة لها.


0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email