مخاطر تآكل الهويّة  في دول مجلس التعاون الخليجي



∗ جاء هذا البحث كملخص عن تقرير مفصل قد أصدره المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الشؤون الاجتماعية بدول مجلس التعاون بعنوان "تقرير المخاطر الاجتماعية في دول مجلس التعاون وسياسات المواجهة" في العام 2016م.


 

تشكل الهويّة الصورة الكربونية للمجتمع، وهي تجريد عن المقومات الأساسية له، وتعبير معنوي عن عقله الجمعي، وتتشكل الهويّة من عدة متغيرات أساسية تتفاعل مع بعضها البعض، ونتيجة لهذا التفاعل تبدأ الهويّة في التبلور.


وحيث أنه من الطبيعي أن تكون لكل وحدة إنسانية هويتها، فالحضارة لها طبيعتها وهويتها، فمما لا شك فيه أن الحضارة العربية الإسلامية لها هويتها التي تختلف عن هوية الحضارة الصينية أو الهندية أو الحضارة الغربية المعاصرة.


وكذلك المجتمع له هويته، فبرغم أن مجتمعات الخليج لها هوية واحدة متجانسة، إلا أنه بدأت تتشكل هويات – ما زالت جنينية – لكل دولة على حدة. كذلك للقبيلة أو العائلة أو الأسرة الممتدة هويتها التي تميزها عن الهويات الأخرى في ذات المكان أو السياق الاجتماعي.


والإنسان الفرد له أيضاً هويته الخاصة، فلكل "أنا" هويته التي تختلف عن هوية الآخر، برغم أنهما يعيشان في مكان أو أسرة واحدة وينتميان إلى مجتمع واحد.

محمد الغائب

فإذا تأملنا طبيعة الهويّة فسوف تواجهنا بعض الحقائق الأساسية، حيث تتمثل الحقيقة الأساسية الأولى في أن الهويّة تشكل وحدة في بناء رأسي لتدرج وتباين الهويات. فعلى المستوى الرأسي لتدرج الهويات، نجد أن الهويّة الحضارية هي أشمل الهويات وأعلاها في التدرج، ثم يلي ذلك في التدرج هوية المجتمع التي تتشكل من إسهام الهويّة الحضارية، ومن الهويات الأقل من المجتمع، ثم هوية المجتمع المحلي. فهويات القرية أو البادية أو المدينة التي تختلف عن بعضها البعض، ثم هوية القبيلة أو الأسرة، ثم هوية الفرد عضو الأسرة، واستثناء تشكل الأسرة هوية الفرد من خلال عملية التنشئة الاجتماعية، أما ما عدا ذلك من الهويات فإن التراتب الرأسى للهويات يغذيه التفاعل الرأسي هبوطاً وصعوداً.


الهويات الأدنى للبشر والأسر تشكل من خلال التفاعل والامتزاج هوية المجتمع، وهويات المجتمعات ومن خلال التفاعل والامتزاج تتشكل هوية الحضارة، وتفاعل الهويات الحضارية يؤدي إلى نشأة هوية الحضارة الإنسانية التي هي هوية القرن.


بالإضافة إلى ذلك هناك تفاعل أفقى بين الهويات في أي مستوى يساهم في تشكيل الهويّة الأعلى، فتفاعل هويات الأسر والأفراد من خلال التفاعل والامتزاج تساهم في تطوير هوية المجتمع.


وتفاعل هوية المجتمعات التي تنضوي في ظل هوية حضارة معينة يؤدي إلى نشأة الهويّة الحضارية ودعمها. وتفاعل هويات الحضارات في عصر معين يؤي إلى نشأة وتبلور هوية الحضارة العالمية أو الإنسانية.


وتتمثل الحقيقة الثانية في أن الهويّة هي كائن عضوي ينطبق عليها قانون الكائنات العضوية، فهي تولد وتقوى أو تضعف وقد تموت. مثال على ذلك مع بداية القرن الثامن عشر كانت هناك الهويّة العربية في نطاق الخلافة الإسلامية العثمانية، ثم انفصلت الهويّة العربية، نتيجة لاتفاقية سايكس-بيكو التي قسمت العرب إلى وحدات قطرية أقل، فنشأت الهويّة الخليجية، والهوية الشامية أو الشرقية، والهوية المغربية في المغرب العربي، وشكلت مصر والسودان هوية واحدة. وفي مرحلة أحدث مع نهاية الربع الأول بدأت كل هوية من الهويّة الفرعية تنقسم إلى هويات قطرية أقل، فبدأنا نشاهد هويات ما تزال في بداياتها الجنينية، كالهوية السعودية، والاماراتية، واللبنانية والجزائرية.


وبإعتبارها ذات طبيعة عضوية، نجد أن الهويّة تقوى وتضعف، حيث تقوى الهويّة إذا هي استطاعت خلال تفاعها مع الهويات الأخرى، أن تهضم المضامين التي انتقلت إليها من هذه الهويات، فتزيدها عافية وقوة، وتضعف، إذا عجزت عن هضم المضامين التي وفدت إليها، أو هضمت كثيراً من هذه المضامين فأصيبت بالتخمة وتغيرت طبيعتها، وهو ما يعني أنها ماتت.


ويلعب التاريخ دوراً محورياً في قوة بناء الهويّة، فكلما امتلك المجتمع تاريخاً ضارباً في الزمان، فإننا نجد التراكم الحضاري والاجتماعي الذي تراكم خلال المسيرة التاريخية من شأنه أن يساعد على بلورة الهويّة كهوية قوية ومتماسكة. وذلك يختلف عن الهويات الهشة أو الضعيفة التي لم تمتلك التراكم الذي يحدد لها طبيعتها ويعين لها خصائصها، وذلك بسبب افتقادها للعمق التاريخي.


بالإضافة إلى ذلك فإن للهوية مقوماتها الأساسية التي تشكل متغيرات بنائها. وتعتبر الجغرافيا من حيث طبيعتها ومناطقها والثروات الكامنة في باطن جغرافيتها أحد المكونات الأساسية، فإذا كانت الجغرافيا قوية ومصانة فإن ذلك يساعدها في الإسهام بفاعلية في بناء المجتمع.


إضافة إلى الثقافة التي تنتج عن مصار عديدة ابرزها تفاعل البشر مع بعضهم البعض بما يؤدي إلى نشأة الهويّة وتبلورها من خلال تفاعلهم، والدين باعتباره قاعدة للثقافة ولتنظيم المجتمع، بحيث يعد حضوره في المجال العام من العوامل الأساسية التي تدعم بناء الهويّة، كذلك هي اللغة التي تشكل وعاء القيم والأفكار وبها يتم التعبير عن الثقافة، تعد أيضاً من مقومات الهويّة. ويأتي أيضاً التراث المادي والمعنوي الذي أبدع غالبيته الإنسان، والذي تراكم عبر مسيرته في مختلف مراحل التاريخ، يعد من المقومات الأساسية في بناء الهويّة. وأخيراً تأتي علينا الاختراقات المعاصرة التي تطرأ على المجتمع وتتغلغل في بنائه، فلا شك أنها تلعب دوراً محورياً في بناء الهويّة كاختراقات العمالة الوافدة، وكذلك مضامين العولمة.




  • تعريف الهويّة وتعيين طبيعتها:


يعرف أحد الباحث حمزة الحسن الهويّة بقوله " المقصود بالهوية الوطنية في معناها العام، ذلك الشعور الجمعي المشترك والشامل لمواطنين في دولة ما، وهو الشعور الذي يقربهم من بعضهم البعض، ويولد لديهم إحساساً بالانتماء للأرض التي يعيشون عليها، ويعزز الحاجة المشتركة للتعايش معاً إلى حد ربطهم بمصير واحد. إنه شعور يولد في أدنى درجاته الاختلاف عن الهويات الأخرى، وفي أعلاه رابطة قوية أقوى من عوامل التمزق والاختلاف مهما تعددت أنواعه، سواء كانت عرقية أو دينية أو قبلية أو غيرها" (ملاحظات غير حذرة حول أزمة الهوية الوطنية في المملكة العربية السعودية، موقع مقالات خليجية على شبكة المعلومات العالمية www.gulfissues.net).


وفي نطاق هذا التفاعل ينبغي أن تحافظ الهوية على بعدين رئيسين، حيث يتمثل البعد الأول في أهمية أن تعمل الهويّة في دول مجلس التعاون الخليجي على تنشئة الهويّة الفرعية حسب طبيعتها ومفرادتها حتى تستوعب هذه الهويات روحها وجوهرها. بحيث تلعب الهويّة الخليجية دورها هنا في التأكيد على ما هو مشترك بين الهويات الفرعية، ومن ثم تلعب الهويّة دورها على هذا النحو في تأكيد التماسك الاجتماعي.


والبعد الثاني– أي الهويّة الجامعة– أن تبارك تنوع الهويات الفرعية، كما تساعد على توفير الظروف الملائمة لتعبر كل هوية عن نفسها، عن تراثها وطبيعتها وطموحاتها، شريطة أن لا يصاحب ذلك غلو قد يفت في عضد الهويّة الجامعة للدولة والمجتمع.


والمتأمل لواقع الهويّة في مجتمعات دول مجلس التعاون يدرك أنها تعاني الآن من حالة تراجع تشكل خطورة اجتماعية، وهي الحالة التي لها أسبابها العديدة.