من ورشة الشعر: عن التجارب الفنية المشتركة 1





أستدير لكي أحصي تجاربي المشتركة مع الآخرين، كتاباً وفنانين وأتأملها (ليس لمعرفة مقدار النجاح والفشل فيها، فهذا حكمُ قيمة لا يليق الزعم بتقديره). لكن لكي أستذكر ملابسات وسياقات بعض تلك التجارب، ففي التأمل شيءٌ من حكمة الشخص وصونٌ لتحولات النص.

كان عشقي المبكر للفنون التشكيلية هو الذي جعل ثمة سهولة في تقبلي لفكرة العمل المشترك، فقد أردت أن أوجد مساحة للحاسة البصرية في العمل الإبداعي، وهي الحاسة التي تكاد تكون مغيبة أو مسكوتا عنها أو مهملة أو ضامرة في الثقافة العربية.


2

في الأعمال المشتركة مع مبدعين في فنون تعبيرية مختلفة مع الكتابة، رغبت في لذة اكتشاف الشكل وابتكاره، وسوف يتمثل هذا في شعورٍ يشي بأن ثمة متعة إبداعية غامضة في التقاطع الحر مع فنون أخرى (البصرية والموسيقية مثلاً)، ففي هذا ضربٌ من هتك التخوم المستقرة بين أنواع الفنون، وهو أيضاَ اتصالٌ مبكرٌ بما تقترحه علينا، يوماً بعد يوم، التطورات والاكتشافات التقنية المتسارعة في وسائل (أحبُ أن أقول وسائط) الاتصال والتعبير، التي سوف تستجيب دوما لمخيلة المبدعين في شتى الحقول. كما تثبت التجربة أيضاَ، أن التخلف عن الانخراط في هذه المغامرة النوعية تفريطٌ في مستقبلٍ لا يمكن تفاديه.

3

«النهروان» مع جمال هاشم

المصادفات العفوية هي التي اتاحت لهذه التجربة الظهور بهذه الصيغة، فعندما كان جمال هاشم يعبر عن إعجابه ببعض نصوصي (منتصف الثمانينيات)، وفيما كان يعبر بخطوات متململة عن موهبته التشكيلية، طلبت منه أن يرسم شيئاً لقصيدتين كنت قد كتبتهما تواً، واحدة منهما هي «النهروان» أول ما كتبت بعد خروجي من الاعتقال، والثانية «الوردة الرصاصية» بعد حصار بيروت، واقتحام الجيش الإسرائيلي لبنان (1982). وبعد أن أنجز جمال هاشم تلك التخطيطات، أحببتُ شطح مخيلته في تشكيل اللوحات بالحروف والكلمات، من نص القصيدتين.

فرأيتُ ألا توضع اللوحات موزعة بين صفحات القصيدتين، كما كان متوقعاً، ولكن توضع في جزء خاص بالأعمال الفنية، بوصفها نصاً خاصاً بالفنان، وليس شرحاً وزينة للنص. وقتها كنتُ أستشعر الإبداع التشكيلي ليس بوصفه تابعاً للكتابة، لكن باعتباره قائداً لها. وعند طباعة الكتاب، الذي رسم غلافه صديقنا الفنان عبدالله يوسف، اقترحت أن يكون الغلاف مثقوباً في عين الطائر بأحداق لازوردية، فوصفَ مدير المطبعة الشرقية الصديق (محمد الزيرة)، الفكرة تحدياً فنياً، أوصى الفنيّ في الطباعة لديه بمجابهة التحدي بإتقان تحقيق الفكرة. لقد كنتُ وقتها أرغب في تحية الفنان جمال هاشم لمشاركته معي في التجربة. لا يزال بعض الأصدقاء يتذكرون الغلاف المثقوب لكتاب «النهروان».


كان ضياء مأخوذاً بموضوع الحب في الثقافة العربية. كان قد بدأ تجاربه بقصائد حب مع الشاعر أدونيس، وكتاب «طوق الحمامة» مع الشاعر محمد بنيس

4

«الجواشن» مع أمين صالح


عندما بدأنا نكتب «الجواشن»، لم نكن نعرف ماذا كنّا نفعل بالضبط. ثمة رغبة غامضة استدرجتنا لاكتشاف ما لا ندرك في الكتابة. كان أمين صالح في ذروة لغته الشعرية الباهرة، وهو يكتب نصوصه السردية، مصقولاً برؤية بصرية جرّاء ولعه بفن السينما، ثقافة وكتابة. وكنتُ أحدّق في التخوم غير المرئية بين أشكال شعرية تتعثر ببحث محموم عن آفاق الخروج من جاهزيات مفهوم الشعرية العربية. لم نتوقف طويلاً لمناقشة التفاصيل، اكتشفنا كل ذلك أثناء انهماكنا في ورشة الكتابة، كنّا فرحين ومستمتعين بما نفعل. لم نكن نفكر في نزوع بما يسمى الأسلوب الشخصي، تلمسنا طريقاً جديدة لأسلوب جديد مغاير لما كنّا نكتب به، وهذا ما جعل التجربة مفاجئةً بالنسبة لنا.

استغرق العمل في نص الجواشن ثلاث مسوّدات وأربع سنوات مشحونة بالمكتشفات والمتعة. لا أعرف بالضبط ما كان يقصده «رولان بارت» عندما كان يتحدث عن «لذة النص». لكننا عشنا ذلك على وجه التقريب. ولفرط تداخلنا في كتابة النص، نواجه، حتى الآن، صعوبة في تحديد المقاطع التي كتبها كل منا في نص (الجواشن)، لكن بكل تأكيد أستطيع الزعم أن هذه التجربة فتحتْ أمام كتابتي أفقاً غنيا وحراً وجميلاً في آن، وأظن أنني لا أزال أنهل، لغة وتعبيراً، من خيرات تلك التجربة.



5

«موت الكورس» مع امين صالح

أثناء كتابتنا الجواشن، تجلت لدينا فكرة بيان (موت الكورس)، فلم نتأخر عنه، وكان ذلك البيان هو المقدمة الرؤيوية لتجربة (الجواشن)، دون أن نثبته مقدمةً للكتاب.


6

«اخبار مجنون ليلى» مع ضياء العزاوي

كان الفنان العراقي في زيارة أولى للبحرين، قال تعال الفندق نتحدث. زرته فانفجر مشروع «مجنون ليلى». كان ضياء مأخوذاً بموضوع الحب في الثقافة العربية. كان قد بدأ تجاربه بقصائد حب مع الشاعر أدونيس، وكتاب «طوق الحمامة» مع الشاعر محمد بنيس. وعندما تفتّحت وردة حديثنا عن قصص العشق العربي، قال ما رأيك أن نعمل شيئاً عن مجنون ليلى. لم أقبل الفكرة فحسب، فرحتُ بها. قلت له: لكنني لن أصدق رواياتهم عنه. قال أريد قصتك عنه. طلبت منه وقتاً طويلاً، فقال لسنا في عجلة من أمرنا، وسافر.

عندما عدتُ لكتاب الأغاني، وجدت أنني قد وضعت العديد من الهوامش والملاحظات في الجزء الخاص بقيس وليلى في الكتاب. فإذن، كنت توقفت عند هذه الحكاية. وبعد أكثر من ستة أشهر بدأت في كتابة النص. كان العزاوي قد بدأ قبلي برسم ما يراه. وقتها كان الفاكس هو وسيلة الاتصال السائدة. رحت أبعث له نصوص الكتاب أولاً بأول. أحببتُ أن أكتب روايتي كشاعر حديث عن العشق الأزلي، دون أن أصدق ما قاله الرواة عن ليلى والمجنون، وغايرت الجنون والعذرية بمفهومهما القديم. وعندما طُبع الكتاب وأقام العزاوي معرضه الكبير عن المجنون في البحرين، أخذ بعض القراء اقتراحاتي عن قصة المجنون مأخذ الجد. وبعد سنوات انتخبَ مقرر المرحلة الثانوية في وزارة التربية والتعليم في البحرين نصاً من الكتاب لتدريسه في مدارس البحرين، معتقدين أنني أقصد الوطن عندما ليلى. كانت ألوان ضياء العزاوي الحارّة، تضاعف الاشتعالات التي يوقظها النص.

وبعد أكثر من عشر سنوات، بدأ الصديق (مارسيل خليفة) الذي كان قد أحب الكتاب حال صدوره، في مشروع تحويل الكتاب إلى عرض موسيقي غنائي راقص، قدمه في افتتاح ربيع الثقافة عام 2006. وقامت فرقة لبنانية للرقص التعبيري الحديث بتنفيذه بقيادة الفنانة (نادرة عساف). وقد أثار هذا العرض العديد من ردود الفعل الرافضة بوصف حركات الرقص التعبيري فيه إباحية، وأنه يحتوي على نصوص جريئة على الدين.

0 مشاهدة

الأصدقاء

Screen%20Shot%202018-07-01%20at%203.22_e

ترحب مجلة أوان الإلكترونية بمشاركاتكم من مقالات ودراسات وتقارير وتحقيقات صحفية ومواد ثقافية وفكرية وإبداعية، كما تدعوكم للتفاعل مع المواد المنشورة وإغناء مواضيع الموقع بتعليقاتكم وأفكاركم، وسنعمل على نشرها وإظهارها في حال توافقها مع سياسة النشر في الموقع.

كما نود الإشارة إلى إن المواد المنشورة في مجلة أوان الإلكترونية تعبر عن رأي كاتبها ولا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

تواصل معنا

  • Facebook
  • Instagram
  • Twitter
  • email